أبو بكر القاضي: [email protected]
لقد طرحت حركة العدل والمساواة رؤيتها حول علاقة المركز بالهامش في كتابها الذي صدر عام 2000 باسم «الكتاب الاسود» وقد تضمن الكتاب حقائق ثابتة بالارقام والنسب المئوية وقد اعترف الكتاب بأنه يقدم الحقائق دون تحليل. اختلف الناس في تقييمهم واستقبالهم لكتاب بين مؤيد له وبين من ليس له مجرد استعداد لقبوله ككتاب من شدة الرفض له الرأي المعتدل اعترف بأن الكتاب تضمن حقائق ولكن المسألة فيها بعد (قولة حق اريد بها باطل) في التصدي للكتاب حكومة الخرطوم طريق القمع والحظر بعقلية القرون الوسطى. اما قاعدة الجالية السودانية بدولة قطر فقد رأت ان هذا الكتاب جدير بالمناقشة بغض النظر عن الدوافع السياسية للذين كتبوه فالعلل الشكلية للكتاب من حيث توقيت صدوره وعدم ذكر اسماء الذين كتبوه.. الخ. هذه العيوب يمكن ان تقلل من مصداقية الجهة التي اصدرت الكتاب ولكنها بالقطع لن تضعف من قيمة الحقائق والارقام والجداول التي وردت بالكتاب. في مجلس مناقشة الكتاب الاسود والذي قام باستعراضه الاستاذ عبدالمنعم ابوتفة كان المناقش الاساسي هو الاستاذ عصام ابراهيم جمال الدين الباحث والمتخصص في التخطيط والتنمية الاقتصادية. الاستاذ عصام سبق له ان تناول قبل عشرين سنة من صدور الكتاب الاسود ذات فحوى الكتاب الاسود وتوصل الى ذات النتيجة الجوهرية وهي تأكيد الظلم الواقع على اهل الاطراف (الهامش) بسبب تركيز التنمية في المركز ــ مثلث سناركوستي الخرطوم وذلك في بحثه الذي بعنوان (التنمية الاقليمية في السودان ــ العلاقة بين المركز والاطراف) المنشور بمجلة سنار عام 1982 التي تصدرها رابطة المبعوثين بمصر ــ الهدف من استعراض مقال الاستاذ عصام يتمثل في النقاط التالية:
1- تناول موضوع المركز والهامش الذي عالجه الكتاب الاسود ولكن من منظور مختلف وذلك استكمالا للدراسة وللنظر لذات الموضوع من زوايا مختلفة.
2- التأكيد على ان الكتاب الاسود لم يكن الاسبق في تناوله لقضية المركز والهامش واجراء المقارنة اللازمة.
3- ابراز أوجه التميز والجدة في الكتاب الاسود والتأكيد على انه اتى بالجديد رغم انه ليس الاول ولا الاخير في مجاله.
في استعراض مقال (التنمية الاقليمية في السودان ــ العلاقة بين المركز والأطراف): موضوع المركز والهامش من منظور مختلف عن الكتاب الأسود: يتناول الاستاذ عصام (الذي سنشير اليه فيما بعد بالباحث) موضوع التنمية الاقليمية باعتبارها احدى القضايا الملحة والمطروحة في ذلك الوقت 1980 على الساحة السودانية والعالم الثالث. فبإلقاء نظرة سريعة على مجهودات التنمية او بالاحرى للبرامج الاستثمارية التي وضعت وتم تنفيذها خلال سنوات الحكم الاستعماري نجد ان كل ما انجز كمشروعات متفردة مثل خزان سنار ومشروع الجزيرة وخدمات السكة حديد والصحة والتعليم أو من خلال البرامج الاستثمارية (1946-1951). (1951-1955) لم تخرج من اطار عام يحدده المنظور الاستعماري لدولة مستعمرة. فقد كانت المشاريع اما خدمات تسهل على المستعمر ادارة الدولة أو مشروعات انتاجية يكيفها بحيث تخدم مصلحته التي جاء من اجلها لتوفير الخام ــ مثلا ــ كما هو الحال في مشروع الجزيرة حتى تدور مصانع لانكشير. يقول الباحث نتج عن تلك السياسات الانمائية التي كان يتبعها المستعمر تركيز الجهود الانمائية في محور محدد يبدأ من الخرطوم وينتهي بسنار مع استثناء حالات معينة تقع على الخط الحديدي الممتد من هذه المنطقة الى الميناء. ويقول الباحث: هنا تجدر الاشارة الى انه لم يحدث اي تغيير يذكر خلال ربع قرن من الحكم الوطني باستثناء توجه الدولة نحو اللامركزية والاقليمية (1975-1980) ومن ثم توصل الباحث الى ذات النتائج التي خلص اليها الكتاب الاسود بما في ذلك البعد الاجتماعي والعرقي من القضية ويقول الباحث في هذا الخصوص: ان المعالجة المتأخرة لمسألة التنمية الاقليمية قد نتجت عنها فجوة اقتصادية واجتماعية رهيبة بين المركز والاطراف تولدت عنها مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية طالما ارهقت الاقتصاد القومي (مشكلة الجنوب وغيرها) خاصة انه قد صادف ذلك وجود تمايز عرقي بين المناطق التي وجدت اهتمام الدولة المركزية وتلك التي عانت الاهمال. أدلة التمايز بين المركز والأطراف بالأرقام والنسب المئوية والجداول والخرائط في هذا الخصوص يقول الباحث: هناك عدة معايير يمكن الاستدلال بها على حجم الفجوة على سبيل المثال نجد ان 90% من الصناعات التحويلية قائمة في قطاع المركز (سناركوستي ـــ الخرطوم) اكثر من 70% منها تحديدا في الخرطوم و10% فقط لبقية الاطراف !! واستكمالا لهذه النسب المئوية قدم الباحث جدول انتاج الكهرباء وخريطة بالتوزيع الجغرافي لانتاج الطاقة الكهربائية وخريطة اخرى للتوزيع الجغرافي لانتاج الطاقة الكهربائية والحرارية في السودان يتضح من الجدول والخريطة التوزيع غير المتكافئ للكهرباء بين مثلث الوعي وبين الاطراف الاخرى للسودان ! ومن الجداول (2. 3. 4. 5) نستطيع الوقف على الادلة الدامنة التي قدمها الباحث لاثبات التباين في توزيع الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم. اذ يكشف الجدول رقم (2) المتعلق بالخدمات الصحية انه يوجد في مديرية الخرطوم (آنذاك) ــ 1980 ــ عدد 1213 طبيبا لعلاج 1358 ألف نسمة بينما يوجد فقط (29) طبيبا لعلاج نفس العدد من السكان في جنوب دارفور حيث كان عدد سكان جنوب دارفور يساوي سكان الخرطوم في ذلك الوقت. كما يوضح الجدول رقم (3) ان نسبة الطلاب الى عدد سكان كل مديرية متباينة بقدر كبير حيث نجد ان النسبة بمديرية الخرطوم تبلغ 4.16% الشمالية 20%. الجزيرة 7.15%. النيل 19% بينما بقية الاطراف 1% من السكان ! المعالجات التي اقترحها الباحث لسد الفجوة بين المركز والأطراف بعد ان قدم الباحث الادلة القاطعة عن الفجوة بين المركز والاطراف قدم تصوره عن الحل الذي يتلخص في اعادة النظر في سياسات التنمية واتجاهات الاستثمار بالصورة التي تؤدي الى الاسراع بالتنمية الريفية والاهتمام بالاقاليم الاقل نموا. وهنا اشار الباحث الى اهمية خلق الاطار التشريعي والاجهزة الادارية الاقليمية اضافة الى توفير عنصري التنمية الاقتصادية:
1- توفير القدر المناسب من التراكم الرسمالي بالاطراف.
2- تطوير عوامل وعلاقات الانتاج بالريف.
ويتضح من هذا الاستعراض ان الباحث عصام ابراهيم قد تناول ذات الموضوع الذي تناوله الكتاب الاسود قبل 20 سنة من صدور الكتاب الاسود وقد توصل الى ذات الناتج اختلال ميزان التقسيم والعدالة في الثروة والخدمات والتعليم. ولكن من منظور البعد المكاني العلاقة بين المركز والاطراف في حين ان الكتاب الاسود قد انطلق من منظور البعد القبلي حيث نسب الظلم الى (الدناقلة والجعليين والشايقية ثلاث قبائل). هل أتى الكتاب الأسود بجديد رغم أنه ليس الأول في مجاله؟ نعم الكتاب الأسود اتى بالجديد الذي يتمثل في الآتي:
1- تفرده بمعالجة مسألة التهميش السياسي. اذا قارنا بين الكتاب الاسود وبين البحث الذي اعده الباحث عصام ابراهيم نجد ان الاخير يتميز بالمعالجة المرتبة للتهميش الاقتصادي في حين ان الكتاب الاسود يتميز بالمعالجة الحاسمة والمتفردة لتقديم الادلة القاطعة على التهميش السياسي. فحسب علمي الكتاب الاسود غير مسبوق في تقديم دراسة مدعمة بالارقام والجداول والنسب المئوية حول اختلال ميزان السلطة.
2- تميز الكتاب الاسود بالافصاح عن المسكوت عنه وسمى الاشياء بمسمياتها. فالكتاب الاسود لا يوجه التهمة للمركز بصورة عامة وانما يوجهها تحديدا لثلاث قبائل هي الدناقلة والشايقية والجعليين. اكثر من ذلك فان الكتاب لا يدع مجالا لأن يكون التهميش قد تم بحسن نية او بعفوية وانما يقدم الدليل على ان هذا العمل تم مع سبق الاصرار والترصد وبتدبير الاجهزة الامنية لنظام الانقاذ. ففي الفصل السادس وتحت عنوان (نتف من حصاد الهشيم) يقول الكتاب الاسود: لقد ابتدع حكامنا الجدد سياسة تشبه سياسة فرق تسد الاستعمارية الا انها بلباس جديد اذ جعلت من اساليب التغريب والترهيب تارة والتقريب والابعاد تارة اخرى وسيلة من وسائل ضرب العلاقات الداخلية والبينية لمنسوبي باقي الاقاليم في دهاء ومكر هو من فعل يهود ففي شرق البلاد يضربون البني عامر بالمدوندوة والامرار بالبشاريين والحلنقة بالرشايدة حتى لا يستقر للمنطقة قرار اما في الجنوب فحدث ولا حرج فزرع الشقاق بين الدينكا والنوير وبين النوير والشلك والفرتيت والدينكا وبين الزاندي وبين المناري والزاندي الى آخر ذلك المسلسل القذر في عملية خبيثة يمزقون بها علاقات الاشقاء ودفعهم لقتل بعضهم البعض وما يجري في ولاية الوحدة وبحر الجبل وغرب الاستوائية وغرب بحر الغزال خير دليل على ذلك باستغلال عمليات تعيين الولاة والوزراء وأعضاء المجالس النيابية. والاقليم الغربي مسرح خصب لممارسات هذه الفئة فالخلافات المفتعلة بين العرب والنوبة وبين المسيرية والحمر وبين السلامات والصليحاب واشعال نيران الاقتتال بين الزغاوة والرزيقات وبين بعض القبائل العربية والمساليت ومثلهم مع الفور ثم المهزلة الكبيرة التي تدار بذكاء شديد هذه الايام فيما يسمى بالخلاف بين العرب والزرقة تخرج المنشورات باسم قريش واحد وقريش اثنين تدبجها الاجهزة الامنية برعاية النائب الاول وتحت سمعه وبصره ولأنه المعني بملف القبائل وهكذا تسيء مخططاتهم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله.
3- وفي اطار الافصاح عن المسكوت عنه لا يتردد الكتاب الاسود بتكييف العلاقة بين المركز والاطراف بأنها علاقة (استعمار) وفي هذا الخصوص يقول الكتاب تحت عنوان الحركات المسلحة كل الحركات المسلحة التي قامت مثل انانيا 1 وأنانيا 2 وجيش تحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان.. كلها رفعت شعارات مقاومة الظلم الاجتماعي والتنموي وهي نتاج ردود افعال لتعمق الاحساس بالاغتصاب المتعمد للحقوق والذي استمر منذ الحقبة الاستعمارية الى اليوم وكأنها قد استبدلت في واقع الامر مستعمرا بمستعمر ! التهميش في دارفور من منظور أحد أبناء القبائل العربية لقد تناولنا في مقال اليوم قضية التهميش من منظور الباحث عصام ابراهيم وهو احد ابناء النخبة النيلية المتهمة بالاستعمار واستكمالا للنظر للتهميش من رؤى مختلفة سنقدم في المقال القادم رؤية المهندس ابراهيم محمود مادبو التي قدمها كورقة في منتدى فلوتو بألمانيا اغسطس 2004 تحت عنوان (دارفور الجديدة بين مطرقة الانقاذ وسندان ابنائها).