كشف زيف ما رمى اليه عبد الحفيظ حميدة في المسكوت عنه في قضية دارفور

الدين عثمان محمد/الدنمارك

[email protected]

  لقد طالعت في صحيفة سودانايل مقال كتبه السيد عبد الحفيظ حميدة بعنوان سجال ثقافي في المسكوت عنه في قضية دارفور.

في هذا المقال رمي عبد الحفيظ باللوم والمسؤولية على مثقفي دارفور عن ما يجري في درافور متهما اياهم باشعال نار الفتنة بارتدادهم الي قبائلهم يجوسون خلال الديار فسادا ابتغاء الفتنة, كنت ساحترم المقال ان اتبع كاتب المقال اسلوبا استفساريا اكثر من ان يكون اسلوبا مليئا بالاتهامات الموجهة لكل مثقفي دارفور والتي ارى فيها اهانة لكل اهل دارفور, لقد استخدم كاتب المقال بعض الاحداث باترا منها اجزاء مهمة حتى يوهم قارئ المقال الغير ملم بمجريات الاحداث في دارفور بان ما يكتبه هو عين الحقيقة و تارة لجا الي بعض المقارنات غير المنطقية.

سوف احاول ان الخص كل اتهام ورد في المقال في شكل فقرة وسوف اعقب معلقا لتوضيح بعض الحقائق  لكشف زيف ما قصده كاتب المقال.

قبل ان ابدء لابد لي ان اشير الي نقطة مهمة وهي ان عمر البشير حينما تسلم مقاليد السلطة في السودان وفي اول زيارة له الي دارفور اعلن امام الملا ان دارفور مظلومة وقد اشار الي المشكلة الامنية في دارفور وكما هو معلوم للجميع ان الامن هو مشكلة من مشاكل دارفور  الاساسية منذ ان الغى النميري نظام الادارة الاهلية دون ان يستبدله بنظام بديل يحفظ استباب الامن الذي كان لا يعرف غير بعض عمليات النهب العادية و التي لا تتجاوز الهمبتة, فهل يا ترى هل تحسن وضع دارفور الامني في ظل حكومة الانقاذ ام تدهور اكثر؟ انا اترك الاجابة للقاري الكريمز

يقول عبدالحفيظ ان ما تتمتع به دارفور من تنمية وازدهار اقتصادي لم يحظ به كل الاقليم الشمالي ويقول ان ولاية جنوب دارفور تعتبر الولاية الثانية بعض الخرطوم من حيث التعداد السكاني وتحدث عن عدد المدارس الثانوية في دارفور الكبرى قبل ثورة الانقاذ والتي كانت 9 وبعد ثورة الانقاذ والتي بلغت 250 ويقول انها نسبة لا يحظي الاقليم الشمالي بنصفها

لقد حاول كاتب المقال ان يثبت بان دارفور ليست بمظلومة وان الظلم الواقع على الاقليم الشمالي اكثر, عزيزي ما هكذا تورد الابل, في مقارنتك لماذا لم تذكر عدد السكان في الاقليمين ولماذا لم تذكر نسبة المدارس بالنسبة للسكان في الاقليمين لان المقارنة في مثل هذه الحالات لا تتم بالعدد انما بالنسبة وشئ اخر المدارس عمرها لم تكن اسماء فقط ورواكيب خالية من الكتب والمقاعد والمعامل والمعلمين وحتى المعلمون الموجدون ينقصهم التدريب والتاهيل ولا يصرفون مستحقاتهم لشهور عديدة بل ولسنين ولا يغطون كل التخصصات المطلوبة مثل الفيزياء والرياضيات التخصص والخ.

لذلك ارى ان مقارنتك لدارفور بالاقليم الشمالي في الاساس مقارنة غير مقبولة و باطلة, لان المساحة الماهولة بالسكان في دارفور اكبر بكثير من الاقليم الشمالي وعدد السكان ايضا بصورة عامة اكثر بكثير, وهل يمكن ان تمدنا بنسة ابناء الاقليم الشمالي الذين يقيمون باقاليم السودان الاخرى مقارنة بالنسبة للتعداد الكلي لسكان الاقليم.

ذكر كاتب المقال ان اهل دارفور ظلوا يحكمون انفسهم منذ انتفاضة دارفور التي اطاحت بالحاكم الاسبق لدارفور الطيب المرضي والذي انتفض اهل دارفور ضده لانه ينتمي الي كردفان وليس الي دارفور ولقد تم تعيين احمد ابراهيم دريج بن دارفور بديلا له ولقد اتهمه كاتب المقال بانه لم يحتمل لواء الحكم ومسئولياته والاختلاط بانفاس المساكين وفضل راحة الاغتراب في المانيا و تطرق ايضا الي ان ابناء دارفور يفشلون حينما يحكمون اقليمهم بعكس نجاحهم حينما يحكمون الاقاليم الاخرى.

هنا لابد ان القي بعض الضوء على التركيبة الاثنية لبعض اقاليم السودان الكبرى والتي اعتبرها كافية لتوضيح ما ارمي اليه, معلوما ان معظم القبائل في الاقليم الشمالي هي قبائل نوبية و قبائل الجنوب قبائل افريقية صرفة, لكن الوضع يختلف تماما في دارفور حيث تكثر فيه القبائل العربية بقدر ما تكثر فيه القبائل الافريقية فلذلك الوضع في دارفور في غاية التعقيد والحساسية وفي ظل هذه الظروف والتنوع الاثني قسم النميري السودان الي اقاليم وعين لكل اقليم ابنا من ابناءه حاكما له عدا دارفور والذي عين له حاكما من كردفان ولذلك راى اهل دارفور في ذلك اهانة لهم, في البداية لم يستجب النميري لمطالب الاقليم بتعيين ابن من ابناءه كحاكم اسوة ببقية الاقاليم الا بعد انتفاضة شعبية عارمة مما اضطره لتعين دريج كحل بديل للمشكلة, قد يكون النميري عين الطيب المرضي حاكما لدارفور واضعا في الاعتبار تركيبة الاقليم الاثنية  لكنني ارى ان النميري ارتكب خطا في ذلك,  والخطا يكمن في تقنينه مبدا الاقليمية بدلا عن القومية.

قد نتفق مع دريج او نختلف معه في اشياء كثيرة اثناء حكمه لدارفور لكن لا احد من ابناء دارفور يمكن له ان ينكر سخاء دريج للاقليم فترة توليه السلطة هناك, حيث انه تبرع للاقليم بعدد لا باس به من العربات واستثماره في مجال النقل وعلى حسب علمي ان دريج قام باتصالات بجهات خارجية مانحة وابدوا  استعداداتهم لتقديم منح كثيرة ومختلفة لدارفور لكن النميري كان يصر بان هذه المنح يجب ات تاتي عبرالحكومة المركزية ويتم تقسيمها بالتساوي لكل الاقاليم حتى لكي لا يسبب ذلك خلل في التنمية بين الاقاليم.

وعلى ما اذكره كان دريج في الخرطوم لمدة تقارب الاسبوع لمقابلة النميري لكن النميري كان يرفض مقابلته ولقد راى في ذلك اهانة له كحاكم اقليم مما اضطره للخروج من السودان ولا يمكن لنا ان نلومه في ذلك في ظل حاكم دكتاتوري كالنميري وعليه قد لا نستغرب ان لم يجد دريج المساعدة المطلوبة من النميري حتى يثبت لاهل دارفور بان تعيينه  للطيب المرضي لم يات من فراغ وهذا يقودنا الي النقطة الاخيرة في هذه الفقرة و هو ان ابناء دارفور لا يجدون الدعم المطلوب من الحكومة المركزية حينما يحكمون اقليمهم بمثلما يجدونه حينما يحكمون الاقاليم الاخرى او كما يجده رصفاءهم من الاقاليم الاخرى حينما يحكمون دارفور ولذلك ان فشلوا فهذا هو السبب.

ذكر كاتب المقال ان مثقفوا دارفور اشتهروا بالمكوث في العاصمة والتطلع لبناء مستقبلهم المهني في البندر دون اجهاد النفس بالهجرة الي الريف ويقول ان الادهى والامر ان الشمال الذين يتهمونه بالاستعلاء الثقافي وممارسة الاضطهاد ضده نشطوا في مصاهرته والزواج من حسناواته مترفعين من الارتباط ببناتهم في الارياف طلبا للرفعة الاجتماعية في الشمال

السيد عبد الحفيظ اهل دارفور مشهورين بالصدق والامانة وحبهم للعلم والدين وحتى من نسميهم سفهاء القوم في دارفور تجدهم حرصين جدا لتطبيق شعائر الاسلام المهمة كالصلاة والصوم وحب اهل دارفور للعلم لم يكن جديدا, اذ عرف في السبعينات كليات الهندسة والطب في جامعة الخرطوم بكليات الغرب اي غرب السودان, ومن النكات التي اذكرها ان طالب من دارفور تم قبوله في كلية الهندسة جامعة الخرطوم وجاء الي الداخلية حاملا فانوس جاز وحينما سئل عن سبب احضاره للفانوس نظر الي لمبة الكهرباء وسئلهم ان كانت اللمبة يمكن ان تكون مضيئة حتى الصباح وحينما اتته الاجابة بالايجاب صرخ فيهم فرحا وقال لهم طيب كان كده انتو ما انضريتو.

رغما عن هذا الحب كان معروفا ان عدد الجامعات محدود في السودان ومع ذلك تتمركز في الخرطوم عدا جامعة واحدة في الجزيرة وكلية في عطبرة و جامعة اخرى في جوبا التي ظلت لفترة طويلة وحتى الان بالخرطوم, فلذلك كان لابد لابناء دارفور ان يهاجروا الي الخرطوم سفرا باللواري والقطارات لعدة ايام لكي يكملوا تعليمهم الجامعي, وكما هو معلوم ان معظمنا في السودان لا يفكر في الزواج الا في السنوات الاخيرة من التعليم الجامعي لذلك ليس من المستغرب ان يكثر مثقفو الغرابة من زواج حسناوات الشمال,  كما سماهن كاتب المقال

السيد عبدالحفيظ استميحني عذرا ان اتقدم اليك بهذه الاسئلة.

1-  لماذا حسناوات الشمال يقبلن بالزواج من مثقفي الغرابة رغما عن المشاكل الاجتماعية التي قد تحصل في اسرهن ضد هذا الزواج مثل المشكلة التي ذكرتها في مقالك والتي واجهها زميلك في جامعة الجزيرة الدكتور خليل ومع العلم كلمة غرابي لها قصد اخر غير الموقع الجغرافي

2-  هل زواج مثقفي دارفور من حسناوات الشمال تحسبها حسنة ام سيئة وهل يساعد ذلك في وحدة السودان ام لا.

وفي الاخير ان موضوع الزواج موضوع شخصي واي انسان له حرية الاختيار فيه, وكمسلمين مادام هذه الزيجات ترضي الله ورسله فلا يحق لنا انا نعيبها باي صورة من الصور

بالنسبة لمكوث اهل دارفور بالخرطوم ما كنت لترهق نفسك وترهقني وترهق القارئ الكريم فقط لو انتبهت الي مركزية كل المؤسسات الحكومية وغيرها في الخرطوم يعني كل شئ كان بالخرطوم, ابتداء من استخراج الجواز حتى مغادرة السودان, سوى كان من اجل العلاج او الدراسة او الاغتراب ولا تتم هذه الاشياء الا بالتواجد في الخرطوم, بل ان لجنة الاختيار للخدمة العامة ولحين من الدهر ليس ببعيد كانت مركزية وحتى يومنا هذا بعض الوظائف تتم التعين لها مركزيا مثل كلية الشرطة و الكلية الحربية والخ.

الم تكن هذه الاسباب كافية ان تجعلهم يمكثون في العاصمة وهل هم الوحيدون الذين يمكثون في العاصمة وهل العاصمة ارض غير سودانية او ملك لابناء جهة معينة في السودان وهل انت من الذين يؤيدون الكشات التي كان يقوم بها النميري لابناء الاقاليم في الخرطوم والتي كانت تطبق فقط على الغرابة والجنوبيين لان قطارات الكشة كانت تتجه لنيالا وجوبا فقط ولم نسمع بقطر كشة متجه الي دنقلا او كريمة.

ولو كان رجوع مثقفو درافور الي ديارهم سوف يساهم في حل مشاكل دارفور في ظل ظروف دارفور المعاشة لما توانى احد في الرجوع ولو كان هذا هو المنطق لماذا نجد معظم مثقفو السودان خارج السودان ولماذا لم يعودوا للمساهمة في حل مشاكل السودان.

السيد عبد الحفيظ المشكلة في السودان مشكلة تنمية متوازنة ولو كانت هنالك فعلا تنمية متوازنة لما تكونت عندك مثل هذه الافكار الغريبة ولما احتجنا لتصنيف ابناء الوطن الواحد حسب مواقعهم الجغرافية, لقد شعرت بخيبة امل و حزن عميق وانا اقرا ما كتبته لانني ما كنت احسب ان احدا من مثقفي الشمال يحمل فكرا واحدا من افكارك الغريبة و انا لا احسب افكارك هذه تمثل راي اهلنا في الشمال والوسط الذي تنتمي اليهم على حد قولك.

وفي الختام املي و رجائي من الاخوة الكرام ان يحكمو صوت عقولهم حينما يتناولون مثل هذه المواضيع وان يركزوا فيما يفيد وحدة البلاد و العباد بدلا ان يكتبوا ما يفرق ويزيد نار الفتنة ويوسع الهوة بين ابناء الوطن الواحد والله في عون الجميع.

الدين عثمان محمد

جامعة البورغ / الدنمارك