السودان الجديد يتنزل إلى أرض الواقع

أبو بكر القاضي

[email protected]

وفد الحركة الشعبية الذي وصل الخرطوم مساء الجمعة 15 ديسمبر 2003 بقيادة المناضل باقان اموم وبرفقة عبدالعزيز الحلو مسؤول الحركة بجبال النوبة وعضوية المناضل الناطق ياسر عرمان وثمانية آخرين واقرب صورة له في ذاكرتي هي صورة وصول الزعيم محمد عثمان الميرغني عام 1988 من اديس ابابا بعد ان وقع في 18/11/1988 اتفاقية الميرغني ــ قرنق حيث هبت جماهير الشعب السوداني المتعطشة للسلام لاستقبال رسول السلام الذي تخطى الحكومة الرسمية المفوضة والمباركة من البرلمان السوداني لقيادة دفة الامور في البلاد‚ لعل اليسار الاسرائيلي وهو يبرم اتفاقية جنيف مع الزعيم المرتقب ياسر عبدربه رغم معارضة الليكود بقيادة شارون قد تعلم من سابقة الميرغني عام 1988 حين تخطى السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء في ذلك الوقت واستولى على زمام المبادرة وسلم الشارع السوداني قضيته بيده ــ قضية السلام ــ فحاصر الشعب البرلمان والحكومة ولم تجد الحكومة بدا من تبني هذه المبادرة‚ اذا قارنا نظرة الشارع السوداني والحكومة والاحزاب المختلفة للحركة الشعبية لتحرير السودان اليوم مع الاوضاع عام 1988 سنجد الآتي: 1- كانت علاقة حكومة الصادق المهدي متوترة مع الحركة منذ ان ضربت الحركة الشعبية طائرة الخطوط الجوية السودانية في ملكال عام 1986 حيث اعلنت الحكومة السودانية وقف اي مفاوضات مع الحركة وايقاف جميع اشكال الاتصالات‚ 2- كانت علاقة الحركة الشعبية متوترة مع السيد الصادق المهدي شخصيا حيث رفضت الحركة الاعتراف بحكومة الصادق بل اجبرت الحركة الصادق على مقابلة قرنق في اديس ابابا ليس بصفته رئيس وزراء الحكومة المنتخبة وانما بصفته رئيس حزب الامة القومي مما يعتبر اهانة للحكومة وبهذه الصفة جلس السيد الصادق تسع ساعات مع الزعيم قرنق‚ 3- كانت علاقة الحركة الاسلامية «الجبهة القومية الاسلامية» آنذاك متوترة مع حركة قرنق بل ان الحركة الاسلامية هي التي نظمت المسيرة المليونية «امان السودان» بعد اسقاط الحركة لطائرة سودانير المنوه عنها‚ واجبرت الحكومة على اتخاذ قرار وقف الاتصالات بالحركة‚ هذا هو وضع الحركة قبل 15 سنة فقد كان الحزب الشيوعي وحده الذي تحمس لدعوة الجماهير لاستقبال الميرغني بعد توقيع مبادرته الشهير مع قرنق‚ لماذا وجد وفد الحركة القادم للخرطوم استقبالا حافلا وحارا؟ خلال فترة 15 سنة مضت بعد اتفاق الميرغني ــ قرنق حدثت متغيرات ضخمة على الساحة السودانية اهمها احتكار الجبهة الاسلامية للسلطة في السودان منذ 30/6/1989 وحتى اليوم وقد تم تصعيد العمليات الحربية في الجنوب بهدف القضاء على التمرد وتم استغلال سلاح الدين لاقصى درجة ممكنة وتم تجييش الشعب السوداني كله للحرب وبصورة خاصة الشباب من طلاب المدارس والجامعات وقوات الدفاع الشعبي‚ رغم كل هذا لم تحقق الحكومة نصرا حاسما على الحركة‚ وبسبب احتكار الحركة الاسلامية للسلطة وتوسع دائرة الحرب لتشمل منطقة جبال النوبة وجنوب النيل الازرق واخيرا دارفور تغيرت الاوضاع تماما واصبح الوضع كالتالي: 1- التقت مصالح المتمردين من اهل الهامش في الجنوب وجبال النوبة والنيل الازرق مع الاحزاب الشمالية «الاتحادي‚ الامة‚ الحزب الشيوعي‚‚ الخ» وكونوا جبهة معارضة دخلت تاريخ السودان الحديث باسم «التجمع الوطني الديمقراطي» والذي يضم اضافة الى الاحزاب المذكورة نقابيين وضباطا من الجيش امثال المرحوم فتحي احمد علي وقوات التحالف بقيادة عبدالعزيز خالد وشخصيات وطنية‚ 2- في عام 1999 حدث انشقاق كبير داخل صفوق الانقاذ فانقسم اهل الانقاذ الى وطني بقيادة البشير وشعبي بقيادة د‚الترابي وسرعان ما توجه الترابي صوب الحركة الشعبية حيث ابرم الطرفان وثيقة جنيف الشهيرة التي على اثرها تم اعتقال د‚الترابي لمدة سنتين ونصف‚ 3- يضاف الى ذلك انه قد حدث تغيير جوهري كبير للتركيبة السكانية في الشمال عموما وفي العاصمة المثلثة بصورة خاصة حيث اصبح السكان من الاقليم الجنوبي ومن مناطق الهامش الاخرى تحديدا من غرب السودان اصبحوا يشكلون اكثر من 80% من مجموع سكان العاصمة القومية‚ هذا الوضع من الناحية العملية جعل سكان العاصمة هم من انصار الحركة الشعبية‚ 4- في هذا الوقت وخلال هذا العام حدث تطور هام وخطير يصب لمصلحة الحركة الشعبية هو تمرد اقليم دارفور واختياره اسم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» كاسم مطابق لاسم حركة قرنق مما اعطى رقما شعبيا لحركة قرنق في دارفور هذا الاقليم الحدودي مع تشاد وليبيا وافريقيا الوسطى والذي كان في الماضي يصدر الدبابين لمواجهة حركة قرنق‚ 5- يضاف الى كل ما تقدم ان الوفد قادم للخرطوم بدعوة من الاستاذ علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوفد المفاوض في نيفاشا الكينية والذي اجل سفره الى نيفاشا يوما كاملا لكي يلتقي بوفد الحركة وقد تم اللقاء بمنزل السيد النائب الاول‚ وخلاصة القول هي ان الوفد المرسل من طرف الزعيم قرنق وجد ترحيبا رسميا وشعبيا وحزبيا من كافة القوى السياسية في الشارع السوداني‚ مشروع السودان الجديد من الحلم إلى أرض الواقع كانت الهتافات الشعبية في مطار الخرطوم عند وصول وفد الحركة تقول «اهلا بكم في السودان الجديد» وقد افادت الصحف القطرية ان معظم المستقبلين من الجنوبيين وهذه النسبة متناسبة تماما مع نسبة اهل الهامش (الجنوبيين وابناء جبال النوبة ومنطقة النيل الازرق وابناء دارفور) في الخرطوم فهؤلاء يشكلون 80% من سكان العاصمة كما سبق القول‚ ان هذه الحقائق تقتضي تغيير الوجوه الحاكمة في القصر الجمهوري وولاية الخرطوم فابناء الجلابة الذين يحكمون لا يمثلون هذه القاعدة السوداء من سكان العاصمة‚ ان نوعية التركيبة السكانية في الخرطوم وفي مدن السودان عموما تشبه تماما التركيبة السكانية في دولة سنار مما يتعين معه وجود «دنقس» جديد في القصر الجمهوري‚ ويلزمنا تعريف «دنقس» لغير السودانيين فهو زعيم الفونج عمارة دنقس الذي هزم عبدالله جماع (من العرب العباسيين حسب ادعائهم) ثم تحالف معه‚ وبوصول «دنقس» الجديد الذي هو الزعيم جون قرنق للقصر الجمهوري يتنزل مشروع السودان الجديد الى ارض الواقع ويترقى «مساعد الياي» لاول مرة منذ تجربة الخليفة عبدالله التعايشي في دولة المهدية‚ أرواح وليم دينق ويوسف كوه وأروك طونق كانت حاضرة لهذا المشهد مشروع السودان الجديد الذي هو من ابتداع الزعيم جون قرنق يعني تداول السلطة بين ابناء المركز والهامش وانهاء احتكار ابناء الجلابة للسلطة في الخرطوم‚ ولن يتأتى ذلك الا ببروز احزاب قومية تضم ابناء الجنوب والغرب والشرق والشمال في احزاب قومية تقوم العضوية فيها على اساس المواطنة وليس الدين او اللون أو الجنس او المنطقة الجغرافية‚ فالدكتور قرنق لا يمكن ان يصير رئيسا للجمهورية اذا ظل زعيما جنوبيا فقط‚ ولكنه بالتأكيد يمكن ان يكون زعيما قوميا على مستوى القُطر كله اذا استوعب من حزبه السياسي ابناء جبال النوبة والنيل الازرق وابيي وابناء دارفور وابناء العاصمة المثلثة التي اكدنا ان 80% من سكانها اليوم من ابناء الهامش‚ ومن هنا تأتي عظمة الشهيد وليم دينق والشهيد يوسف كوة والشهيد اروك طونق‚ فعظمة وليم دينق لا تأتي من كون ابنه المناضل ابراهام نيال هو احد قادة الحركة الشعبية لا‚ لا‚ ان وليم دينق رئيس حزب سانو هو اول زعيم جنوبي يأتلف مع احزاب شمالية «حزب الامة وجبهة الميثاق» في عهد اكتوبر في مؤتمر القوى الجديدة وقد دفع حياته ثمنا لذلك‚ ان مؤتمر القوى الجديدة هو اول نواة لمشروع السودان الجديد في القرن الماضي‚ اما الشهيد يوسف كوة فهو قائد الحركة الشعبية فصيل جبال النوبة ولم يسعفه العمر ليرى نزول وفد الحركة الذي يضم عبدالعزيز الحلو خلف يوسف كوة يدخل الخرطوم مرفوع الرأس وقد نزل مشروع السودان الجديد الى ارض الواقع‚ اما اللواء اروك طونق الذي استشهد مع الشهيد الزبير محمد صالح في الناصر فقد جاء اروك طونق للدوحة وناظر بقناة «الجزيرة» المناضل ياسر عرمان وقد تحدث اروك بلغة عربية بليغة واستشهد بالقرآن والحديث فهو ابن المؤسسة القومية الجيش السوداني وفور انتهاء البرنامج التليفزيوني خطفه منا المشاهدون من اهل قطر الكرام ليكرموه فقد وجدوا ان بينهم وبينه ارضا مشتركة كبيرة أليس الجنوب هو البوابة النوبية للامن القومي العربي؟ فالسلام الذي شممنا رائحة مسكه هو نتاج لتراكم كبير من النضال والدماء والارواح الزكية في الجنوب والشمال ونذكر هنا صاحب «هذا او الطوفان» الشهيد محمود طه الذي قدم حياته فداءا لقضية الجنوب ومظالم اهل الجنوب‚ فالسودان الجديد اتى ولانه سودان العدل والمساواة فهو ليس ضد احد بل هو للجميع لكل من يريد العدل والمنتصر هو الشعب السوداني‚