أبو بكر القاضي : [email protected]
تجري الاستعدادات على قدم وساق في الخرطوم لاستلام الراية من صنعاء اعتبارا من 1/1/2005. لتتويج الخرطوم عاصمة للثقافة العربية. سنتناول مفهوم الثقافة من تعريف الاستاذ نظام محمود بركات. جامعة اليرموك. الأردن. كما جاء في الدراسة التي بعنوان «التبادل اللامتكافىء بين الثقافتين العربية والغربية» المنشورة في المستقبل العربي العدد 241 مارس 1999. حيث يقول في تعريفه: انها تعنى ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادات وأية قدرات يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع. وهي بالتالي تتكون من حكام الخرطوم المعجبين في دواخلهم بحرب بوش الاستباقية في الألفية الثالثة. وكل ما هنالك تتطلع لأن تقوم هي بهذا الدور على مستوى العالم عند افول نجم اميركا. اولم تقل «أميركا قد دنا عذابها. عليّ ان لاقيتها ضرابها» وقد مارست هذا الدور في حدود السودان عندما قامت بضرب الثوار في دارفور بالمولوتوف التي تسقطه طائرات انتينوف. والهدف كان تأديب أهل غرب السودان. وردع أهل شرق السودان من خلال مشاهدتهم للمسح الذي أصاب أهل دارفور.
ودعونا نسأل: ما علاقة الخرطوم عاصمة الثقافة العربية بمشروع السودان الجديد؟ مشروع السودان الجديد بقيادة الدكتور جون قرنق هو مشروع ثقافي فكري وحضاري يقوم على الاعتراف بالتعددية في السودان. التعددية اللغوية والدينية والعرقية والحزبية. والقاسم المشترك بين الجميع هو «الوطن» السودان ومشروع السودانوية. وفي مقابل السودان الجديد يوجد السودان القديم وهو سودان سيادة العرق الواحد والدين الواحد. وسيادة الثقافة العربية بحلقاتها المنوه عنها. الدين الاسلامي والقيم الروحية كحلقة اولى. والحضارة الاسلامية كحلقة ثانية. وقوانينها الاسلامية التي تستخدمها النخبة النيلية كأدوات لقهر الآخرين كما سنبين لاحقا بدليل انها لاتطبق هذه القوانين على نفسها. أين قانون الثراء الحرام. «ومن أين لك هذا؟» كقوانين اسلامية نظمها المشرع الاسلامي لمحاسبة الحكام والولاة والوزراء في الدولة الاسلامية. وانما يتم تطبيق القوانين الاسلامية على الفقراء والمساكين اهل الهامش من الشعب السوداني! إذن الاشكالية الأولى تتمثل في ان فكرة الخرطوم عاصمة الثقافة العربية ينظر اليها على اعتبار انها التفاف حول بروتوكول مشاكوس الذي يكرس التعددية الثقافية. ومحاولة لإجهاض مشروع السودان الجديد المنوه عنه وذلك بتكريس أدوات السودان القديم المطلوب تغييره. بتغيير العقلية الاستعمارية الشمالية وليس مجرد تغيير جلد ــ الدابي ــ الثعبان.
اشكالية تسييس الثقافة العربية وجعلها أداة للقهر: ان اشكالية تسييس الثقافة العربية هي مسألة قديمة تمتد جذوره الى صدر الاسلام. وقد بدأت بتحويل اللغة العربية الى شيء مقدس. ومنحها قدسية القرآن بشكل آخر لمجرد واقعة ان القرآن قد نزل باللغة واللسان العربيين. وقد أشار الى هذه الاشكالية الاستاذ محمد جواد رضا ــ استاذ جامعي مقيم في أميركا في دراسته التي بعنوان «تقييد المطلق واطلاق المقيد ــ مدخل الى أزمات اللغة والفكر في الثقافة العربية» المنشورة في المستقبل العربي العدد 199 سبتمبر 1995 حيث يقول: لم يتنبه الذين حاولوا تسييس اللغة والتاريخ الى انهم بذلك انما يقحمون اللغة العربية والثقافة العربية الاسلامية بمفاهيم غريبة عنها. ولا امكانية لتكاملها مع النسيج الوجودي لكليهما. لقد أدب الاسلام العرب تأديبا لغويا لطيفا حين علمهم ان الغرض من نزول القرآن الكريم باللسان العربي كان غرضا تعليميا وتوجيهيا «انا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» ثم ذكّر الناس بان كل الأنبياء خاطبوا الاقوام الذين بعثوا اليهم بلسانهم ليفقهوا عنهم «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم». لقد كان في تأكيد القرآن الكريم على «اداتية» اللغة ما يسر على غير العرب الداخلين في الاسلام استعارة لغة الدين الجديد هوية لهم ونسبا في نظام حياة جديدة ترتفع فيه قيمة الإنسان فوق حدود اللسان والاحساب. الموالي يتخذون من عروبة اللسان هوية وأهل السودان يبالغون: الموالي باختصار هم المسلمون من غير العرب الذين دخلوا الاسلام طواعية بعد الفتوحات الاسلامية «بلاد الفرس والروم» والذين قارنوا بين سماحة وعدالة الحكام المسلمين مقارنة بجور حكامهم السابقين وضرائبهم الباهظة. فقرروا دفع الزكاة تعبدا لله. يروي الاستاذ محمد جواد في دراسته المنوه عنها رواية عن ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ان عبدالملك بن مروان سأل رجلا دخل عليه: أمن العرب انت أم من الموالي؟ فأجاب الرجل: يا أمير المؤمنين ان تكن العربية أبا. فلست منها. وان تكن لسانا فاني منها قال عبدالملك .. صدقت». لقد تقبل الآسيويون: الأتراك والفرس والهنود. تقبلوا الاسلام ولفظوا العروبة واستعصم كل شعب بهويته الثقافية الخاصة. أما الأفارقة فقد تقبلوا الاسلام والعروبة معا. وجعلوا من عروبة اللسان هوية. واعني بالافارقة مصر ودول المغرب العربي من ليبيا حتى المغرب وموريتانيا مع مراعاة ان البربر في دول المغرب العربي ــ في الصحراء والواحات قد احتفظوا بهويتهم الامازيغية بجانب اللغة العربية التي هي لغة المسجد. والتعبد في المنزل اما افريقيا جنوب الصحراء فقد تقبلت الاسلام وتعلم المسلمون المتفقهون العربية لكن احتفظت المنطقة عموما بهويتها الافريقية ومعلوم ان المنطقة كلها تسمى السودان. وقد تميز سودان وادي النيل بالمبالغة في نسبه للعروبة. حيث جعلوا من عروبة اللسان هوية عربية وزعم معظمهم الانتساب لقبيلة قريش لأسباب سياسية سلطانية. إذن: ان فكرة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية الهدف منها تثبيت الأوضاع الخاطئة ــ عروبة اللسان التي تحولت بقدرة قادر الى عروبة أبوه وعرق وانتساب الى قريش بهدف خلق وصناعة وضع عرقي استعلائي مبتكر بصناعة محلية. ولأسباب وأوضاع قُطرية متعلقة بالسودان فقط. لقد احتكرت النخبة النيلية السودانية السلطة والثروة في السودان من وراء عباءة الثقافة العربية. لذلك فإن طرح فكرة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في هذا الوقت الذي انتصرت فيه قوى السودان الجديد في مشاكوس ونيفاشا وابوجا والقاهرة على حكومة الخرطوم التي تجسد في الوقت الراهن المشروع الاسلامو عروبي. يعني ان هناك محاولة للالتفاف حول مكاسب المهمشين بإعادة تكريس الثقافة العربية التي اضحت رمزا وأداة لقهر الثقافات غير العربية وأداة للاستبداد. من كل ما تقدم استخلص النتائج والعبر التالية:
1 ــ الاسلام هو دين افريقيا .. وتعلم العربية مكسب حضاري. ولكن المرفوض ان تكون الثقافة العربية أداة للاستعمار والاستعلاء. لا أحد من دعاة السودان الجديد يرفض الاسلام كدين. أو يرفض الدعوة الى الاسلام بالتي هي احسن. ولا أحد يرفض اللغة العربية كلغة بل الكل يقول ان تعلم اللغة العربية واجادتها مكسب حضاري. ولكن ما يرفضه دعاة السودان الجديد استغلال الدين الاسلامي كأداة سياسية في يد المسلمين لحرمان غيرهم من شركاء الوطن من حقوقهم السياسية في أعلى مراتب السلطة. رئاسة الجمهورية كما جاء في مشروع الدستور الاسلامي عام 1968 والذي اشترط ان يكون رئيس الجمهورية مسلما وجرت الممارسة في السودان منذ الاستقلال على منح غير المسلمين مناصب ووزارات هامشية وحرمانهم من وزارات السيادة بسبب انهم غير مسلمين!
2 ــ خلال فترة الـ 25 سنة الأخيرة «عهدي مايو والانقاذ». استخدمت الثقافة العربية بأدواتها وقوانينها ــ قوانين سبتمبر وتعديلاتها في عهد الانقاذ ــ كأداة لاضطهاد الثقافات الافريقية. فقوانين سبتمبر 1983 وهي الأداة لحماية الثقافة العربية اتى بها جعفر نميري في اطار مزايدة سياسية عندما هزمه القضاة في اضرابهم الشهير. فمن باب النكاية بهم اتى النميري بقوانين الشريعة عام 1983 بعد ان فصلها عن اطارها التاريخي والتطبيقي كجزء من شريعة متكاملة تقوم على الرحمة والعدل. باختصار شريعة نميري كانت مزايدة سياسية قصد بها قهر الشعب السوداني بما في ذلك دعاة الاسلام السياسي. حيث اعدم رئيس الحزب ا لجمهوري بسبب منشور سياسي. وكاد يعدم قيادات الحركة الاسلامية لولا قيام الانتفاضة في 6/4/1985.
3 ــ نظام الانقاذ استصحب الثقافة العربية بكل موروثها الاستبدادي والقبلي. فقام بالغاء الآخر. وفرض اللغة العربية والثقافة العربية واستخدم الجهاد ضد المواطنين في الجنوب ثم مارس الابادة الجماعية ضد شعب دارفور المسلم. لم يقدم نظام الانقاذ العدل حتى لشيخه د. الترابي حيث تمت محاكمته إعلاميا. لم يطبق حكام الانقاذ الشرع على انفسهم. وانما طبقوه على الضعفاء فقط من أهل الهامش. وخلاصة القول فإن الثقافة العربية على يدي النخبة النيلية ابناء الجلابة قد ارتبطت بالاستبداد والاستعلاء العرقي الزائف لذلك فإن فكرة الخرطوم عاصمة الثقافة العربية لا تعني سوى تكريس السودان القديم.