لماذا طالب مؤتمر البجا إدانة كل الحكومات الوطنية ؟
في آخر احصائية رصدت بشرق السودان وجد أن معدل النمو السكاني سالب (2.5%) سنويا
وهذا يعني أنه إذا كانت هنالك محلية تعدادها 365 الف نسمة ينقرض منهم شخص علي رأس
كل ساعة !! وأن أكثر من نصف البجا انقرض منذ الاستقلال !! بافتراض ثبات هذا المعدل
المرعب (-2.5%) نسبة لبقاء وتوفر عوامل الدالة الكارثية المسببة من بيئة قاسية
وسياسة متناسية !! من قبل كل الحكومات المركزية المتعاقبة !! مما يؤكد بقوة مصداقية
طلب مؤتمر البجا في آخر اجتماعاته مع التجمع المعارض في أسمرا
بادانة كل الحكومات الوطنية السابقة !! لأنها يجب أن تتحمل الادانة الاخلاقية لهذه
المؤآساة فجهل الراعي بواقع الرعية لا يعفيه من المسؤولية ، ذلك إذا افترضنا حسن
النية بعدم وجود تهمة الابادة الجماعية الصامتة عن أهلنا في الشرق من قبل المركز
الذي جردهم مواردهم وتركهم عزلا في مواجهة السل والجهل بصدور عارية لحوالي نصف قرن
من الزمان!! وكما لا نستطيع تبرئة البصمة المركزية التي كانت ومازالت تفضل كتمان
كوارث انسان الاطراف الطبيعية منها والمصطنعة في سبيل تبييض صحائفها أمام المجتمع
الدولي !! وما ادل علي ذلك محاولة حكومة مايو التستر علي مجاعة 1984م لولا صلابة
موقف دريج والي دارفور حينئذ ومن تربتها
الذي رفضت فطرته السوية المناظر التي يقتات فيها الأطفال والنساء والشيوخ من بيوت
النمل !! فكانت صرخته بمثابة طوق النجاة لانقاذ الملايين من أسراب الجوعي في الغرب
والشرق !! وأما النموذج الصارخ لتهمة الابادة الجماعية الصريحة هي حالة دارفور
الآنية !! ونترك شأنها لتحريات دوائر الامم المتحدة !! وفي إطار اثباتنا لحالة
استخفاف المركز لأرواح إخوانه في الوطن من بني هامش نذكر محاولة الحماقة المشهورة
التي كاد أن يرتكبها احد جنرالات حكومة عبود في ستينات القرن الماضي وهي اقتراحه
باحراق كل غابات الجنوب بمن فيها بالطائرات الحربية !! فكل هذه القسوة المركزية
تجاه أطرافه تؤكد أن الدولة السودانية الوليدة لم يكتمل
فيها الجهاز العضوي لعاطفة المواطنة التي تقدم الحلم علي الحسم وبل بدأت هذه الدولة
بيد الفظاظة وقسوة القلب مما أدي لانفضاض
المركز تجاه اطرافه من عقدة سيكولوجية فوبيا المؤامرة التي ظل يعيشها بتقمصه وضعية
وهمية بعيدة عن وجدانه الوطني !! فتارة يتقمص حالة المسلمين في الأندلس فيتصرف
بهستريا البحر خلفكم والعدو امامكم !! حتي يمنع تكرار ما فعله الفرنجة باجداده
البيض !! وتارة يري نفسه في وضعية عرب زنجبار فيعمل بسياسة لا تشتري العبد إلا
والعصا معك!! وذلك لمنع مجازر زنجبار التي وقعت بأيدي الأفارقة الذين سئموا
العبودية !! وكما نسمع احيانا اجترار المركز بمرارة تجاوزات بعض الجنود المتفلتين
في المهدية ببعض مناطق ولاية نهر النيل !! لذلك تحصن العاصمة وما جاورها بترسانات
فولازية !! بل الخطاب السياسي عبر كل الحقب يصف أي انقلاب تتصدره عناصر من اصول
هامشية بالعنصرية البغيضة ويكفي هذا لوأده في الحال مهما كانت نبل أهدافه !! وعدم
الثقة المركزية تجاه اخوانه في الأطراف نابع من اصراره بأنه حمل وديع والآخرون ذئاب
لا يؤتمنوا حتي علي أنفسهم !! دعك من أن يسلمهم مقاليده طوعا !! وأخيرا نجد المركز
يأخذ من الليبرالية الغربية ثقافة الاستيطان ورسل الحضارة التي مارسها المهاجرون
إلي أمريكا الذين ابادوا سكانها الأصليين من الهنود الحمر بالأفقار والأمراض
والمجاعات والاستجهال والتقتيل المباشر والغير مباشر بابادة الغذاء الرئيسي
للمواطنين وهي جواميس سهول البراري الامريكية بواسطة السلاح الناري ومن ثم تحرق
جثثها لاستخدامها كسماد زراعي أو لصناعة البارود لإنتاج القنابل !! حتي خلت أمريكا
اليوم بصورة شبه كاملة من سكانها الأصليين !! وهي صورة قريبة لما يجري في شرق
السودان منذ الاستقلال مع اختلاف حدة الوسائل!! ويكفي أن نلاحظ سلسلة
المجاعات والدرن المسكوت عنهما
قولا وفعلا مع مصادرة موارد الموانئ والذهب وتجارة الحدود والاستئثار بصدر
بنود الفصل الاول للميزانية من قبل الركز إلا بعض من فتات عمالة الموانئ التي
لا تسمن ولا تغني من جوع لأن أجرها لا يغطي قيمة السعرات الحرارية المبذولة في
العتالة !! وفي نفس الوقت تهدر موارد المنطقة علي بنود لا ناقة لنا فيها ولا جمل !!
وعليه مما سبق يمكن القول بأن كل التجاوزات والمظالم علي شعوب المركزي في غمدها
وومضها لانهم مهما تنكروا عن جناية متعمدة فلن يشفع لهم ضمير التاريخ الوطني عن
الهولوكوست الإنساني والثقافي والاقتصادي لأن القضية ليست اثبات خام النوايا الحسنة
وإنما سياسات دولة مؤسسية عبر نصف قرن من الزمان ترتبت عليها
نتائج كارثية من ترويع وتجويع وتركيع !! لآدمية شريك حقيقي ساهم في الوطن بالغالي
والنفيس فلم يجن إلا اليباب والسراب!! مما سبق نتمني ان يدرك المركز أن
الدولة السودانية لم تنضج بعد وبل دخلت هذه الايام في مرحلة التسنين وإن كفاءتها
الوطنية لا يمكن الوثوق بها لكني لكي تقوم مجموعة صغيرة بالوصاية علي الآخرين علي
غرار حكومات الدول العريقة التي عانت القرون حتي وصلت لمرحلة الاستقرار
والتواثق الوطني عكس الدولة السودانية التي لم تحتفل بعد بيوبيلها الذهبي لانها لم
تكمل الخمسين عاما!! لدرجة أن بعض من اهلنا الذين تقدم بهم العمر وظلوا في فيافي
الريف لا يعرفون معني الدولة السودانية واحسنهم حالا يعتبرها بدعة دخيلة خلفها
المستعمر !! لأنه لم ير تغيير عملي ومعنوي في حياته الملموسة !! لذلك نري أن لا
يبالغ المركز في التوهم بأن الشرق يعتبر عمقه
الثقافي كما يحب ترويجه بعض من مفكريه فهذه مجرد ترهات لا تسندها يد سلفت ولا
اعتراف بدين مستحق !! ويكفي أن نفيد بأن مثقفي الشرق يرون في جون قرنق الرمز القومي
المطلق بلا منازع لسودان ما بعد الاستقلال فه بالنسبة لهم القائد الملهم لمعاني
الحرية والعدل المساواة اكثر من أدعياء الوطنية الشفهية ومطية الطائفية واصحاب فتنة
السودنة من رواد الاستقلال المزعوم الذين تمجدهم الآلة الدعائية المركزية فهؤلاء
ليست لهم ادني مساحة ود منطقية في وجدان ابناء الشرق خاصة واهل الهامش بداهةً.
ولقد ضللت سطوة الثافة المركزية المواقع العرقية لبعض القوميات العريقة علي الخارطة
الاجتماعية بربطها بمعايير جينية من خارج البيئة الوطنية مما ولد شعوراً قويا لجيل
بات يفضل ويحن لصدق حفاوة آبائه الصيد !! ولسان حالهم يقول قدر لا ننكره وماض لن
نكرره . وكادت أن تنقشع ظلمة الاستعباد الحضاري عن الجنوب والغرب ولم يبق أحد قيد
الاسترقاق السياسي والثقافي إلا الشرق !! والذي لا يحتمل غير خيارين، أما أن يظل في
عصمة المركز وتحت وصايته بمنطق قوة الامر الواقع !! وهذا الاحتمال قد يثير حفيظة
الغرب والجنوب الذين من حقهم أن يطالبوا بأنصبتهم من غنائم الثغر في هذه الحالة من
ذهب وموانيء ومعابر حيوية من طرق
وسكك حديدية وكيبولات الالياف الضوئية العابرة للقارات وإلا صارت مكاسبهم السيادية
التي انتزعتها بمشقة مجرد جزر قارية معزولة في اللجة الافريقية يتهددها الابتزاز
المركزي المستاثر بالصمام الساحلي الوحيد للسودان!! لذلك نتوقع أن يطلب المتفاوضون
في المحطتين أما أن ترفرف أو تكفكف معاً أعلام نيفاشا وابوجا والخرطوم في سماء
الثغر وهذا ليس ضربا من الخيال إذا تذكرنا مطالبة
التجمع المعارض بأن يفاوض نيابة عن الشرق واهله وادعي رئيسه ملكيته لإنسان وأرض
الشرق في مغالطة صارخة للتاريخ والواقع!! وجلست معه الحكومة علي هذا الأساس برا
بالزامها في اتفاقية جدة فضلا علي أن ذلك لحنا يدغدغ أحلامها !! وهذا السيناريو
يستحيل حدوثه إلا إذا تحقق الديوس السياسي والثقافي الذي يتوهمه المركز والمرغني عن
أهل الشرق في قراءة خاطئة عن حبل الصبر الذي ظل يمده إنسان الثغر نحو تمادي المركز
وأربابه !! فنتمني أن لا يحملوه فوق حد مرونته حتي لا ينقطع !! والاحتمال الثاني
والذي نراه الأقرب أن تدرك الحكومة مشكلة الشرق وأن لا تجعل قدر انسانه ما ذهبت
إليه مصائر دارفور والجنوب من ترسبات وكراهية وعدم ثقة وافرازات قد يمتد تلوثها
لأجيال قادمة ت!! وأن لا تخدر نفسها باكاذيبها المصطنعة بالتفافها علي
المظالم الواضحة باستنساخ في كيانات وهمية موازية مثل مؤتمر البجا للاصلاح والتنمية
أو التفاوض مع المرغني نيابة عن الشرق!! فكل هذه المناورات تفهم في اطار عدم الجدية
وشراء الوقت الذي اشتهرت به الحكومة في كل منابرها رغم أنه لم يغنيها من الحق
شيئا !! وبل يؤدي إلي التضخم والتراكم الكارثي للمشكلة فضلا عن التعقيد المتصاعد
للظروف الدولية عامة والشرق العربي خاصة والذي صار لكل دولة منه شأن يغنيها وتقول
نفسي نفسي !! وعليه نرجو من الحكومة أن تفرد لقضية الشرق منبرا مستقلا في أي دولة
محايدة يتراضي بها
الطرفان وفي نفس الوقت تسمح المعارضة الشرقية لمندوبيها تغطية أسمار مفاوضات التجمع
شأنها شأن حركات الجنوب ودارفور !! ومطلبنا لهذا المنبر الجاد ليس ارضاءاً لكرامة
المعارضة الشرقية المسلحة فحسب وإنما تقديرا لدور الغالبية العظمي الصامتة
والمعتصمة بالداخل والقابضة علي الجمر والتي فاض بها كيل الغبن السياسي والاجتماعي
والاقتصادي والثقافي حتي باتت تتخلل عندها قناعات كنا نحسبها ثوابت راسخة !! مثل
امكانية التعاون الغير مشروط مع المؤسسات الكنسية واليهودية والتي أبدت مقدرات
اخلاقية فائقة في التفاعل مع القضايا الإنسانية أفضل من الحكومة الوطنية صاحبة
المشروع الإسلامي الحضاري !!
ونري أهلنا يحتضرون أمامنا ولا نملك أن ننقذهم ونشاهد الحكومة تصرف الاموال الطائلة
علي العشيرة والذخيرة !! وتمنع في نفس الوقت منظمات الاغاثة الأجنبية عن جوعي الشرق
حتي لا تفسد عليهم دينهم !! وكان هؤلاء مؤلفة قلوبهم اسلموا علي
أيدي الانقاذ !! أو لان الحكومة تراهم نساكا ورهبانا تحلق أرواحهم في عنان السماء!!
فهؤلاء البسطاء فقراء جهلاء !! إن كانت الحكومة فعلا تغير علي الإسلام والمسلمين
فهم الآن يعانون من فاقة الجوع بسبب جدب وقفر الأرض وقحط خريف 2004 م
الذي يناظر خريف 1984 ومجاعته المشهورة التي فضحت واطاحت بمايو في قمة
عنفوانها في 1985 فعلي الانقاذ أن تتعظ من التوافق التاريخي المتشائم فإن سنة 2005
علي الابواب !! نحن لن نطيق السكوت عن انقراض اهلنا ولا نملك ما نخشي عليه
من بعدهم لان الشاة لا يخيفها السلخ بعد ذبحها !! فالمطلوب من الحكومة أن
تشرع أبواب غلالها عاجلا إن كانت تملك المخزون الكافي لاغاثة هؤلاء حتي موسم حصاد
2006 !! وغما أن تفتح أبواب المنطقة علي مصراعيها لكل المنظمات الإنسانية وأن
تجمد مشاعر تحفظاتها الاستراتيجية والتي ليست أقدس من الحدود التي جمدها عمر بن
الخطاب في عام الرمادة !! وسوف نعتبر أخذ الحكومة بواحد من الخيارين مقدمة نبيلة
لموقف إنساني ووطني وتاريخي واثبات لحسن النوايا لبداية حوار جاد يدفعه
ابناء الشرق من الداخل والخارج حتي يرسي علي مرافيء الأمان . ولكنها إذا ناورت
بالهبات المتلفزة والتي تسلم لأمراء ومتعهدي الاغاثة والتموين من السياسيين
المحليين الذين لا هم لاحدهم سوي ما بين فكيه وفخذيه !! فعلي السلام السهام !!
الاستاذ :أبوفاطمة أحمد اونور محمود
[email protected]