وقفة تنديد‚‚ ودفاع‚‚ في الذكرى العشرين لـ (هذا‚‚ أو الطوفان)
أبو بكر القاضي - [email protected]
كان الاستاذ محمود طه في حياته يحيي ذكرى محكمة الردة التي انعقدت في أم درمان عام 1968 وحكمت عليه (غيابيا) بالردة عن الاسلام بسبب افكاره التي ترى المحكمة انها مخالفة للاسلام‚ وتجدر الاشارة الى ان محكمة الاستئناف الجنائية ــ محكمة الطوارئ ــ برئاسة الدكتور المكاشفي طه الكياش قد ضمت ملف هذه المحاكمة الى ملف القضية الابتدائية التي نظرها قاضي الطوارئ ــ المهلاوي ــ بمحكمة أم درمان الاوسط ومستند الاتهام الوحيد فيها هو منشور (هذا‚‚ أو الطوفان) الذي اصدره الاخوان الجمهوريون في صبيحة 25 ديسمبر 1984 بمناسبة اعياد ميلاد السيد المسيح عليه السلام والاستقلال المجيد لذلك العام‚ هذا المنشور الذي اصدرت بموجبه محكمة الطوارئ حكمها بالاعدام على الاستاذ محمود طه وأربعة من تلاميذه‚ وقد عدلت محكمة الاستئناف الجنائية المشار اليها الحكم في اسبابه وليس منطوقة حيث ضمت ملف المحاكمة السابقة المؤرخة في 18/11/1968 دون ان تواجه المتهمين بهذه التهمة الجديدة ودون ان تمنحهم الفرصة للدفاع عن انفسهم‚ ثم احيل الملف للرئيس الاسبق جعفر نميري الذي زعم انه درس الملف ولم يجد منفذا في الشريعة للرأفة وتخفيف حكم الاعدام‚ وقفة تنديد‚‚ دفاعا عن حرية الفكر والتعبير عندما نحيي ذكرى صدور منشور (هذا‚‚او الطوفان) وما ترتب على هذا المنشور من محاكمة جائرة بموجب قوانين امن الدولة (المادة 96/ط من قانون عقوبات 1983) التي تم اقحامها في قانون العقوبات الاسلامي الذي لا صلة له بالاسلام اذ كان القصد منه اسكات المعارضين السياسيين للنظام وارهابهم بحد البغي والفساد في الارض استلهاما لعهود الاستبداد الاسلامي التي جعلت من السلطان (ظل الله في الارض) والحاكم بأمره‚ لقد سجل لنا القرآن الكريم سماحة الاسلام عندما سجل حوار رب العزة مع ابليس والسماح له باغواء من شاء ونظره الى يوم يبعثون‚ وتضمن القرآن الكريم آيات السماح مثل قوله تعالى: (فذكر انما انت مذكر‚ لست عليهم بمسيطر) واخواتها في الكتاب الخالد‚ اننا حين نحيي ذكرى هذا المنشور انما نهدف الى التنديد بهذا العمل البربري الذي يتسمى بالاسلام والشريعة‚ الاوضاع الراهنة في السودان تحت حكم الانقاذ تستوجب التنديد بمصادرة حرية الفكر والتعبير ضد اي شخص مهما اختلفنا معه لأن السماح بمصادرة حرية اي شخص هو تفريط في حريتنا نحن لأن الزمن دوار والسلطان ليس له صديق‚ واكبر دليل على ذلك هو ما فعلته ثورة الانقاذ بشيخها د‚الترابي حيث حرمه السلطان المسلم في السودان ــ باسم الاسلام والشريعة ــ من ابسط مقومات الحياة ومن وسائل الاتصال بالعالم الخارجي حيث حرمته حتى من ورقة وقلم ليكمل تفسير القرآن الكريم ــ التفسير التوحيدي !! الدرس المستفاد من تجربة تطبيق العقوبات الاسلامية خارج اطارها التربوي الاخلاقي الاصلاحي الشامل لجميع مناشط الحياة هو ان نعمل على تبرئة الاسلام من الاستبداد الذي يتسمى به وان ندعو الى اقامة دولة مدنية تحترم الاديان في السودان وتحترم التعددية الحزبية والفكرية والعرقية والثقافية في السودان وتترك للشعب ان يتولى امر دينه بعيدا عن المزايدات فالشريعة ليست انجازا سياسيا لأحد نريد الاسلام سلوكا وأخلاقا وعفة عن أكل المال العام ولا نريد اسلام المتاجرة والصياح والعويل والتهليل لارتفاع اسعار البترول وترك السؤال عن الثراء الحرام واسقاط شعيرة من اين لك هذا‚ وقفة للمراجعة وإعادة النظر لقد سبق ان وصفت احتفالات الجمهوريين بالذكرى السنوية لاستشهاد الاستاذ محمود بأنها بكاء على حائط المبكى اعني بذلك انها عبارة عن جلسات مناحة ومأتم وعويل وهذا امر لا يليق بالاستاذ محمود ولا بالفكرة الجمهورية‚ لعل الجو العاطفي البكائي الهدف منه تكريس تجميد الوعي وتسويق فكرة (عودة) الاستاذ من الآخرة ــ بعد الموت ــ او انكار حدوث الموت او الاستشهاد الذي تم امام الملأ الادنى والاعلى في صبيحة الجمعة 18/1/1985‚ ان فكرة العودة القصد منها منع المراجعة واعادة النظر في الفكرة الجمهورية والحكم عليها بمنظور عقلاني وبتجرد من الدموع والعواطف والاستسلام الابوي للاستاذ‚ لقد مضى على تنفيذ حكم الاعدام عشرون عاما دون ان يعقد الجمهوريون مؤتمرا لاعادة تقييم التجربة كلها واعادة النظر في الفكرة وفي مواقف الجمهوريين والنشاط كله وادارة الجمهوريين الازمة خلال الفترة من 25 ديسمبر 1984 وحتى 18 يناير 1985 وخلال الفترة بعد تنفيذ حكم الاعدام‚ الجيل الحديث لم يسمع بالاستاذ ولا يعرف شيئا عن الفكرة !! الاستاذ محمود هو رجل مفكر دون افكاره في مجلدات من الكتب واصبح فكره تراثا انسانيا بمرور الزمن طبقا للمبادئ التي تحكم الملكية الفكرية‚ فالفكرة اكبر من ان ترثها بنات الاستاذ محمود واصهاره وأهل ديم لطفي برفاعة وفرعهم بأميركا‚ لقد تمزقت حزنا عندما رد قطاع كبير من طلاب الجامعات بأنهم لم يسمعوا بالاستاذ محمود ولا يعرفون شيئا عن افكاره في الاستطلاع الذي تم بموقع سودانيز اون لاين‚ وهذا معناه ان الجمهوريين قد كرسوا اعدام الاستاذ بعدم طرحهم للفكرة للنقاش وتقديم اجابات موضوعية للاسئلة الحائرة في العقول والتقوقع خلف ستار (العودة) تهربا من مسؤولية التصدي للاسئلة وتقديم الاجابات‚ صحيح ان الجيل الحديث في السودان لم يسمع بالاستاذ محمود بسبب الاستبداد الانقاذي الذي نفى الآخر في السودان خلال فترة الـ 15 سنة الماضية ولكن هذا ليس كل الحقيقة فالنشاط الجمهوري كان غائبا عن الساحة خلال الفترة من ابريل 1985 وحتى 30 يونيو 1989 مما يدل على ان غياب الحركة الجمهورية لعلة فيها هي‚ ثم لو ان الفكرة الجمهورية قد انضمت للمعارضة والتجمع مثلا لاختلف الامر ! لا هذا‚‚ ولا الطوفان !! 1- المقصود باسم الاشارة (هذا) تقديم نصيحة للرئيس جعفر نميري (افضل عهود الحكم الوطني) كما كنا نقول عنه وفحوى النصيحة ان يقوم بالغاء قوانين سبتمبر ــ التي هي العقوبات الاسلامية من حدود وقصاص التي اضيفت لقانون عقوبات 1974 واعيد اصدارها في قانون جديد صدر بأمر مؤقت من النميري في سبتمبر 1983‚ وبهذه الخطوة الجريئة يمكن اقناع الجنوبيين الذين جددوا التمرد واتخذوا طريق الحل العسكري‚ بمعنى ان هدف المنشور هو ان تعود (ثورة مايو) نقية بعيدة عن مشروع الاخوان المسلمين والطائفية وأحزاب اكتوبر (1964-1969) التي حلت الحزب الشيوعي وحكمت على الجمهوريين بالردة‚ فالمنشور لا يطالب بالديمقراطية والتعددية ولا يرى ان نظام (مايو) نفسه هو المشكلة ! وان المستبد جعفر نميري هو المشكلة ! 2- الظروف النفسية التي اقتضت طرح فكرة الطوفان الدعوة للطوفان هي حالة نفسية بمعنى انها لحظة احباط وهي قضية فكرية بمعنى انها قضية اصلاح وتطور‚ فالشعب الذي يفشل في تقبل مشروع الاصلاح يتعرض للانقراض ــ بالطوفان ــ (قال ربّ اني دعوت قومي ليلا ونهارا‚ فلم‚‚ يزدهم دعائي الا فرارا) «سورة نوح»‚ ورفض قوم نوح الاستجابة لدعوته فدعا عليهم قائلا: «وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا»‚ باختصار فان فكرة الطوفان تقوم على اساس ان المشكلة تكمن في الامة المدعوة وليست في الدعوة والداعي‚ فاذا كنا نريد ان نستجلي الظروف النفسية التي طرح فيها الشهيد محمود فكرة الطوفان نجد انها مشابهة تماما لدعوة سيدنا نوح عليه السلام‚ فقد ظل الاستاذ محمود يدعو للرسالة الثانية لمدة زادت على ثلاثين عاما ولم تجد الدعوة قبولا فقد طرح الجمهوريون دعوتهم بصورة خاصة في الجامعات واقاموا اركان النقاش اليومية صباح ومساء وعرضوا الكتب واقاموا المعارض والمحاضرات المصاحبة والانشاد والجرائد الحائطية كما طرح الجمهوريون في شوارع الخرطوم حتى يخال للمرء ان شارع الجمهورية مسمى على الجمهوريين‚ ومع ذلك لم تجد الدعوة قبولا بمعنى الالتزام من الطلاب او من الشارع السوداني‚ 3- الاعتقال الطويل للاستاذ والقياديين ماذا يعني؟ كان الاستاذ محمود اول سجين سياسي سوداني حيث دخل السجن عام 1946‚ لقد كان هذا السجن هو البداية المحرقة التي ادت به الى النهاية المشرقة فخرج من السجن الى الاعتكاف بفكرة الرسالة الثانية‚ فقد كان السجن بترتيب الهي حسب تفسير الاستاذ‚ والسؤال هو: ما هو المبرر الروحي للسجن الثاني بعد ان تجاوز عمر الاستاذ السبعين وبعد 30 سنة من الدعوة؟ اجيب عن هذا السؤال بأن المطلوب هو اعادة النظر في الفكرة ومراجعة شاملة لها للاجابة عن السؤال لماذا رفض الشارع السوداني هذه الفكرة؟ فالخطأ من الفكرة وليس من الناس!! في عام 1979 وقبيل انتهاء القرن الرابع عشر الهجري اعلن الاستاذ للجمهوريين ان دعوته سوف تنتصر قبل انقضاء القرن الرابع عشر الهجري ولما انقضى القرن الرابع عشر دون ان تنتصر الفكرة بنزول (صاحب الوقت) ورافع المقت تراجع الاستاذ محمود عن فكرة الاصالة بمعنى انه عدل فيها وجعلها قاصرة على شخص الاستاذ وحده ودون غيره وقال (الاصيل واحد)‚ اذن لقد ادرك الاستاذ ان مكمن الخلل في الفكرة يقع في مسألة (الاصالة) المشكلة في الفكرة الجمهورية هي (شخص) الاستاذ ولو انه تراجع من سجنه الاخير الذي خرج منه في 19/12/1984 أي قبل اسبوع واحد من اصدار منشور (هذا او الطوفان) تراجع عن كونه الاصيل الواحد واعلن ان الاصيل الواحد هو النبي (صلي الله عليه وسلم ) ورجع لتقليد النبي (صلي الله عليه وسلم ) في صلاته لانتهت المشكلة‚ ما اريد ان اقوله لقد صدر منشور (هذا او الطوفان) في اطار ازمة داخلية للفكرة الجمهورية وليس لمعارضة النظام المايوي !! فالمطلوب من الاستاذ الاجابة من السؤال: لماذا اعتقلنا النميري (الحاكم الصالح) كل هذه المدة؟ وماذا بعد الاعتقال؟ لقد صمم الاستاذ على ان المشكلة خارجية وليست داخلية ! لقد قصد الاستاذ من اصدار هذا المنشور انهاء الاوضاع القائمة بمعنى: اما ان تكون دعوته صحيحة فينصره الله في معركته ضد النميري والهوس الديني‚‚ واما ان تكون باطلة فيتصرف فيه النميري وهوسه‚