كتاب وصحافيو الصحافة يحاصرون د.غازي صلاح الدين بالأسئلة الساخنة

اتفاقية الترتيبات الامنية والعسكرية أسست لكونفيدرالية صريحة!
هناك نزعة في السياسة الشمالية لتعميق الانقسام في الجنوب!

استضاف منبر الصحافة الدوري، الدكتور غازي صلاح الدين مستشار السلام السابق، وعضو المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، في قراءة لسيناريوهات المستقبل المنتظر لبلادنا في ملابسات عملية السلام الحالية والتسويات السلمية للنزاعات الاهلية في أطرافها وقدم في متن الحديث الذي نشرناه الاسبوع الماضي استبصارات حول الركائز أو ما اسماه المتغيرات الخمسة في البلاد وهي الدولة، والمجتمع، والجنوب، والحركة السياسية الشمالية، والقوات المسلحة، والتي قال إن التحولات الجوهرية التي ستحدث فيها في المرحلة القادمة تشكل محدداً رئيسياً لسيناريوهات المستقبل في البلاد، وكان قد انتهى الى حزمة استخلاصات عرضها كتدابير للاتباع حتى تنتهي التحولات بالبلاد الى المسار الصحيح.
وقد حاصره كتاب وصحافيو الصحافة بالاسئلة الساخنة حول قراءته المستقبلية تلك مستدعين الوقائع الماثلة عمليا على مشهد الاحداث في البلاد، وقد اجاب د. غازي على الاسئلة بشئ من الحذر، قال إن حساسية موقعه تقتضي منه ذلك، فإلي المداولات.
ثلاثة شروط:
الاستاذ عبدالله آدم خاطر، الكاتب والباحث المعروف، قال إن حديث د. غازي يقع في باب منهج إصلاح الدولة، وأكدان المعضلة ليست في البعد الخارجي وانما في نظرتنا نحن لهذا البعد مشيرا الى أن وعي المركز بالعالم الخارجي ضعيف ولن يستطيع ان يمضي بالبلاد الى الامام الامر الذي يتطلب التغيير وحدد عبدالله خاطر ثلاثة محاور للاتجاه نحو المستقبل وهي:
1/ ضرورة توجيه النقد الكافي للتجربة المركزية ا لتي جمعتنا بسلاسل الحديد، واحيانا اخرى برقائق الحرير، غير انها كانت تجربة مركزية مقيدة ومهيمنة واثبتت افلاسها.
2/ اعادة قراءة التاريخ بشكل واعي وموضوعي وجديد بما يمكننا من تجاوز الثقافة المركزية بشكل موضوعي.
3/ وضع الاسس للكيفية التي يتم بها اختيار مؤسسة القيادة في المستقبل لسودان متنوع وموحد.
الاستاذ نورالدين مدني مستشار تحرير الصحافة، اوضح ان حديث د. غازي في مقدمته عن المتغيرات الخمسة كان جيدا، ولكن خلاصاته التي وصل اليها تحتاج الى نظر، ورأى ان تقوية الحركة السياسية امر ضروري ولكنه اختلف مع د. غازي في رفضه لتعريف ا لحركة السياسية بأنها الاحزاب فقط. ملمحا الى انه ذات الاتجاه الذي سارت فيه الانقاذ من قبل لاضعاف القوى السياسية الامر الذي قاد لاضعافها هي نفسها.
وشدّد مدني على تقوية المؤسسة العسكرية ولكنه رأى ان ذلك لن يتم دون توجيه النقد اللازم للممارسات التي اتبعتها الانقاذ لاضعافها.
واكد ان الشراكة الثنائية بين الحكومة والحركة الشعبية بعد السلام والعقلية الاستيعابية لن تحلا مشكلة البلاد، داعيا لان يكون المشروع الوطني متفقاً عليه ويكفل التداول السلمي وفق الاسس الديمقراطية على السلطة.
إنقاذ ما يمكن إنقاذه
الاستاذ والمفكر الراحل محمد ابوالقاسم حاج حمد، شكر د. غازي الذي قال إنه تحول مثلهم الى رجل ابحاث ومراكز تفكير، واكد انه لا يعتقد ان السودان وطن مؤسس، ولا وجود لشخصية سودانية، ولا هوية قائمة، وقال ان السودان بالنسبة له مشروع لم يكتمل بعد واوضح ان اول من بدأ تأسيس هذا المشروع هو ونجت باشا غير انه لم يدرس حتى اليوم من قبل الباحثين السودانيين، وانما درس من قبل الباحثين الاسرائيليين، واكد حاج حمد ان السودانيين متطفلين على الحكم بلا منهج في الفكر ولا استراتيجية في السياسة.
واعتبر حاج حمد حديث د. غازي صورة واقعية وبلا رتوش للحال الذي وصل إليه السودان، محذرا اننا جاوزنا مرحلة وطن تحت التأسيس الى مرحلة انقاذ ما يمكن انقاذه. ورأى ان هذا الانقاذ يحتاج الى مركزية ونفى ان يكون يقصد بهذه المركزية سلطة الوسط النيلي واصفا الوسط بانه ثقافة شفاهية متخلفة ليس لديها منهج في التفكير ولم تخلف من تراثها المكتوب سوى مخطوطين هما طبقات ود ضيف الله وكاتب الشونه وقال انها ثقافة لا تصلح للحكم عامين.
واوضح حاج حمد ان المركزية التي يقصدها هي مركزية تفكير بان يجلس كل من قرنق وشريف حرير، وعلى عثمان، وتيسير مدثر، ود. غازي، وبقية العقول للتفاكر بصدق حول ما يحدث في البلاد ولوضع اسس لما ستكون عليه البلاد مستقبلا، وحذر من ان امريكا مصممه على وضع السودان بأكمله في جيبها، وكشف انها - امريكا - هي التي ابعدت غازي عن مفاوضات نيفاشا واصدرت الاوامر بذلك للخرطوم، مضيفا ان امريكا تحكم حتى في مفاوضات نيفاشا وقبلها وترتب امورها بأن تسبقها قوات افريقية تنتشر في كل انحاء السودان. وطلب حاج حمد من د.غازي ان تستضيف مؤسسته اتجاهات المستقبل. منتدى يؤمه الخبراء والمفكرون للخروج بخلاصات توضح المسار الذي يتجه اليه السودان لتقديمها لمن ذكرهم في السابق.
أسس المشروع الوطني
الدكتور الطيب زين العابدين استاذ العلوم السياسية والكاتب المعروف، حدد اهم اسس المشروع الوطني المرتقب هو ان يظل السودان موحدا ويتبنى نظاماً ديمقراطياً حقيقياً، ولامركزية حقيقية ترضي طموحات الاقاليم غير المتجانسة والمتطلعة الى نموذج مثل نموذج الجنوب، وان تكون هناك عدالة اجتماعية.
ونبه د. الطيب الى المهددات التي تكتنف هذه الاسس موضحا ان الدولة الموحدة تهددها الاقاليم التي تشعر بالظلم والتهميش التنموي والسياسي، وزاد ان القوات المسلحة تصبح واحدة من مهددات النظام الديمقراطي عندما تتحالف مع بعض الاحزاب لاستلام السلطة بالقوة. وتابع ان المهدد الثاني للنظام الديمقراطي هوالفوضى في ممارسة الحريات كما دلت التجربة في أعقاب اكتوبر التي أفرزت نتائج سياسية سيئة جدا.
وانتقدت الاستاذة مريم تكس تحالفات المركز التاريخية مع مصر والتي قالت انها ادت لانفصال الاقاليم عن المركز وزادت من غبنها تجاهه واثرت على خياراتنا الوطنية، واعتبرت البعد الخارجي ليس من الخطورة بمكان اذا ماجاءت افكار وطنية قادرة علي الحشد خاصة واننا في المركز تعودنا على خيانة افكارنا الوطنية.
سؤال محير
الدكتور زهير السراج طالب د. غازي بالاجابة على السؤال الكبير والمحير الذي يدور في أذهان غالبية السودانيين ولا يجد من يطمئنهم عليه وهو الى أين تسير البلاد؟ واستدرك بأنه ربما كان حتى المفاوضين لا يعرفون الاجابة علي هذا السؤال. وأكد د. زهير انه ومن واقع لقاءاته ومراقبته لما يحدث يستطيع ان يقول ان احتمال انزلاقنا الى حافة صراع عرقي بات واردا لان الاطروحات العرقية صارت قوية جدا لدرجة ان السياسيين في الاحزاب لجأواللاستقواء بقبائلهم اكثر من احزابهم. اضافة الى ان هناك تكوينات ترعاها الدولة تنادي بأطروحات معينة لا تعدو ان تكون تأجيجا للصراعات العرقية وستقود حتما الى صراع عرقي مسلح.
الصحافي عارف الصاوي تساءل عن الامكانية التي ستمضي بها الشراكة بين الحكومة والحركة الشعبية الى الامام باعتبارها صمام امان الاتفاقية..اذا ما كان طابعها العام هوالتآمر لاضعاف كل طرف للآخر. وتساءل ايضا عن امكانية ان يشكل حزب المؤتمر الوطني الحاكم صمام امان للحركة السياسية السودانية وتشكيل كتلة تاريخية جديدة، في ظل حالة الضعف العام التي اصابت القوى السياسية، اضافة الى انه يفاوض الآن باسم المركز في جبهات عدة لتشكيل ملامح السودان القادم.
الصحافي بله علي عمر سأل د. غازي عن رأيه في الاطروحات التي تطالب بان تلعب المؤسسة العسكرية دورا اكبر في المرحلة القادمة والتي تشهد صعودا للاطروحات العرقية، باعتبارها الجهه الوحيدة التي تجمع كل اعراق السودان داخلها لان القوى السياسية وخاصة في فترة الانقاذ هي التي اذكت هذه النعرات . وسأل د. غازي ايضا عن مدى اتفاقه مع د. صلاح بندر خلال حديثه في منبر الصحافة قبل ايام من انه لن يكون هناك سلام واستقرار دون عدالة اجتماعية.
الاستاذ محمد يوسف الكاتب بالصحافة، رأى أن اهم عامل يجب الاتجاه نحوه في المستقبل هو ترسيخ ثقافة قبول الآخر في المجتمع السوداني، لانه بدونها لن يكتب النجاح لاي اتفاق. وشدّد ان تحافظ القوات المسلحة على اسس الاستيعاب لافرادها على اساس الولاء للوطن وليس بالانتماء لكيان اوجماعة مسلحة ابرم معها اتفاقاً سياسياً لان في ذلك خطوره في حالة حدوث خلاف سياسي.
كونفيدرالية أم فيدرالية؟!
الصحافي علاء الدين بشير، سأل د. غازي باعتباره كان مسؤولا عن ملف السلام وانجز فيه بروتوكول ميشاكوس، عن ما ذكره خبير سوداني، بالامم المتحدة انه التقى بستيفن موريسون مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطون، وهو المركز الذي وضع الورقة التي تسير على هديها عملية السلام الحالية، وقال له الاخير ان عملية السلام الحالية ستنتهي بكونفيدرالية بين الشمال والجنوب دون ذكر ذلك صراحة.
الاستاذة امل هباني، الكاتبة بالصحافة قالت ان الخمسة عشر عاما الماضية افرغت المجتمع السوداني اخلاقيا ولا يعرف الآن بالضبط ما اذا كان مجتمعا متدينا ام غير متدين، مشيرة الى ان هذا الحراك المجتمعي يغيب عن اطروحات السياسيين وتساءلت عن امكانية التعويل على هذا المجتمع بحالته الراهنه في بناء مشروع وطني قوي للمستقبل. وتساءلت ايضا عن امكانية الانطلاق لبناء مشروع وطني للمستقبل دون محاسبة على الاخطاء والمظالم والفساد الذي حدث في السنوات الماضية.
الاستاذ عبدالرحمن الامين، كبير المحررين بالصحافة، قال ان د. غازي نسي ان يوضح ماهو مستقبل الانقاذ في خضم التحولات القادمة رغم انه وضعه كأحد المحددات الرئيسية لسيناريوهات المستقبل. وتساءل عن امكانية ترتيب اوضاعنا كما طالب د. غازي بمعزل عن العامل الخارجي، الذي يتزايد ولا يتحجم الآن.
كيف الفكاك!
الاستاذ عادل الباز، رئيس التحرير اختتم المداخلات عن كيفية تحجيم العامل الخارجي والآليات التي سنعمل بها لانجاز المشروع الوطني الجديد، واوضح ان قانون سلام السودان الشامل الذي اجازه الكونقرس، ويتوقع ان يصادق عليه الرئيس بوش، طالب وزير الخارجية بتقديم تقرير كل ستة اشهر عن الوضع الانساني في دارفور، وطالب الرئيس بوش بتقديم تقرير سنوي ملزم عن الاداء السياسي والمالي والاقتصادي والانشطة التجارية لحكومة السودان خلال الفترة الانتقالية، وخلص الى ان العامل الخارجي اخذ في الازدياد وليس النقصان الى درجة وضع السودان تحت الوصاية، اضافة الى ذلك فان هناك قوات اجنبية مكونه من 10 الف جندي ستصل البلاد، كما ان التدخل الاقليمي اخذ ايضا في الازدياد في شأننا الداخلي. اضافة الى ان نجاح عملية السلام برمتها يعتمد على العون الخارجي.
وطالب الباز بتفصيل اكثر في مسألة الحراك الاجتماعي باعتباره من اخطر المحاور التي يمكن ان تخرب مشروع السلام برمته اذا لم يتم الاحتياط له، موضحا ان الحراك الاجتماعي القادم من دول الجوار سيؤثر على المركز والاطراف والتكوينات الجهوية والاثنية، كما سيؤثر على عملية ونتائج الانتخابات المرتقبة.
حساسية سياسية:
الدكتور غازي صلاح الدين في رده على المداخلات أوضح أنه يضع ترجيحات عامة وليس احكاما قاطعة لسيناريوهات المستقبل، وقال إن حساسية موقعه تجعله يتجنب الحديث ذي المصطلحات السياسية المفخخه، وانه أراد ان يتجه الحديث نحو ترسيخ قناعات مشتركة دون تصنيف سياسي.
واعتبر د.غازي في رده على سؤال الكونفيدرالية، أن اتفاق مشاكوس وما تلاه من اتفاقيات إطارية قامت على فرضية الوطن الواحد، وقد مضت الاتفاقيات الانسانية الفرعية التي تلت مع الحركة الشعبية لتعزيز تلك الفرضية. وقطع د.غازي بان ان ما جاء لاحقا من اتفاقيات، خاصة اتفاقية الترتيبات الأمنية، أسست لكونفيدرالية صريحة، مدللا بأن تلك الاتفاقية نصت على أن تكون القوات المشتركة (وهي نواة الجيش الجديد) تحت إمرة الرئاسة وليس الرئيس. والرئاسة بحسب الاتفاقية مكونة من الرئيس ونائبه الأول وهما يمتلكان ثقلاً متعادلاً ويتخذان قرارهما سوياً فيما يتعلق بمهام القائد العام أو الأعلى للقوات المسلحة، وهذا لا يمكن أن يعد اطروحة وحدويه. لأنه حتى في النظم الكونفيدرالية تكون القيادة والإمرة بالتعاقب بين الرؤساء، ولا يعقل أن تختفي وظيفة القائد العام في إطار وحدوي، وتساءل عن الكيفية التي ستتصرف بها هذه القوات في حالة حدوث غزو خارجي إذا اختلف القائدان في كيفية التصدي للغزو. كما أن بقاء منصب وزير الدفاع الوطني بهذه الصورة أصبح خلافياً، وإذا بقي فسيكون تحت ولايته القوات المشتركة وحدها، أما إذا جعلت الجيوش الوطنية الثلاثة (القوات المسلحة الحالية، والجيش الشعبي لتحرير السودان، والقوات المشتركة) تحت ولايته، فسيكون لزاماً عليه أن يعدل بينها في كل شيء، وهنا ستثور قضية التمويل والمعاملة المتساوية بحجة قوية. وأضاف د.غازي بان ما اتفق عليه في مشاكوس افترض أن الوحدة هي الأساس، والمستفتى حوله هو الانفصال، أما الاتفاقيات التالية فإنها باحتوائها ترتيبات كونفدرالية صريحة تجعل الانفصال هو الأساس والمستفتى حوله هي الوحدة.
واتفق د. غازي مع اطروحتي عبدالله آدم خاطر وحاج حمد في أننا نحتاج الى إعادة تكوين وتأسيس لتجربتنا في الوطن.
جهوية وعرقية سياسية
واكد د. غازي أن الآليات التي سينفذ بها المشروع الوطني هي آليات الحركة السياسية التي قال انه انتقد الاحزاب المكونة لها ليس لأنه يريدها ان تكون ضعيفة وإنما لاستنهاضها للمستقبل، غير انه جدد ان الاعتبارات القبلية والجهوية داخل تلك الأحزاب ستكون فاعلة بشكل كبير، مبينا ان الترشيح في الدوائر الانتخابية سيكون مستقبلا على الاساس الجهوي والعرقي. ورأى تمدد المدافعة الثقافية والعرقية داخل الحركة السياسية نتيجة لافتقارها للافكار والرؤى المحدة لمكوناتها.، وقال ن تراجع الإيديولوجيات ظاهرة تنتظم العالم بأسره، ودلل على ذلك بتفتت الاتحاد السوفيتي، ويوغسلافيا الى دويلات على اساس عرقي وكذلك انبعاث الدعوات الوطنية الانفصالية في الباسك وكتالونيا في إسبانيا، وكورسيكا في فرنسا ، إضافة إلى ايرلندا واسكوتلندا، وقال ان السودان ليس بدعا في ذلك.
ورهن د. غازي صلاح الدين استقواء الحركة السياسية بتهيئة الظروف والشروط المناسبة واهمها الحرية كيما ينفتح المجال امام الحراك السياسي والاجتماعي بعيدا عن التآمر والتعويق وشق الاحزاب، لأن ضريبة ذلك لن يدفعها الحزب الذي تمت عليه المؤامرة وإنما سينسحب ذلك ايضا على من يمسك بالسلطة، فاهتراء الحركة السياسية هو في التحليل النهائي اهتراء لآليات الوحدة في البلاد.
وأكد د. غازي ان ضعف المؤسسة العسكرية يعني ضعف البلاد، لذلك فإن قوتها ووحدتها هي أكبر ضامن للسلام ولأمن السودان ووحدته. واتفق مع د. الطيب زين العابدين في أنه لا يعني بحديثه مؤسسة عسكرية تنصرف عن واجباتها الدستورية في حماية البلاد وتوحيدها لتقوّض النظام الدستوري، وانما مؤسسة موحده على اسس من المهنية والانضباط العاليين. مؤسسة يعتز بها السودانيون ويحسون إلى جانبها بالأمان لا بالخوف. وقال إن كارثة دارفور ما كانت لتحدث في وجود مؤسسة عسكرية مدعومة في ذاتها ومسنودة سياسياً.
وشدّد د. غازي على أن آليات العمل السياسي لن تنشأ لوحدها. وقال ان المسؤولية بالاساس تقع على عاتق الدولة التي لديها المرجعية والقدرات التي تعين بها الحركة السياسية ولديها الانتشارالشبكي، موضحا انه ليس هناك حزب اليوم لديه انتشار في المجتمع مثل حزب المؤتمر الوطني ولذلك فهو المؤهل والمطالب أكثر من غيره بتبني أطروحة وحدة الحركة السياسية وقوتها. وقال إن الحكومة هي الكفيلة بصناعة الواقع والآليات التي تنشئ حركة سياسية قوية وفاعلة وان عليها أن تقبل بأطروحاتها طالما كان تصب في اطار الحل الوطني.
أجندة خاصة
ؤاكد د. غازي انه لا يستطيع ان يطالب أحدأً بإيقاف العامل الخارجي جملة واحدة غير انه قال ان اي مشروع وطني لا بد له ان يقود في المحصلة النهائية الى ضمور العامل الخارجي إلى حين استبعاده بالكلية، لانه وكما اوضح حاج حمد فان القوى الخارجية لديها اجندتها الخاصة. مؤكدا انه لا أحد يستطيع لومها على ذلك وانما العيب واللوم في ان تكون اجندتنا نحن غير واضحة بالنسبة لنا ثم نركن الى التباكي بأن للقوى الخارجية اجندة خاصة ومؤامرات ومخططات.
ورأى د. غازي ان الميزات النسبية للسودانيين في ادائهم الاجتماعي والسياسي ستمكنهم من تأسيس رؤية متفق عليها خاصة اذا كانت هناك مؤسسة عسكرية ملتزمة بهذه الاسس وحارسه لها. واضاف انهم اذا فعلوا ذلك فلن يكون تداول السلطة مضرا او يقودنا الى شقاق وإنما سيحدث بشكل تلقائي ونقبل به، غير ان د. غازي اعتبر رفض تداول السلطة سلميا مرفوضاً من قبل الاحزاب نفسها التي تطالب به الآن، وشدّد على انه (لا ديمقراطية دون ديمقراطيين) مبينا ان آليات العمل الديمقراطي غير راسخة في وجدان وسلوك الحركة السياسية. لذلك تكثر الاحاييل والالتفاف عليها. ومن يستلم السلطة فإنه بالضرورة سيمارس ما كان يمارسه داخل حزبه. وشدّد على ان قيم الشفافية والحرية والديمقراطية الداخلية هي في الأساس قناعات وتقاليد قيم داخلية. واذا لم تتحقق في ذات الحركة السياسية فلن تنعكس في الواقع السياسي. وكما تقول العبارة (كيفما تكونوا يولى عليكم) فالنظم السياسية هي تحصيل لواقع المجتمع وثقافته. وعاد د.غازي ليؤكد ان هذا لا يعفي الدولة من مسؤولياتها في تهيئة الظروف والشروط اللازمه لاحداث تحول ايجابي في المجتمع.
صراع الجنوب ليس أمنية
واوضح د. غازي ان الصراع في الجنوب ليس أمنية خفية كما ألمحت وتساءلت الاستاذه مريم، ولكنه حقيقة مؤسسة على تعدد خطوط التصدع داخل المجتمع الجنوبي، ولا يمكن اهمال ذلك من حساباتنا لقراءة المستقبل. والصراعات لو تأزمت في الجنوب فستكون خصما على السلام. وكذلك لو تأزمت صراعات الشمال. وقال د. غازي إن هناك نزعة تقليدية سادت في السياسة الشمالية لتعميق الانقسام في الجنوب، والجنوبيون انفسهم ظلوا يسهلون هذه المهمة على الشماليين. واوضح ان الحركة الشعبية الآن تحاول نفس الممارسة التي اعتاد عليها الشماليون بمحاولة تفتيت الشمال من خلال إيجاد تحالفات مع القوى السياسية الشمالية التقليدية ومع قوي الريف المتمردة على المركز. ولو استمرت هذه السياسة المتبادلة بين القوى الرئيسية في الشمال والجنوب فسيكون الجزم صعباً بصمود الشراكة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، أو حتى باستقرار أوضاع السلام. وتنبأ د. غازي باستمساك الحركة الشعبية باطروحات التهميش والسودان الجديد وأنها ستعبر عنها بصورة أقوى في مرحلة السلام. وهذا بالطبع من حقها، لكن استمرار الأطروحة وبناء التحالفات على أساسها سيدخل شراكتها مع المؤتمر الوطني في مأزق حرج. فهو سيعني بالضرورة أن تنال الحركة الشعبية كل ميزات المشاركة في السلطة والتمترس خلف آلياتها وإمكانياتها، وفي ذات الوقت الحفاظ على دور فاعل في المعارضة السياسية يوفر لها آليات ضغط فاعلة على الحكومة. وقال إن هذه الحالة بدأت تظهر من الآن من خلال تأكيدات قادة الحركة الشعبية أن حل مشكلة دارفور سهل بعد توقيع اتفاقيات السلام النهائية مع الجنوب، وهو ما يعني اعترافاً ضمنياً بنفوذ الحركة على بعض التنظيمات المسلحة في دارفور. وما يرفع من شعارات ويطالب به الآن في دارفور سيرفع غداً في الشرق وربما مناطق أخرى وستتبناه الحركة الشعبية بقوة. وتابع انه لذلك يشدّد على ان تكون الشراكة حقيقية وفاعلة وموسعة لا تقتصر على الحركة الشعبية وحدها من قوى الجنوب ولا المؤتمرالوطني وحده من قوى الشمال، ورأى ان مستقبل الشراكة بين طرفي الاتفاق سيعتمد على قوتهما وتماسكهما الداخلي وعلى مسلكهما السياسي وتعاطيهما مع المتغيرات في الساحة العامة.
ودعا د. غازي الحركة الشعبية للقبول بوجود قوى سياسية اخرى في الجنوب او نظام مصالح آخر تمثله كيانات بعينها، وان تعترف بانها ليست الجنوب باكمله، وفي المقابل على المؤتمر الوطني ان يعي بانه ليس الشمال كله.
وتوقع د. غازي ان تظل المؤثرات الإقليمية على السودان قائمة بعد توقيع السلام ولا بد من اتباع سياسة حصيفة للتعامل معها. ارتريا مثلاً سيكون من مصلحتها الوجود في الساحة السودانية، وهو ما ينطبق على دول اخرى مثل يوغندا وكينيا وربما تشاد. أما مصر فدورها التاريخي معروف. لكن ما يميز المواقف الإقليمية هو أنها ليست متناسقة وقد تكون أحيانا متشاكسة فيما بينها، فضلا عن أن بعضها له تقاطعات مع موقف القوى الدولية المؤثرة. وقال ان ذلك سيلقي بأعباء إضافية من أجل تثبيت السلام في ظل كثافة المدخلات والمتغيرات ونتائج تفاعلاتها التي يصعب حسابها بدقة. لكنه عاد فقال ان السودان اذا قويت دولته ونظامه السياسي واستثمر الميزات النسبيه لشعبه فسيكون بمقدوره أن يحدد مصير الآخرين بدلاً من أن يحددوا هم مصيره.
واتفق د.غازي ان للسودان ترتيبا خاصا من قبل القوى الكبرى للمنطقة لانه لم يرد ضمن مشروع الشرق الاوسط الكبير.
هواننا على الأمم!
ورهن د. غازي امكانية تأثيرنا خارجيا وخاصة في دول الاقليم بقدرتنا على انجاز المشروع الوطني. ودلل على ذلك باالتجربتين التركية والايرانية اللتان قوتا نفسيهما داخلياً وبسطتا نفوذهما الاقتصادي والثقافي والسياسي في المنطقة المحيطة بهما، وبذلك أصبحتا قوتين يؤبه لهما في البعد الإقليمي على الأقل. وقال انه لذلك فإن ما تفعله بنا القوى الدولية لا تستطيع ان تفعله بايران أو تركيا أو باكستان. واشار في هذا الصدد الى قانون سلام السودان الشامل الذي اجازه الكونغرس وتستعد الادارة الامريكية لاجازته رغم ان الحكومة والحركة يستعدان لوضع اللمسات الاخيرة لاتفاق السلام الشامل بينفاشا، مع ان الولايات المتحدة هي التي رعت المفاوضات وعينت مبعوثاً خاصا للسلام في السودان واعتبر ذلك دليلا على تناقض السياسة الامريكية. وقال إن الرد على هذه الاستهانة المتكررة هي ما ظل يقوله من أن الحكومة ينبغي أن تقوي نفسها بشعبها وتتحصن بوحدة وطنية جادة. واستبعد ان تفعل امريكا بالسودان ما فعلته بالعراق لأن السودان بلد متعدد ومعقد ومتسع جغرافيا ومتداخل مع دول الاقليم. واذا كررت أمريكا تجربة العراق فسيعني ذلك تدمير مشروع النفط (وهو ضمن استراتيجياتها)، وزعزعة الاستقرار الاقليمي. كما أن انهيار السلطة المركزية سيعني أن يتحول السودان إلى مفرخة حقيقية لما تسميه أمريكا الإرهاب.
هذا أو الطوفان!
واكد د. غازي ان فرصة الانقاذ كبيرة في المستقبل لان لديها الشبكة التنظيمية، والتمكين الاقتصادي، والقوة السياسية لحزبها وحكومتها، ومشروعية مضاعفة بسبب السلام، ويمكن أن تطور برنامجاً وخطاباً سياسياً ناجحاً. لذلك فانها تملك الفرصة لتصبح رأس الرمح للمشروع الوطني. وخلص د. غازي إلى ان للانقاذ فرصة كبيرة في قيادة المشروع الوطني بصورة افضل من غيرها، غير انه شدّد على أنها إذا لم تتقدم لذلك بالشروط اللازمة فإن الأمل في مستقبلها هي نفسها فضلاً عن السودان سيتضاءل.