حوار مع عبدالحفيظ حميدة حول واقع دارفور

د. إبراهيم إمام/الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

بسم الله الرحمن الرحيم

  عند قراءتي لمقال عبد الحفيظ حميدة (سجال ثقافي في المسكوت عنه في قضية دار فور) أصابتني حيرة في أمره هل هو دار فوري تدثر في ثوب شمالي أم مهاجر شمالي في دار فور، أو موظف قومي نقل إلي دار فور؟  وربما يعمل في دار الوثائق المركزية، لأن ما جاء به من المعلومات، واستعانته بكلمات من بيئة دار فورلا يمكن إنتقاءه بالمرسال! كقوله: (مثقفوها تخندقوا في فرقانهم وبطون عشائرهم)،  جلابة وأم بربتي!

حقيقة لقد أصبت بخيبة الأمل وإنتابني الريب علي وحدة الوطن إن مثقف مثله من بني الوطن يضع مثقفي دار فور في قفص الإتهام، ويجعل صبابته ممثل الاتهام ولسانه شاهد الملك وفكره مصدر الدلائل والبراهين، و يجعل أهل دار فور مجني عليهم، والقاضي...! وبنود الاتهام: 1- جنوحهم إلي جهوية مقيتة, 2- عرقية بغيضة, 3- تفرق وليس توحد, 4- لا يهمهم بكاء الثكالى ونواح الأرامل وصراخ الأطفال, 5- إرتدوا إلى قبائلهم يجوسون خلال ديارهم ابتغاء الفتنة, 6- يزينون فعل التمرد ويحضون عليه, 7- سودوا الصحائف في الترويج لحركة التمرد, 8- تعميق كراهية الأخر في مشروع التمرد الجديد ضد السودان ألنيلي, 9- إنقطاعهم عن مجتمعاتهم التي أتوا منها واستعلائهم الثقافي عليها, 10- الإستقرار بالعاصمة ورفض العودة لديارهم.

أهل دار فور! سطر التاريخ خطوات نضالهم، هم فرسان القومية وصناع الوحدة.

لقد ذكر الأخ عبد الحفيظ (أنه ينتمي إلي الجزء الشمالي من السودان )،  هل يا ترى كل أبناء شمال السودان يفكرون بهذه الطريقة! أم هي زلة لسان؟ ذكر الأخ عبد الحفيظ بعض النقاط هي من واقع دار فور، إلا أنها ليست بتلك الحساسية، مثل قوله طول مكث مثقفوا دارفور بالعاصمة, أنَّ بعض مثقفى دار فور جرفتهم فكرة القومية إنخرطوا في إتخاذ السبل المتاحة لحل مشكلات الوطن الموحد وترفعوا عن الخوض في الجهوية ومنهم من تمسك بمنصبه المركزية وإتخذه سبيلا لحل قضية الوطن الأم لا مجال لإظهار دارفوريته.

من ناحية ثانية لم يكن لمثقفي دار فور دور متفرج في أحداث المنطقة بل لهم مساهمات متتالية ومحاولات وجهود مقدرة الواحدة تلو الأخرى مثل مبادرات نواب دار فور لحل القضية سلميا، الجهد الذي بذله ولاة سالفين لدارفور لدرء مفاسد وويلات الحرب ودفع كوارث مقبلة للمنطقة، ونداء أبناء دار فور جماعات وأفرادا بلسان رجل واحد لا للحرب ونعم للسلم، لكن السلطة المركزية لم تستجيب ومضت فى سياساتها لسحق خصومها،  حتى تتم المسرحية بوضوح وإحكام،  فولاة شمال دارفور وغرب دارفور السابقين كانوا في عداد أولئك السالفين أما من خلفهم فقد تقلدوا وشاح أبطال الحرب فكان ما كان, ثمَّ أنَّ هناك مبادرة وزراء مركزين ونواب ومثقفين من أبناء دارفور لهم مواقف ملفتة وخاطروا بأنفسهم في سفوح الجبال ومتون الوديان وجلسوا مع الحركة. لقد ظلت مبادرات الحلول السلمية مستمرة ولم تقف.

أما إشارة عبد الحفيظ إلي التنمية الواهمة في دار فور وإعتقاده بأن دارفور أوفر حظا من الشمالية في عدد المدارس الثانوية ودور تعليم العالي فقول يثير العجب، فللمقارنة إنَّ ولاية جنوب دارفور تمثل ثاني ولاية فى السودان من حيث التعداد السكاني وصاحب العقل يميز. أما إرتفاع عدد المدارس الثانوية من 9 مدارس إلى250 مدرسة فتكمن سرها في قرار إلغاء المدارس المتوسطة ودمجها في مرحلة الأساس حيث وفَّر ذلك مباني شاغرة وان لم تكن مهيأة للمرحلة الثانوية، فقرار إزدياد المدارس الثانوية كما وليس كيفا ساهم مساهمة مباشرة في تدهور التعليم. أما التعليم العالي في دارفور فقد بدأ أول مراحله بقرار إنشاء جامعة الفاتح بالفاشر لكنه لم يحظ بالإهتمام والميزانية للتنفيذ، وبعد كل ذلك قامت جامعة الفاتح علي أكتاف مخلفات مبانى شركة ريكي الإيطالية، ثم مبانى مدرستي الفاشر الثانوية بنين وبنات والأبحاث البيطرية. وعلي أثر قرار حكومة الإنقاذ بتقسيم ولاية دارفور لثلاثة ولايات (شمال, جنوب، وغرب دارفور) تم إتخاذ قرار لأنشاء جامعة بكل ولاية ضمن الخطة القومية لذلك. فتقسيم دارفور سهل للمركز المتابعة والتسيير الإداري لكن أدى إلى تراكم أعباء مالية والتزامات علي عاتق مواطن دارفور، ومع ضمور الميزانيات المرصود لذلك من المركز فقد قامت جامعة نيالا علي ركائز المدرسة الصناعية الثانوية وكلية معلمات نيالا وبعض مباني المجلس المحلي بالمدينة، أما جامعة زالنجي فحدث ولا حرج، فالحمد لله والحق يقال أبناء دارفور لهم لمسات بارزة في تسير الجامعات الثلاث بالرغم من إنعدام الموارد وشح الإمكانيات (الجود بالموجود).

ثمَّ إنى أرى الأخ عبدالحفيظ يبالغ فى وجود تنمية حقيقية في دارفور! هل تصدق أنَّ  فى دارفور كلها طريق يتيم وكان من جهود أبناء دارفور؟ أما مطار الفاشر فقد تم تحديثه بجهود مهندس من أبناء المنطقة, ومطار نيالا لست بكاشف سر إنشائه حتى تجتهد لتقف على ذلك بنفسك! أما ازدهار مدينة نيالا دون غيرها فتكمن سرها في سهولة وسائل النقل والإتصال منها وإليها  (طريق نيالا كاس زالنجي وقطار نيالا-رهد أب دكنة "قطار نيالا الخرطوم سابقا"), لذا نجد فيها توالي هجرات رجال الأعمال وأصحاب الحرف والصناعات، أما ملاحظتك لتناثر أبناء دارفور في العاصمة القومية، والجزيرة ومناطق النيلين الأزرق والأبيض والإقليم الشرقي فجل قاطنيها من أصول دارفورية, منهم من جاء ليعمل في مشاريع التنمية, وبعضهم من إلتحق بالجندية ليصير وقوداً للحروب المتعاقبة في السودان، إنَّ هذه الحقائق هى سبب الهجرات المتوالية لأهل دارفور إلى مناطق أخرى في السودان فالتنمية هي الاستقرار, وإذا كانت لديهم تنمية فى مناطقهم لما إحتاجوا للهجرة منها.

أما نجاح أبناء دارفور في حكم مناطق أخرى وفشلهم في حكم دارفور فسر ذلك يعود إلى أنَّ  وزارة المالية المركزية تمنح الميزانيات والموارد لمن تشاء لينجح وتمسك عن من تشاء ليفشل وكل ذلك يقوم على الموفع الجغرافى للمنطقة المحكومة فى السودان، فمن توفرت له الإمكانيات نجح, ومن حرمت منه كُتبت له الفشل، وعلى ذلك فقد نجح دكتور الحاج أدم يوسف في الشمالية نجاحا محمودا له في سجل التاريخ لحصوله على المعينات والمعطيات التي تم تخصيصها للولاية الشمالية، أما حين أرسلوه إلى جنوب دارفور فقد قطعوا منه ما كان يتوفر له سابقاً ومع ذلك فإنه  لم يدخر جهدا لتحقيق نجاحات مقدرة، أما السيد أحمد إبراهيم دريج فإن نجاحه كزعيم للمعارضة  علال فترة الديمقراطية الثانية فيكفيه فخرا وفشله في دار فور لم يكن بيده, خاصة وأنَّ سياسات النميرى ووزارة المالية كانت السبب المباشر فى علافه مع النظام, إننى هنا لا أدافع عن أي من أبناء دارفور أخفق في مهام أوكل إليه ولكن الدلائل تشير إلي استدراج بعض أبناء دارفور للفشل لكي يقال بأنهم فاشلون في إدارة مناطقهم، وقد قيل الكثير.

أما كلمة جلابة, من جلب, وهي وظيفة ولا تحتوي على أي دلالة عنصرية، هناك أسر من شمال السودان هاجروا إلى دارفور وإستقروا بها وهم الآن جزء من أهل دارفور, منهم من تقلد مناصب مركزية على خلفية إنتمائه لدارفور وهناك أمثلة كثيرة، أما ترشيح السيد عبد الله خليل بيه في أم كدادة وفوزه هناك فدليل صريح لعدم وجود نزعة عنصرية لأهل دارفور, وإلاَّ لما فاز الرجل, ومن ناحية أخرى فإنَّ أهل دارفور لم يرفضوا الطيب المرضي في شخصه بل كان محافظا ناجحاً قدم لهم الكثير ، ولكن القرار الجمهوري الذى نص على تعيين حكام الإقاليم من أبناء تلك الأقاليم نفسها كان السبب فى إعتراض الناس لتعيينه, وقد صمد شعب دارفور فى وجه النميرى حتى تراجع وعدل عن قراره في تعيين الطيب المرضي وعين دريج حاكما محله لكنه  لم يغفر ثورة أهل دارفور ضده فعاقبهم بتضييق الخناق على حاكمهم حتى تخلى عن دارفور وسافر وعن السودان كلية.

نحن أهل دارفور قدحنا بكف مية والبعرفنا بعزنا, ونحن ناس جيدا جيتوا تفضلوا لقدام حبا بكم عشرة بلا كشرة، لا نعرف الكراهية ولا العنصرية، كلام ده جاء به يبلى به, ثم أنَّ زعمك أن أسواق الشعبية في أطراف العاصمة حكرا لأهل دار فور فلا نرد عليها إلاَّ بعبارة اللهم لا شماتة, فأسواق الشعبية لمن يعرفونها هى دوما للكادحين وقليلي العدة ورواده فقراء القوم.

حكم الخليفة عبد الله ألتعايشي في السودان: دهشت بقول الأخ عبد الحفيظ حميدة (فشل الخليفة و قصر فترة حكمه للسودان لاستعانته بأهله في الحكم)، فردنا على ذلك أن تحاول قراءة التاريخ قراءة فاحصة, فالخليفة عبد الله ظلم كثير من قبل المؤرخين والكتاب وزدت على قرائك ألما بظلمك له، أراك تهش وتدك دكا وحدة الوطن فأرجو أن تكف و ترجع إلى رشدك وترك نبشا الفتن وكتم الحائق.

أهل دارفور إن جحد المؤرخون بحقهم فإنَّ عطاءهم يمتد فى وجدان الوطن عبر الدهور, أما مثقف دارفور فإنَّ إرتباطه الوثيق بمنطقته قوى على الدوام ولا يضيره النيل منه، أما الأمانة فلا يؤتمن غيرهم.

الحركة المسلحة في دارفور لا تحتاج ترويجا من مثقفى المنظقة للدفاع عنها، وهم إن فعلوا ذلك فإنما لإدانة قنابل الأنتينوف وضربات المدافع الحكومية التي تدك أعناق أبرياء عزل. فالحركة حقيقة معاشة في المنطقة مع إختلاف فهم أهل دارفور لها بين مؤيد ومنتقد ولكل رأيه.

الجنجويد: تعريف د. حسين آدم الحاج وافيا لكل تساؤلات.

الجنجويد لم يستغلهم أحد لإستعطاف المجتمع العالمي ولا كذبا مفترى، هم جزء من واقع دارفور الأليم وليله المظلم والمستأسد الضاري فالكل يرجوا منهم تصحيح أخطائهم وفك وثاقهم من قيود السلطة الحاكمة في الخرطوم ورجوع إلى الصف، ولا يغرنهم وصف حكومة الخرطوم لهم بأنهم قوات متعاونة، أو صديقة ومساندة، فهم حلفاء اليوم وربما أعداء الغد.

أما الزواج ففي كف القدر (قسمة ونصيب) تنساق للطرفين إنسيابا، وتصاحبهم مقتضى الظروف ومجريات الأمور، وفيه إنقسامات داخلية وخارجية ومواقف شبيه بأدوار التمثيل، قد يصاحبه إلتباسات، ولا أدري هو قدر أبناء دار فور أم قدر حسناوات الشمال، على أية حال لا أعتقد أنَّ مثقف ابن دارفور يترفع عن بنات داره وأخواته, وكريمات دارفور ذوات تربية رشيدة وحكمة عظيمة، هذه هي الحقيقة.

أخيرا أشكرك علي كل حقيقة أوردتها في مقالك التنويرى ونسامحك علي هفواتها فكلنا سودانيون نحسن الظن بك, رغم المغالطات التى أوردتها فى مقالك, فكررعودتك فقد نعود لنلتقى هنا مرة أخرى.

د. إبراهيم إمام/ الولايات المتحدة الأمريكية

أخوك ابراهيم امام