التهميش من منظور أحد أبناء القبائل العربية بدارفور

أبو بكر القاضي   -     [email protected]

 

هذا المقال سنكرسه بإذن الله لاستعراض ومناقشة وجهة نظر المهندس إبراهيم محمود مادبو من خلال ورقته التي قدمها في منتدى فلوتو بالمانيا الذي انعقد خلال الفترة من 27 ــ 29/8/2004‚ حول قضية دارفور‚ وقد كانت ورقة المهندس ابراهيم مادبو بعنوان «دارفور الجديدة بين مطرقة الانقاذ وسندان أبنائها»‚ تأتي قيمة ورقة المهندس مادبو من كونها تمثل بشكل او بآخر رأي أحد ابناء القبائل العربية في دارفور‚ في مقابل الكتاب الأسود الذي  يعتقد انه يمثل رأي ابناء القبائل الزنجية «الزرقة» في دارفور‚ وأرجو ان انوه الى ان المقابلة لا تعني ان رؤية المهندس مادبو تختلف عن رؤية الكتاب الأسود لقضية دارفور تشخيصا ومعالجة‚ وانما المقابلة قاصرة على لونية الأطراف المتقابلة «العرب والزرقة»‚ وعلى صلة مباشرة بهذا الموضوع‚ فقد تناولت في مقالي السابق رؤية الباحث عصام ابراهيم جمال الدين الذي كتب ونشر بحثا علميا مدعما بالأرقام والجداول والخرائط بعنوان «التنمية الاقليمية في السودان ــ العلاقة بين المركز والأطراف» عالج فيه قضية التهميش من منظور المكان «وليس‚ أهل المكان»‚ وذلك قبل عشرين سنة من صدور الكتاب الأسود والباحث عصام هو من أبناء النخبة النيلية‚ وقد هدفنا من ذلك النظر لذات الموضوع من زوايا مختلفة ورؤى مختلفة‚ وسوف نلاحظ انه رغم اختلاف المناهج والبواعث‚ إلا ان النتيجة التي توصل اليها الجميع هي واحدة‚ تأكيد الظلم والتهميش لأهل دارفور بصورة خاصة‚ في استعراض وجهة نظر المهندس ابراهيم مادبو:

 المهندس مادبو تعمد ان يتناول قضية دارفور بأسلوب مبتكر معلنا تحرره من اي قيود تقليدية متعارف عليها لتناول القضية‚ لذلك لم يقسم بحثه المكون من 11 صفحة مطبوعة الى أبواب وفصول‚ وانما ركزعلى العناوين الرئيسية والفرعية‚ ومن حيث الموضوع قدم اطروحة عززها بالأسانيد والأدلة‚ ثم قدم حلولا‚ على الرغم من ان المهندس ابراهيم مادبو‚ ــ وسوف اشير إليه فيما بعد «‚‚ بصاحب مشروع دارفور الجديدة امعانا في التركيز على فحوى رسالته» ــ هو احد اقطاب حزب الأمة‚ إلا انه تناول الموضوع من طاقية أحد ابناء دارفور‚ وسوف نلاحظ انه عمليا لم يتخلص من طاقية حزب الأمة لذلك سيجد القارىء ان هناك شبه تطابق بين وجهة نظره ورؤية الكتاب الأسود‚ ليس لأنه تأثر بفحوى الكتاب الأسود أو لأنه اراد ان يزايد على الكتاب الأسود‚ ولكن المنهج السياسي المشترك بينهما هو الذي أدى الى ذات النتائج وسوف يتضح كل ذلك من البيان التالي:

 1 ــ مطرقة الانقاذ: وتطبيق مفهوم الاستبداد الرباعي تتجلى العقلية السياسية لصاحب مشروع دارفور الجديدة منذ بداية اطروحته التي بدأها بمسألة مفهوم الاستبداد الرباعي لنظام الانقاذ التي تتمثل في الآتي:

 أ ــ الاستئثار والانفراد بالسلطة:

 بعد ان ثبّت الكاتب رؤية الانقاذ وترتيباتهم لأبدية السلطة تحت أيديهم «نسلمها لعيسى»‚ أورد صاحب مشروع دارفور الجديدة دوائر السلطة الخمس التي تتمركز عليها سلطة الانقاذ وهي:

 - قلب السلطة النابض ــ دائرة مكونة من النائب الأول وقد وصفه بالرئيس الفعلي للانقاذ‚ وعلى يمينه وزير الطاقة وهو وزير المالية الفعلي لأن في يده البترول‚ ثم وزير الحكم الاتحادي‚ ثم وزير الزراعة‚ - دائرة الاجهزة الأمنية‚ - دائرة ميليشيات النظام‚

 - دائرة النظام السياسي ــ المؤتمر الوطني‚

 - دائرة المنتفعين ــ المؤلفة قلوبهم‚

 ب ــ الاستحواذ على مفاصل الثروة‚ وعائدات البترول بصورة خاصة حيث يرى الكاتب ان عائدات البترول لا تخضع لوزارة المالية وانما الى مجلس مكون من الدائرة الأولى المشار اليها‚ ولا يعرف احد «سوى هذه المجموعة» نصيب السودان الفعلي من هذه العائدات‚ فضلا عن ان نسبة عالية من ميزانية الدولة تخضع لتصرف النائب الأول والدائرة الأولى الضيقة‚

 ج ــ احتكار الإعلام‚

 د ــ القانون والعدالة‚ ويتمثل ذلك في حالة الطوارىء‚ وتدار المحاكم بقضاة الانقاذ‚ ففي يدها سلطة التشريع والتنفيذ وسلطة تفسير القانون والاستئناف‚ إذن في يدها القانون كله‚ ويتجلى البعد السياسي لدى صاحب مشروع دارفور الجديدة في الخلاصة التي توصل اليها بعد استعراضه لمفهوم الاستبداد الرباعي لدى الانقاذ حيث يقول: الحركة الشعبية لتحرير السودان هي التي فهمت كيف تتعامل مع الانقاذ‚ واستطاعت بذلك تحقيق حلمها في حكم الجنوب‚ اما المعارضة فقد عجزت عن ذلك الفهم وكان عليها ان تقبل بالفتات‚ وعلى أهلنا في دارفور الاقتداء بالجانب الايجابي لتجربة الاخوة في جنوب البلاد خصوصا خلال عملية التفاوض لتفادي تصفية واجهاض ثورة ابناء دارفور الوليدة ولتحقيق أهدافها‚

 أبعاد الصراع المسلح في دارفور: تحت هذا العنوان يقول الكاتب هنالك ثلاثة أبعاد للصراع في دارفور:

 1 ــ البعد القومي للصراع المتمثل في ثورة دارفور ضد المركز حول القضايا القومية وهي: -

 الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة‚

 - الحرية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة‚

 - كيف يحكم السودان: وحدة‚ انفصال‚ فيدرالي‚ كونفيدرالي الى اقليمي مركزي لا مركزي‚ هذا البعد من الصراع يرى الكاتب أنه ينبغي علاجه بالحوار الشامل بين الانقاذ من جهة وكل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني‚ ولا يتحمل أهل دارفور وحدهم مسؤولية القتال من أجله ولا ينوبون عن القوى الأخرى في الحوار مع الحكومة حوله‚

 2 ــ البعد الثاني من الصراع ــ البعد الجهوي «الاقليمي» الذي يتمحور حول هموم اقليم دارفور وتحديدا القضايا الآتية:

 - الظلم المتعمد والتهميش والنظرة الدونية للآخر‚

 - احتكار السلطة والثروة ومفاصلها بالاكراه والترهيب في شمال البلاد‚ ويرى صاحب مشروع دارفور الجديدة حق الحركة في مفاوضة الحكومة نيابة عن مواطني دارفور لأن النظام لا يتفاوض إلا مع من يحـــمل الـــــــسلاح‚

 3 ــ البعد الثالث في الصراع هو البعد الاثني «زرقة/عرب» والذي يتعلق بالسلام والتعايش بين أهل دارفور فيما بينهم‚ قبائل وتنظيمات سياسية وأفرادا‚ من خلال البعد الثالث يفصح صاحب مشروع دارفور الجديدة عن مفهومه لعبارة «سندان ابنائها» في عنوان ورقته‚ حيث يقول ان هذا الصراع قديم وهو مرتبط ايضا بغياب السلطة والأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الاقليم‚ ولكنه يحمل المسؤولية لأبناء دار فور انفسهم ويقسوا على المثقفين والعسكريين بصورة خاصة فيما آلت اليه دارفور‚ السبب يعود في تقديره الى عجزهم عن تجاوز انتماءاتهم القبلية وخلافاتهم السياسية وطموحاتهم الشخصية التي استغلها المركز أبشع استغلال لشراء ولائهم وتسخيرهم لتنفيذ سياسة ضرب العبد بالعبد وسياسة جوِّع العبد يتبعك! وتحت عنوان «ما بين أهل دارفور وحركة الثوار المسلحة» يجد الكاتب المبرر لبروز هذه الحركات وتحت عنوان «حق هذه الحركات على أهل دارفور» يدعو الكاتب الى مؤازرة وتأييد ودعم هذه الحركات بالرجال والمال والرأي وأضعف الايمان بالصمت‚ ودعا الى توحيد حركتي العدل والمساواة وحركة التحرير‚ ودعا الى عقد مؤتمر يضم ابناء دارفور بالداخل والخارج تحت شعار «معا لبناء دارفور الجديدة»‚ التهميش ‚‚ الظلم المتعمد ‚‚ التعسف ‚‚ النظرة الدونية ‚‚ والتنكيل بالآخر: يتجلى التشابه بل والتطابق في منهج الصراحة والوضوح‚ وكشف المستور‚ بين صاحب دارفور الجديدة وبين الكتاب الأسود‚ في الحوار الذي جرى بالدوحة يوم 3/12/2004 كان هناك تساؤل: هل كان التهميش متعمدا؟ يرد صاحب مشروع دارفور الجديدة بكل وضوح مؤكدا ان الظلم كان متعمدا في عنوان جانبي‚ ودعم اتهامه هذا بالأدلة والاسانيد التالية:

 1 ــ استهل الكاتب أسانيده قائلا: يقولون السودان كله مهمش ولكن التهميش «خشم بيوت»‚ وركز الكاتب على الظلم الذي وقع في عهد الانقاذ المتمثل في تعطيل وتجميد مشاريع التنمية القائمة والمعتمدة في ميزانيات سابقة والمخطط لها مثل مشروع تنمية جبل مرة ومشروع تنمية غرب السافانا لتوطين العرب الرحل‚ ومشروع «غزالة جاوزت» لتطوير وتنمية الثروة الحيوانية ومشروع طريق الغرب المشهور ومشروع «ساق النعام» ووقف تشغيل خط  قطار الخرطوم نيالا قبل ان يتم تخصيصه بينما تم دعم خط لسكة حديد الخرطوم كريمة والخرطوم بوتسودان وطريق شريان الشمال‚

2 ــ اتباع سياسة فرق تسد عن طريق اعادة تقسيم الحدود وانشاء ادارات أهلية جديدة اصبحت مناطق صراع واحتكاك‚

 3 ــ عدم منح الولاة من أبناء المنطقة الاعتمادات المالية الواردة بالميزانيات المعتمدة لتكريس فشلهم‚ وبالمقابل توفير الاعتمادات للوالي ان كان من ابناء المركز‚

 4 ــ التمييز في حالات الكوارث والمجاعات في تقديم المساعدات بين الغرب والشمالية‚

 5 ــ يتناول الكاتب في عنوان منفصل «التعسف والنظرة الدونية والتنكيل بالآخر» وتحت هذا العنوان يشير الكاتب الى تعسف المركز ضد أبناء دارفور وكردفان بفصل العاملين في القوات المسلحة والشرطة والوظائف القيادية في الوزارات المختلفة واجهزة الأمن والسفارات السودانية بالخارج‚ ومعاملة ابناء الغرب والجنوب كمواطنين من الدرجة الثانية‚ اخلص من كل ما تقدم الى الآتي: ــ

لعلنا قد اعطينا القارىء الأدلة على قولنا وملاحظتنا بالتشابه الذي يرقى الى التطابق بين منهج الكتاب الأسود ــ البعد القبلي‚ مع منهج صاحب مشروع دارفور الجديدة‚ والتطابق في الصراحة والوضوح وتسمية الأشياء بمسمياتها‚ والاتهام بالصريح بأن التهميش كان عملا متعمدا ولم يكن بحسن نية‚ ولعل هذا يرجع لتشابه الجذور الثقافية والتشابه الفكري بين حزب الأمة والاتجاه الاسلامي السياسي الذي يشكل الخلفية الثقافية لحركة العدل والمساواة‚ وبالمقابل توصل الباحث عصام ابراهيم لذات النتيجة «التهميش» من غير حدة ربما لكونه من أبناء المركز‚