دارفور.. ازمة سودانية خانقة تستوجب  حلاً سياسياً علمياً  (1 -2)

بقلم الدكتور: منصور يوسف العجب *

1/ خلفية مهمة لاقليم دارفور:

تعتبر دارفور اكثر الاقاليم نأياً في افريقيا: «راجع مارجريت سميث معهد دراسات التنمية جامعة سكس عام 1990م».

المسافة بين اقليم دارفور والعاصمة القومية الخرطوم تقدر بالف كيلو متر وفي نفس الوقت تبعد دارفور من البحر الاحمر والبحر الابيض المتوسط وخليج غينيا بمسافة متساوية وتجاور دارفور ثلاث دول هي ليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى وهنالك تداخل قبلي بين قبائل دارفور وبعض القبائل في هذه الدول.

* فاقمت المواصلات الفقيرة مشكلة بعد المسافة بينها وبين المركز.

* مساحة دارفور تساوي تقريباً مساحة فرنسا وتعتبر «خُمس» مساحة السودان التي تساوي مساحته ربع» مساحة اوروبا اي مليون ميل مربع «راجع هولت تاريخ السودان عام 1988م» وتعتبر المنطقة شمال خط عرض 16 بدارفور منطقة غير مأهولة بالسكان لطبيعتها الصحراوية.

* يقطن بدارفور حوالي الـ «4» ملايين نسمة وينتمون الى عدة قبائل ذات الاصول الافريقية والعربية وما يقارب الـ «70%» من سكان دارفور ذوي اصول افريقية. ويمتهن غالبية مواطني دارفور الزراعة والرعي.

*  يشتمل الاقليم على سهل واسع يرتفع عن سطح البحر ما بين «600» الى «1000» متر وتتخلله في الغرب سلسلة جبل مرة التي يبلغ ارتفاعها «3000» متر الشئ الذي يميز جبل مرة بنمط انتاجي زراعي مختلف.

*  يتفاوت المناخ فيها ما بين صحراء قاحلة في شمال الاقليم الى سافنا مخضرة في جنوبه.

* تمثل الزراعة المطرية والرعي المصادر الاساسية للعيش، الغذاء الرئيسي يتمثل في الدخن والذرة، ويواجه انتاج المحاصيل بشمال الاقليم مخاطر نسبة لشح وتقلب هطول الامطار مقارنة بجنوب الاقليم، يهيمن رعي الابل في شمال الاقليم بينما يهيمن رعي الابقار بجنوبه وتربي الحيوانات الاخرى كالغنم والضأن في كل الاقليم لانها اكثر تحملاً لسوء المرعى.

*  تعتبر دارفور الآن اكثر اقاليم السودان معاناة من العوز الغذائي.. وقد ضربت دارفور مجاعات عدة من اخطر هذه المجاعات المجاعة التي ضربت دارفور نتيجة للجفاف في الاعوام 1979م  - 1984م.  هذه المجاعة كانت قاسية جداً لطول مدة الجفاف ولاتساع رقعتها الجغرافية التي شملت كل دارفور وادت الى تحولات عميقة في مجتمع دارفور.

 من المهم ان ندرك ان هذه المجاعة لم تدانها مجاعة في القسوة الا مجاعة سنة ستة في عهد المهدية عام 1886م التي سميت بذلك الاسم نسبة للسنة الهجرية التي وقعت فيها عام 1306هـ وايضاً مجاعة 1910م ـ 1914م وفي عهد الحكم الانجليزي التي ضربت كل اجزاء شمال

دارفور ما عدا المناطق المجاورة لجبل مرة. كما تأثرت دارفور ايضاً بموجة الجفاف التي ضربت دول الساحل في الفترة ما بين 1970م ـ 1973م. كانت المناطق الاكثر تأثراً بها هي شمال وغرب دارفور واكثر الجماعات تضرراً منها هم الزغاوة الذين رحلوا جنوباً.

* من قبل ذلك تأثرت دارفور ايضاً بموجة الجفاف في الاربعينات خاصة في الاعوام ما بين 1948م ـ 1950م حيث شملت المجاعة اغلب الاقليم وسماها اهلنا الفور بالفاشر «كديس دخل» نسبة لانها كانت تسير ببطء وعمت كل المنطقة.

* من المهم ان ندرك ان مجاعة سنة ستة اضعفت كثيراً من حكم السلطان علي دينار والتاريخ الآن يعيد نفسه.

*  وعلى صعيد آخر اشتهرت دارفور بقدر عالٍ من التسامح السياسي والاجتماعي حيث كانت اول امة في العالم تتبنى مفهوم التجنس وبذلك سبقت الامم الاوروبية، لقد قبل الفور الوجود العربي ممثلاً في القبائل العربية التي نزحت الى دارفور ومنحهم الفور اراضي تسمى الحيكورة او الدار.

* اشتهرت دارفور تاريخياً ايضاً بثقافة انتاجية شملت انتاج الغزل والجلود وحدادة الصفيح والحديد وتشكيل الفضة والنجارة وانتاج السلال والاواني الفخارية.. الخ امتهن الرجال الحدادة والنساء انتاج الفخار. وفي الغالب كانت النساء زوجات للحدادين الذين كانوا يعيشون في هامش المجتمع وغير مسموح لهم بممارسة مهنهم في وسط المدينة.

*  كانت لدارفور ايضاً علاقات تجارية واسعة مع مصر من خلال درب الاربعين وعلاقات ثقافية ودينية مع مصر وشمال افريقيا وجزيرة العرب.

*  الارض بدارفور تعتبر شبه مقدسة وتمثل ملكاً خاصاً للقبيلة، اما من خلال الميراث او بمنحها من قبل السلطان للقبيلة.

*  تأسست دولة دارفور كدولة اسلامية في منطقة جبل مرة في منتصف القرن السابع عشر وكانت لها نظمها الادارية ومؤسساتها القانونية. «راجع هولت، تاريخ السودان». توجه دارفور الاسلامي يفسر لنا الدعم الذي قدمته دارفور للثورة المهدية وللحركة الاسلامية السودانية عموماً. ضمت دارفور لاول مرة للسودان ابان الحكم التركي في عام 1881م وعين سلاطين باشا لادارتها. استردت دارفور سيادتها بعد سقوط الحكم التركي «واستمرت سلطنة ذات سيادة الى  عام 1916م. ربطت دارفور علاقات طيبة مع المانيا وزارها في عام 1874م لفترة وجيزة قبل تعيين سلاطين باشا الرحالة الالماني قوستاف ناختيقال الذي خلف سجلاً مهماً لتقاليد دارفور التاريخية واوضاعها السياسية.

وفي نفس الاتجاه تمثل مخطوطات سلاطين باشا ونعوم شقير مساهمة مهمة لعكس الاوضاع في دارفور في تلك الحقبة.

* قصدنا من هذه الخلفية ان نوضح للقارئ الكريم التعقيدات السياسية والاجتماعية والطبيعية والاقتصادية لدارفور. السؤال الذي يطرح نفسه ما هو الشئ الذي عقد هذه الاوضاع الى ان وصلت

مرحلة الازمة الطاحنة الحالية، التي لفتت انتباه المجتمع الدولي والضمير الانساني التي اصبحت لها تداعيات ربما تؤدي لتفتيت السودان.

2/ ازمة دارفور مرآة لازمة السودان باكمله والتي اتخذت اشكالاً عدة للنزاع:

اولاً: الشكل السياسي:

نتج هذا الشكل عن ضعف او غياب التعددية السياسية كثقافة ديمقراطية خاصة تحت النظم العسكرية التي لازمتها تجاوزات واسعة في حقوق الانسان واضطرابات سياسية نشاهدها الآن. اتسم هذا الشكل بالصراع الحاد حول السلطة السياسية وامكانيات المشاركة فيها . عقد من ذلك المناورات والاستقطاب السياسي و تغييب القواعد ومشاركتها الحقيقية والفاعلة في امور البلاد واقاليم الاطراف.

ثانياً: الشكل الايدولوجي:

يتمثل في النزاع بين الدولة والمجتمع ونتج عن التفاوتات والفوارق الهيكلية الحادة وعدم المساواة بين جماهير المناطق المهمشة وهي الاغلبية عددياً والمركز والفئات المهيمنة عليه. ادى ذلك الى ظهور اتجاه رافض للدولة باعتبارها ناهبة ووهمية.

وساعد في ذلك تراجع الدولة عن مسؤوليتها التاريخية في تقديم الخدمات الاجتماعية، وانتشار النشاطات الطفيلية وغياب العدالة في توزيع الدخول . يقول الدكتور بولوني التابع لبرنامج الامم المتحدة للتنمية في تقريره عام 2004م «ان السودان يمثل اسوأ

مثال لتوزيع الدخل في الارض حيث يحصل افقر «40%» على «4%» فقط من الدخل القومي في الوقت الذي تحصل فيه اغنى «10%» على «77%» في العام 1996م» ايضاً اسهم في هذا الوضع احتكار المصارف وتوجيهها الى خدمة فئات معينة والضعف المزمن في اداء الاقتصاد الكلي المتمثل في بطء النمو الاقتصادي في الفترات «1955م ـ 1972م» و«1984م ـ 1995م» ولكن على الرغم من ارتفاع معدلات النمو منذ العام «1998م» نسبة لانتاج البترول حيث بلغ العائد منه «1900»مليون دولار امريكي اي ما يعادل «58%» من دخل الدولة عام «2003م» نجد ان النمو في القطاعات الاخرى بقي اما راكداً او منخفضاً.

اضافة الى ذلك حالة الفقر المدقع حيث يعيش حوالي 95% من الشعب السوداني دون خط الفقر ولا يملك الفرد منهم دولاراً واحداً في اليوم على الرغم من انتاج البترول، لازم ذلك انتشار المجاعات والامراض والاوبئة في وقت خصصت فيه الخدمات الطبية، وفي نفس الاتجاه عملت التفاوتات بين الاقاليم وداخلها على اذكاء نار الصراع.

يقول د. بولوني «بينما تغطي ولاية دارفور 16% من احتياجاتها للمنصرفات الجارية بالولاية تغطي الخرطوم 64%». من الاسباب ايضاً العجز المستمر في الموازنة الداخلية والخارجية الذي يعكس فشل برامج التكييف الهيكلي في رفع الانتاجية ومن خلالها الصادرات.

تجدر الاشارة هنا ان البنك الدولي قد اقتنع مؤخراً نتيجة لضغط منظمات المجتمع المدني ودول العالم الثالث لتبديل سياساته

بالتركيز على برامج ازالة الفقر.

ادى ايضاً ضعف القطاعات الانتاجية الاخرى خارج نطاق البترول وغياب التخطيط وانكماش العون الخارجي وتدمير القطاع التقليدي واخضاعه للقطاع الحديث لتأجيج هذا الشكل من النزاعات. لقد اعترف اقتصادي سوداني مرموق من الداعمين لسياسات البنك الدولي، بان اكبر خطأ ارتكبوه في تاريخ السودان هو تشجيع الزراعة الآلية على حساب القطاع التقليدي. وكان ذلك في ورشة عمل نظمتها مجموعة الباحثين السودانيين في لندن. من المهم ان ندرك ايضاً ان تهميش مناطق الاطراف قد لعب دوراً مهماً في هذا النوع من النزاعات.

ان مفهوم التهميش الذي كثر استعماله يعني غياب او انعدام المساواة وعادة ما يشير الى عدم الوصول الى الموارد الاساسية او عدم توافرها ويقصد بالمهمشين الذين يحرمون من السلع المادية والاجتماعية والثقافية او من الهياكل السياسية التي تسمح لهم بالمشاركة الحقيقية في السلطة وتلبي الاحتياجات الاساسية والضرورية لحياة ذات معنى لهم. يكمن التهميش في حيزي التوزيع والانتاج. ودارفور كما تؤكد الاحصائيات هي من اكثر المناطق تهميشاً بالسودان عند قولنا هذا لا نعني بانه ليس بالمركز مهمشون كما لا نعني بكلمة المركز شيئاً ساكناً غير متحرك.

ثالثاً: الشكل العرقي:

انعكس هذا الشكل من النزاع في الصراع بين المجموعات العربية والمسلمة المهيمنة والعناصر غير العربية ذات الاصول الافريقية

التي تمثل اغلبية اهل السودان . هذا النزاع تحول الى عنف مباشر بحمل السلاح وهنا مكمن الخطر اسهم في هذا النزاع الاستقطاب الحزبي وضعف التكوينات الطبيقة وتغيير الحدود التاريخية للقبائل خاصة بدارفور وفرض جماعات موالية للحكومة المركزية خاصة في الآونة الاخيرة. كما اسهم ايضاً فيه غياب او ضعف الديمقراطية ومبادئ المساواة في توزيع الدخول والاراضي التي كما ذكرنا سابقاً تعتبر شيئاً مقدساً، وضعف الوصول الى السلطة والموارد والمشاركة السياسية في وقت اتسم بالممارسات القمعية كوسيلة لحل مشاكل الاثنية والمفهوم السائد الضيق لحكم الاغلبية تحت التجارب الديمقراطية وضعف الآليات لادارة النزاعات.

يجب ان نؤكد ان التعدد العرقي لا يقود بمفرده للنزاعات هذا النوع من النزاعات لا يأتي من فراغ بل هو نتاج لظروف او واقع تاريخي معين توافرت فيه الشروط التي وجد فيها المتنافسون افراداً او جماعات او طبقات ان من المناسب اللجوء الى هذا العامل. يجب ان ننبه بان هذا النوع من النزاعات هو من اخطر الانواع ولا توجد دولة مهما كانت قوتها ان تتحمل بذخ النزاع الاثني.

رابعاً: الشكل البيئي:

تمثل في الصراع حول الموارد الطبيعية والاقتصادية والسيطرة عليها واستغلالها ساعد في ذلك انتشار الزراعة الآلية العشوائية «ليس بدارفور» والجفاف والتصحر وغياب التخطيط وخاصة غياب خطط وبرامج الامن الغذائى. ادى الجفاف الى هجرة بعض القبائل العربية من دول افريقية مجاورة وابرامها تحالفات قبلية مع شقيقاتها في دارفور. هذه القبائل مدججة بالسلاح نسبة لانها قادمة من مناطق اتسمت بالصراعات المسلحة، ان القبيلة الوحيدة في دارفور التي ليس لها بعد آخر خارج الحدود السودانية في الوقت الحاضر هي قبيلة الفور.

خامساً: الشكل الثقافي:

تمثل في الهيمنة الثقافية باستغلال النخبة «وهي اقلية» لدين الاغلبية لتصعيد ذاتها واحتكار القرارات السياسية والاقتصادية مما مكن هذه الاقلية من فرض هيمنتها الثقافية. عمق من ذلك غياب سيادة القانون واستغلال الاجهزة الامنية لفرض التوجه الثقافي والديني للنظام.

سادساً: شكل الهوية:

من اهم عناصر هذا النزاع نجدها متمثلة في التنافس الاثني والديني والقبلي واللغوي للوصول للسلطة السياسية والاقتصادية وتحقيق العدل الاجتماعي.

من المهم ان ندرك ان السودان لم يتكون بعد كدولة امة بل ما

زال مجموعة من الامم . كما يجب ان نذكر ان بعض المقاتلين الآن في دارفور ضد نظام الخرطوم كانوا بالامس جزءاً من هذا النظام، يجب على النظام الحاكم في السودان ان يسأل نفسه عن الاسباب التي دفعت رفاق الامس ليكونوا اعداء اليوم. السؤال الذي يهمنا: هل هناك دوافع شخصية ام هي مسألة ضمير اما الاثنين معاً؟

سابعاً: الالتزام الديني:

هذا لا ينطبق على دارفور لانها جميعها مسلمة ولكنه ينطبق على مناطق اخرى في السودان تدين بديانات اخرى.

ثامناً:  النزاع الجيو سياسي

كما ذكرنا سابقاً ان دارفور متاخمة لثلاث دول كانت تعاني جميعها من صراعات مسلحة من اهم هذه الصراعات الصراع الليبي/ التشادي الذي امتد الى دارفور. الامانة تتطلب ان نقولها بان الحكومة الديمقراطية الثالثة قد سمحت بممرات آمنة للقوات الليبية في دارفور وقد سكت حزب الجبهة الاسلامية على الرغم من معارضته الشرسة في الجمعية التأسيسية على الوجود العسكري الليبي بعد زيارة قيادته الى ليبيا ودخوله في الحكومة القومية التي لعبت في تكوينها ليبيا دوراً مهماً.

كما تم حسم الصراع التشادي/ التشادي بين حسين هبري «من قبيلة القرعان» والرئيس الحالي لتشاد ادريس ديبي «من قبيلة الزغاوة» في دارفور. نعلم ان هناك مصلحة جماعية بين الدول تمثلت في هذه الحالة في علاقة المصالح بين حكومة السودان وحكومة تشاد ولكن يجب

ان لا ننسى ان الحاكمين بتشاد هم من قبيلة الزغاوة الممتدة لدارفور.

ما سبق ذكره ساعد في انتشار السلاح وعدم استقرار الاقليم خاصة في فترة الجفاف في الثمانينات وفي نفس الاتجاه فاقم الصراع الليبي/ السوداني ابان حكم النميري والمحورية الدولية على عدم استقرار دارفور.

 

* رئيس المنظمة السودانية لحقوق الانسان

* نائب دائرة الدندر في العهد الديمقراطي

* امين عام جمعية الهلال الاحمر السودانية «سابقاً»