يبدو ان الحكومة السودانية لا تسير على هدى سياسة داخلية وخارجية مرسومة، يمكن التعامل معها وفق منظور واضح ومحدد. فهي
مثلا توجه انتقادات حادة مصحوبة برفض
لسياسات الولايات المتحدة، وبعدها بأيام تكيل المديح لها الى درجة تدنو من
التسليم الكامل بالولاء لها. وعلى صعيد السياسة الداخلية تتبنى مثلا فكرة عقد
المؤتمر الدستوري الجامع لكل القوى السياسية السودانية، تحقيقا للوفاق الوطني
المطلوب، ثم فجأة تعلن رفضها له من دون سبب مقنع، وتتبع ذلك بالترحيب بالتفاوض
مع الجديد من الحركات الجهوية، التي ترفع السلاح مما يعتبر تأكيدا لمنطق انها
لا تتفاوض إلا مع الجهات التي تحمل السلاح!ولكي نتناول نماذج من هذا التخبط لتأكيد صدق ما نقول، نبدأ بالولايات المتحدة، قبل فترة بسيطة تقدمت الولايات المتحدة بطلب لوزارة الخارجية السودانية عبر سفارتها في الخرطوم، ترجو الاذن لها بأن تنقل عبر طائراتها الى دارفور جنود القوات الافريقية للحماية وحفظ السلام، لكن الوزير رد الطلب من حيث أتى على حد تعبيره، رافضا التعامل المباشر مع أميركا، إلا عبر الاتحاد الافريقي، ومنتقدا سياساتها بمرارة، بالرغم من انه ما كان له ان يرد الطلب، ناهيك عن التشهير بالادارة الأميركية!
وفي الاسبوع الماضي مدح في حوار مع وكالة «يونايتد برس انترناشونال» الولايات المتحدة مديحا لم يسبقه عليه اي وزير خارجية آخر في العالم. اذ اقر بأن حكومته تشعر بالارتياح لإعادة انتخاب الرئيس بوش، وسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب والشيوخ، وحتى باول الذي اسف الكثيرون على رحيله، قال، انه لا يأسف على رحيله، في معرض ترحيبه بوزيرة الخارجية كوندليزا رايس حيث توقع: ان يكون حظ بلاده افضل معها، لأنها اقرب للرئيس بوش وحتما انها ستكون اكثر انسجاما وتناغما وحرصا على تنفيذ سياساته».
وأضاف: «اذا كانت رايس تتمتع بهذه الصفات، ومن الطرف الآخر في المعادلة هو الرئيس بوش الحريص على تحقيق السلام في السودان وتطبيع العلاقات بين البلدين، فيكون القول بأن وزارة الخارجية الأميركية في الفترة المقبلة ستنفذ سياسة الرئيس الأميركي بدقة اكثر، وستسير في نفس توجهاته».
واذا جاز لنا الاكتفاء بهذا القدر من مديح الوزير في ابراز ازدواجية المسالك في السياسة الخارجية، فإن مثالا حول السياسة الداخلية وتناقضاتها نورده هنا ايضا مستضيفينه هو شخصيا.
في مقابلة صحافية اجرتها معه «الشرق الأوسط» قبل اسابيع في مقر الامم المتحدة بنيويورك، اثناء انعقاد دورة الامم المتحدة أكد التزام الحكومة بعقد المؤتمر الجامع بعيد الوصول الى اتفاقات السلام تحقيقا للوفاق الوطني، وفي الاسبوع الماضي بدر منه ما يشي برفض الفكرة، وتبعه الأمين العام لحزب الحكومة الدكتور ابراهيم أحمد عمر، الذي قال في مؤتمر صحافي «نحن ملتزمون بما اتفقنا عليه مع الحركة الشعبية، وهي اتفاقات ملزمة بشكل قاطع للطرفين. إذا ما عرضناها على المؤتمر المقترح فإن ذلك، يعني أن نطرح ما اتفقنا عليه على طاولة المراجعة» وعزز رفضه مشيرا إلى تصريحات الدكتور قطبي المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، التي اعلن فيها رفض الحكومة لأي مؤتمر دستوري، لأنه يجعل هذه الاتفاقات غير نهائية أو أنها ستتغير».
وبما أن الحكومة لم تفسر: لماذا في المبتدأ رحبت بالفكرة، فكرة المؤتمر الجامع مع علمها الكامل بأن الهدف منه هو تحويل الاتفاقات الثنائية الى اتفاقات قومية، وصولا الى الوفاق الوطني الشامل؟ ولماذا تحاول الآن التنصل منه بحجة ان الاتفاق ثنائي، وهناك خشية من مراجعته او تغييره، اذا عرض على مؤتمر قومي؟ علما بأن الحكومة لم تقل لماذا تستبق الاحداث وتفترض ان الاتفاق سيبدل وسيعدل؟ كذلك لم تتحدث عن الضرر الذي سيلحق بالاتفاق ان عدل؟ فربما يكون التعديل او التبديل او الاضافة الى الأحسن، طالما الهدف هو تحويله الى اتفاق قومي، أوليس من الأصوب أن يكون الاتفاق صمام امان كل القوى السياسية عوضا عن قوتين اثنتين هما الحكومة وحركة قرنق؟ وهما بكل المقاييس ليس بوسعهما الادعاء بأنهما يمثلان كل اطياف السودان في الشمال والجنوب، واذا اريد لهذا الاتفاق النجاح الاكيد فلا مناص من المؤتمر القومي الدستوري.
وقطعا، ليس صحيحا ما يقال عن الاتفاق بأنه كامل وشامل، بل هناك مبادئ عامة فيه ما يزال تنزيلها على ارض الواقع يتطلب ضبط وتفصيل وتحديد معايير. هناك المؤسسات التي يجب ان تقام لتعديل الدستور وبسط الحريات واجراء الانتخابات، علما بأن موضوع الانتخابات نفسه لم يحدد بعد وهناك الكثير الذي يقال عن تركها الى ما بعد ست سنوات هي عمر الفترة الانتقالية! وهناك من يطالب بها بعد عام او عامين، وهذه مسألة تتعلق بفرز السلطة الحقيقية التي تمثل الشعب في ظل الديمقراطية التعددية.
لا شك ان الهروب من عقد المؤتمر الدستوري الجامع ينذر من البداية بمخاطر اخذت تتجمع سحبها فوق سماء السياسة السودانية، فها هو الصادق المهدي زعيم حزب الامة يقود في العاصمة السودانية تجمعا يضم 25 حزبا ومنظمة في حملة معارضة شديدة للحكومة، لرفضها عقد المؤتمر الدستوري، ويصف المهدي معارضة الحكومة لفكرة عقد المؤتمر: بالدروشة السياسية والمكابرة وقصر النظر، محذرا من أن الاتفاق بين الحكومة وحركة قرنق لن يكون ملزما للقوى السياسية الأخرى، بينما اكدت هذه القوى المعارضة انها بدأت منذ الآن في التحضير لعقد المؤتمر شاءت الحكومة أم أبت؟
ولعل من اكثر المفارقات اثارة للاستغراب ان الحكومة في الوقت الذي اعلنت فيه تملصها من الترحيب بفكرة عقد المؤتمر الجامع اعلنت الترحيب والاستعداد لمفاوضة حركة مسلحة ثالثة ظهرت قبل ايام في دارفور، وجاء هذا الترحيب على لسان وزير الخارجية الذي طالب الحركة فقط بعدم التعرض لقوافل الاغاثة والمدنيين الآمنين وعدم التعرض للممتلكات العامة وفض الاشتباك بين الحركة والقبائل! ومع ظهور هذه الحركة ظهرت حركة اخرى لأول مرة في شمال السودان باسم «جيش انصاف المهجرين» وهي حركة تطالب بإنصاف المظلومين في الشمال، وعلى الارجح ان ترحب الحكومة بالدخول في مفاوضات معها مثلما رحبت بالحركة الجديدة في دارفور ومن قبل حركتي البجا والاسود الحرة في «الشرق» بينما ترفض فكرة المؤتمر الجامع الذي من شأنه ان يكون الماعون الأنسب لتجميع واجماع كل اهل السودان، لكأنها بهذا الرفض تستفز كل القوى السياسية لكي تحمل السلاح بحسبانه السبيل الاوحد لاثبات الحقوق، أولم يقل المهدي قبل ايام ان اهمال الحكومة لهم سيدفعهم الى حمل السلاح؟
لا ريب ان كل هذه التناقضات التي يعيش فيها النظام مردها انه لم يقتنع بعد بأن دولة الحزب الواحد قد ولت وانه يجب التسليم بأحقية كل اهل السودان في دولتهم، وأنهم لو نظروا في هذه الاتفاقات الثنائية بتمعن لأمكنهم ادراك هذه الحقيقة وتخلوا عن منزلق هذه السياسات المتناقضة.