7 Dec 2004 20:13:18 GMT

 

من أجل السلام والتنمية ورتق النسيج الاجتماعي في دارفور

بقلم :الطيب زين العابدين

 

كتبت فى مطلع شهر أكتوبر الماضى مقالا بعنوان «ورشة عمل حول دارفور» أوضحت فيه كيف تولدت عندى فكرة الورشة برسالة من دكتور دوجلاس جونستون، رئيس المركز الدولى للدين والدبلوماسية، يطلب فيه تنظيم نشاط عن أزمة دارفور، ثم تقرير وفد جامعة افريقيا الى دارفور الذى قال بأن أهل دارفور قد استيأسوا من «أهل الشمال» الذين لم يبذلوا شيئا لمساندتهم وتخفيف أحوالهم الكارثية.

 

وأخيرا تجربتى مع مندوبة الأمين العام للأمم المتحدة التى اجتمعت مع عدد من جمعيات حقوق الانسان وسألتهم: ماذا نفعل لحماية المدنيين فى دارفور؟ وحاروا جميعا فى الاجابة على السؤال مما يدل على جهل «أهل الشمال» بمجريات الأحداث فى دارفور، وكانت تجربة مخجلة جعلتنى أتخلف عن الدعوة الثانية للالتقاء بمديرة منظمة العفو الدولية التى طلبت اجتماعا للحديث عن انتهاكات حقوق الانسان فى دارفور. خشيت من تكرار التجربة!

 

لقد انعقدت «ورشة عمل دارفور» فى الفترة من 28 نوفمبر الى الثلاثين منه بقاعة الصداقة فى الخرطوم بدلا من مدينة الفاشر التى رأى حاكم الولاية أنها لا ينبغى أن تستضيف مثل هذه الورشة التى قد تخلق تشويشاً لحكومته!

 

وفشلت فى معرفة هذا التشويش فى بلد يدوى الرصاص فى عرصاته ليلا ونهارا، وتحرق القرى، وتنهب الأموال، ويقتل الأطفال والنساء، وينزح مئات الآلاف من الناس عن مواطنهم وقراهم. ويكون الحديث العلمى الصريح عن أسباب تلك المأساة وطرق معالجتها مما يسبب تشويشا لحكومة الولاية، وكأن كل تلك المأساة التى أصبحت كارثة انسانية يتحدث عنها كل العالم لا تسبب شيئاً للحكومة السنية!

 

كان أهم ما يميز الورشة عن سابقاتها أنها مبادرة ذاتية من مؤسسات أكاديمية ومنظمات طوعية (جامعة الخرطوم وجامعة الفاشر ومركز الخرطوم لحقوق الانسان ومجلس التعايش الدينى) لا تنحاز لطرف من أطراف النزاع، وأنها فتحت باب المشاركة لكل القوى السياسية ولمنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الطوعية العاملة فى دارفور ولشخصيات قومية ولقيادات اقليمية ولممثلى الادارة الأهلية فى ولايات دارفور الثلاث ولأجهزة الدولة الرسمية ذات الصلة بمشكلة دارفور ولأجهزة الأمم المتحدة.

 

وبعض البعثات الدبلوماسية المهتمة بالقضية، وأنها وضعت المشكلة بكل أبعادها أمام أنظار المجتمع العاصمى ووسائل اعلامه مما جذب أقلاماً كثير من الكتاب للتعليق عليها، وأن أوراق الورشة ركزت النظر بصورة خاصة على ايجاد الحلول التى تعالج جذور المشكلة لتحقق شعار الورشة المرفوع: من أجل السلام والتنمية ورتق النسيج الاجتماعى.

 

اشتملت الورشة على 18 ورقة عمل دارت حول أربعة محاور رئيسة: القضية السياسية والادارية (علاقة المركز بالاقليم، الادارة الأهلية، مشكلة ملكية الأرض وادارتها، البعد الاقليمى والدولى، التغطية الاعلامية)؛ المحور الأمنى (حفظ الأمن ونزع السلاح، دور النزوح فى الصراع، انتهاكات حقوق الانسان)؛ المحور الاقتصادى (تدهور الموارد الطبيعية) مشكلات الزراعة والرعى، قضية الخدمات والتنمية، أوضاع الاغاثة الانسانية، اعادة التوطين، تطوير الصناعات الصغيرة).

 

المحور الاجتماعى ( أساليب فض النزاعات، دور الحوار الشعبى فى المعالجة، مشكلات التداخل القبلى، أسس ووسائل رتق النسيج الاجتماعى)اتسمت معظم الأوراق بالمعالجة العلمية الرصينة وحاولت النفاذ الى جذور المشكلات وايجاد الحلول المناسبة لها، وكان لكل ورقة معقب اطلع على الورقة مسبقا وأعد ملاحظاته عليها فجاءت التعقيبات اضافات حقيقية للأوراق خاصة عندما يختلف رأى المعقب مع الكاتب مثل ما حدث فى العديد من الأوراق.

 

ودار نقاش مستفيض من الحاضرين، ومعظمهم من أهل دارفور، حول كل الأوراق، بلغ درجة السخونة فى بعض الأحيان خاصة عندما يتحدث الطلاب بمثاليتهم وعاطفتهم وتبسيطهم للأمور.

 

اتفق المتحدثون تقريبا على أن هناك مأساة دامية فى اقليم دارفور تسببت فيها أصلاً تدهور الموارد الطبيعية مع زيادة عدد السكان والحيوان، وساهم الانسان، خاصة الحكومات المتعاقبة، فى زيادة المأساة بتجاهلها للتنمية والخدمات وتسييس الادارة الأهلية، واستغلال الصراعات القبلية من أجل الكسب السياسى، وتناسى تنفيذ قرارات مؤتمرات الصلح القبلى التى اشتركت فيها وتعهدت بانفاذ توصياتها، والانحياز فى الصراع القبلى الى طرف دون آخر مما أفقدها ثقة الكثيرين فما عادوا يقبلونها حكماً فى الصراع كما كان الحال سابقاً.

 

كان الحضور كبيرا ونوعيا، خاصة من أهل دارفور، حتى اضطر منظمو الورشة لضبط الدخول الى القاعة ببعض الاجراءات الحازمة، وكانت مشاركة ممثلى ولايات دارفور (حوالى ثلاثين فرداً) الذين جاءوا خصيصا لحضور الورشة عالية ومساهمتهم فى النقاش مفيدة ومؤثرة أجبرت أهل الخرطوم للاستماع اليهم بقدر من التواضع ما اعتادوا عليه!

 

ولوحظ ضعف التمثيل الحكومى رغم أن الدعوة وجهت لأكثر من عشر مؤسسات لها صلة مباشرة بالأوضاع فى دارفور. قال بعض الخبثاء أن هناك قرارا سريا بتجاهل الورشة!

 

لم يتمكن منظمو الورشة أن يعدوا التوصيات فى الجلسة الختامية فطلبوا من المؤتمرين تفويض لجنة تشترك مع لجنة التسيير لتطلع بدقة على الأوراق والتعقيبات والمداولات وتستفيد من المقترحات والتوصيات التى وردت فى ندوات سابقة ثم تصوغ توصياتها التى ستوزعها على المشاركين وتتلقى ملاحظاتهم قبل اعلان تلك التوصيات بصورة نهائية. وينوى منظمو الورشة أن يقوموا بنشاط اعلامى وجماهيرى لترويج تلك التوصيات حتى تؤثر على صناعة القرار التشريعى والتنفيذى والطوعى. ونحسب أن الورشة كانت ناجحة وحققت أغراضها بكل المعايير.

 

ـ كاتب سوداني