بسم الله الرحمن الرحيم

اغتيال الهوية --(assassination of identity)

        عبدالغني بريش فيوف/ امريكا -- [email protected]

 

منذ اعلان الاستقلال الهش عام 1956 ،تبين بوضوح وجلاء ان احد اسباب التخلف الذي اعقب هذا الاستقلال غير الدموي وادى الى اعاقة حركة التنمية والتقدم في كافة المجالات في تصورنا ،يتمثل في الفكر العربي المترسب في ثقافتنا ومفاهيمنا وقيمنا وفي تصورنا لانفسنا وتصورنا لغيرنا،خاصة الأمة العربية التي بات الأنسان السوداني ينظر اليها بنظرة تتجاوز حدود واقعها ،بينما تتسم نظرتها الى نفسها بطابع الشك وعدم الثقة في أحسن الأحوال مثلا(نظرتها للقضية الفلسطينية  وموقفها من الأحتلال الغربي للعراق و رؤيتها لانتشار القوات    الأمريكية في أي موقع عربي يوجد  فيه برميل نفط) وان اكتفاء الجامعة العربية فقط بالادانات والاستنكارات حيال ما يحدث من مجازر وذبح وقتل واغتيالات للفلسطنيين دليل على ان هذه الأمة حقا تحتل ذيل الامم وتستحق كل الاوصاف المشينة المعطى لها في الاعلام الغربي ،وان فكرها وثقافتها عقيمة للنهوض واللحاق بها الامم المتقدمة -

ان مثل هذ الوضع الثقافي والفكري والنفسي والسلوكي الذي فرضه دعاة العروبة في سوداننا الحبيب عن طريق احتكارهم للسلطة ورسمهم لسياسات الدولة العليا والسفلى خلق وضعا سيئا ومزريئا(للشعوب السودانية افريقية الأصل)حيث رفض تدريس واعتماد لغات هذه الشعوب في المدارس الحكومية والاهلية بحجة ان أي عمل من هذا القبيل يتناقض مع سياسات وقوانين الدولة،وهو بديهي بان دعاة العروبة ليسوا بغربين عن خلق هذا الوضع عبر العملية التاريخية التي كرس لها جهد السنوات والأجيال -

ولعل فشل الكثير من الخطط التنموية في السودان مرده في اغلب الاحوال الى اهمال القائمين على هذه الخطط وذلك للخلفية التاريخية والحضارية والثقافية (لهؤلاء الحكام)،

ان تاريخنا السوداني بحاجة الى تصفية من الفكر العربي الذي لم يعد صالحا ومفيدا حتى في موطنه الأصيل،او على الاقل يجب ادراج تاريخ الشعوب السودانية الاخرى ضمن المناهج الدراسية،كتاريخ البجا،النوبة،الفور،الفونج -الخ

لانه ليس من المعقول ان تكون هذه الشعوب ملم بتاريخ العرب اكثر من المامها بتاريخها،وليس من   المعقول عدم وجود ولو مصدر تاريخي واحد لهذه الشعوب بينما تكتظ المكتبات السودانية بالمصادر التاريخية العربية،

ان الخطوات التي اتخذتها بعض الشعوب السودانية ،كالبجا،النوبة،الجنوب-الخ،لاعتماد لغاتها في المدارس خطوة عظيمة نحو الاتجاه الصحيح وانه لدليل قاطع ولاشك على الوعي المتزايد باهمية دور التاريخ في حياة الشعوب ماضيها وحاضرها ومستقبلها،وابراز ان التاريخ العربي بالاتجاهات التي سار عليها كان موظفا في خدمة المؤسسات  العربية وهيمنتها واطماعها التوسعية نحو افريقيا السوداء،نحن نريد ان يكون دراسة التاريخ بالنسبة لكل الشعوب السودانية  بلغاتها ويكون كعلم النفس للافراد فكما ان علم النفس يغوص في اعماق النفس البشرية الى المناطق المجهولة في اغوار اللاوعي يستكشف الماضي ويعيد بناءه،فاننا نريد لعلم التاريخ ان يتعرف على مواطن الضعف في شخصية الفرد السوداني ليعيده الى اصله -

ان التاريخ سلاح خطير وانه ليس بالرصاص وحده يصرع الانسان ويقتل،الرصاص فعل مادي على كيان مادي وهو سهل وسريع اذا ما قورن بما يجب ان يسبقه من تفريغه لهذا الكيان المادي من جميع مقوماته المعنوية،الجهد الخطير يتم عن طريق المؤرخ بالدرجة الاولى اذ (بنسخه وتحريفه للمعلومات)تنخر الذات وتقطع الجذور المثبتة لها  على الارض بعدها يسهل ضربها وقلعها او اعادة تشكيلها مثلا(المؤرخون السودانيون فرقوا بين نوبة الشمال ونوبة جبال النوبة واطلقوا على الاول نوبي وعلى الثاني نوباوي بدون تقديم مبررات وتوضيحات علمية لذلك التشكيك -

ان التشكيك في اهمية دراسة التاريخ هو تشكيك في ثقتنا بالمستقبل التي يجب ان تكون بلاحدود وذلك اذا كان التطور في الطبيعة تلقائي،فان التطور البشري يحتاج لخلفية يبنى عليها وهذه الخلفية هي التاريخ ،

لم تلقى دراسة التاريخ في السودان الاهتمام والعناية خاصة تاريخ الشعب النوبي بحضارته العريقة وانه لاستفزاز ان لاتتوافر المصادر التاريخية النوبية داخل السوان بينما تمتلئ المتاحف العالمية بهذه المراجع والكتب والمصادر ،وانه لحزن عميق وآذى جسيم ان ينظر الى شعبنا النوبي العظيم الذي علم الاخرين الحضارة والمدنية نظرة الشعوب المرتحلة التي لاخلفية تاريخية لها(اي الشعوب المتحركة مع الخضرة)،وانه لشئ مؤسف حقا ان نسبة 95 % من السودانيين الذين تلقوا تعليمهم يعرفون عواصم كل الاقطار العربية واهم مدنها واحيانا احياءها ويتغنون باغاني  لعبدالحليم حافظ وام كلثوم وعمرو دياب الخ-،بينما نفس النسبة المئوية من السودانيين لاتعرف عن افريقيا الآ القليل القليل جدا،وليس للموسيقى الافريقية اي موقع عند السودانيين، وان معظمهم الذين سمعوا عن(غانا ونيجيريا والكاميرون وجنوب افريقيا الآ لانها مشهورة كرويا) او لان دول الايقاد قد ساهمت في احلال السلام مؤخرا في السودان،او لان الاتحاد الافريقي اليوم يلعب دورا محوريا وفاعلا في مشكلة دارفور -

ان الفكر العربي والثقافة العربية تتحملان المسئولية كاملة عن هذا(CONFUSION AND INTERFERENCE )والخراب والجمود الذي اصاب شعوبنا السودانية، وان دعاة العروبة مسئولين مسئولية اصلية ومباشرة عن هذا الوضع الماساوي الفريد الذي لايوجد الآ في السودان،حيث تعمدت السلطات ونجحت الى حد ما في تذويب ثقافات قبائل سودانية كثيرة في ثقافة عربية حتى اصبحت هذه القبائل هي التي تقود حملة التعريب والتذويب نيابة عنها -

ان سياسة التذويب وآحادية الثقافة جلبت للسودان مشاكل كثيرة ،منها قيام الحركات المسلحة ،كحركة شعب النوبة في الجبال ثم شعب دارفور،وشعب البجا،واخذ شعب النوبة في شمال السودان ايضا يتململ من هذه السياسة التي كادت ان تنسيه لغته وتبتلع ثقافته ابتلاعا وذلك عن طريق الهجرة القسرية والاجبارية الى حلفا الجديدة التي فرضته عليه السلطات -

ان حل هذه المشكلة يبدو سهل ويسير وهو ان يكف دعاة العروبة عن تطبيق سياسة الاقصاء والالغاء وافساح المجال للتعددية الثقافية ان تسود،وللغات السودانية الاخرى غير العربية ان يكون لها نفس قوة (اللغة العربية). ان العالم قد تجاوز هذه المرحلة قبل عقود فمثلا في(دولة غانا)بغرب افريقيا يوجد فيها سبع لغات كلها رسمية وتدرس في كل المراحل التعليمية انها العقلية التي تقود الى التنمية والتطور لا الى الخراب والدمار كما في السودان اليوم -

شاهدت برنامجا تلفزيونيا في (الفضائية السودانية)كان ضيف الحلقة ملك الفونج فسألته مقدمة البرنامج عن اصل الفونج فقال هناك رايان ،الاول يقول بانهم شلك وهو رأي ضعيف وغير مقبول اطلاقا،والثاني هو انهم من اصل بني أمية وهو الرأي السديد ،وحين سألته مقدمة البرنامج عن دليل علمي يؤيد رايه وهو الراي الثاني بدأ الرجل بقائمة من الاسماء ولم تمر بضعة دقائق حتى كانت الفاصلة بينه وبين الرسول(ص)الجد الثالث وما كان على مقدمة البرنامج الا ان تنهي الحلقة،هذا شئ مؤسف حقا . ان مثل هذه المواقف التشكيكية حيال تاريخ الشعوب غير العربية قد خطط ورسم لها عبر اجيال وسنين،لكن بدات الصورة الحقيقية عن الانسان العربي والعقلية العربية الانانية والتدميرية تتضح بجلاء لكل الناس اليوم -

قد يتهمنا بعض المتعصبين العروبيين باننا نسعى الى احلال القومية الافريقية بدل القومية العربية ،لكن يجب ان يعلم هؤلاء المتعصبين ان الافريقية ليست قومية ،وان هناك فقط شعوبا افريقية متعددة الثقافات واللغات والتراثيات ومن حق هذه الشعوب ان تبدع وتبتكر وتنتج وتصنع وتسود بلاحدود.

لماذا لايراجع دعاة العروبة مواقفهم واتجاهاتهم ويسألوا انفسهم ما حل بهم وبقوميتهم وجعلهم يحتلون المركز الاخير ضمن قائمة أمم وشعوب العالم رغم تمتع معظم دولهم بثروات نفطية ومعدنية كبيرة،انها الفكر والعقلية العربية الجاهلية الالغائية الاقصائية الانانية غير القابلة للتطور والتجديد

 قد يقولون ان الحفاظ على تاريخ الشعوب وتراثياتها ولغاتها هي مسئولية الشعوب نفسها وهو قول صحيح لكن بشرط  توافر جو صحي خالي من التهديدات والاملاءات كما في اوروبا وقارات اخرى،فمثلا قد جعلت الحكومات الامريكية المختلفة الحفاظ على تراث ولغة الهنود الحمر من اولوياتها رغم ان الامريكان محتلين لاراضيهم وترجمت كل هذه المساعي الى بناء اكبر متحف للتراث الهندي بالملايين الدولارات في العاصمة الامريكية واشنطون ديسي يسع لاكثر من اربعة الف زائر(at a time)

عندما كان جنوب افريقيا تحت سلطة التمييز العنصري لم تتعمد هذه السلطات الى الغاء التعددية الثقافية واللغوية و التراث لانها كانت تعلم بخطورة هذا الاتجاه، ولذلك بعد انتهاء الفصل العنصري كان كل شئ في محله ولم يجد (نيلسون مانديلا)صعوبة في مخاطبة هذه الشعوب بلغاتها،اما في السودان فتعلم العربية من المقدسات لايمكن تجاوزها والآ انت متمرد او متخلف،اننا نريد ان نتحدث لغة الفور اذا كنا في دارفور،والتحدث بالنوبية اذا كنا في جبال النوبة،وبالبجاوية في دارهم،وبالحلفاوية والدنقلاوية في الشمالية،وبالعربية في مناطقهم،وبالدينكا والنوير والشلك في الجنوب(ITS VERY SIMPLE).