30 Nov 2004 20:13:02 GMT
السودان في مداولات نيروبي
بقلم :الطيب زين العابدين
هناك آراء تقول بأن ادارة بوش ستكون أكثر تفهما لظروف دول العالم الثالث وأكثر قبولا لرأى حلفائها الغربيين بعد أن تنقشع حمى المنافسة على الانتخابات الرئاسية وما تفرضه من استجابة لجماعات الضغط المختلفة والمتباينة مهما كانت مطالبها (فارغة) وغير متسقة مع الأهداف السياسية للحكومة أو رؤيتها لمصلحة البلاد، وعلى الأقل هذا ما حدث فى الموقف الأميركى عندما تم تداول الشأن السودانى فى اجتماع مجلس الأمن المنعقد بنيروبى يومى الخميس والجمعة الماضيين (18 و19/11).
فقد استفاد المندوب الأميركى، جون دانفورث، من فرصة رئاسته لدورة المجلس الحالية فاقترح عقد الاجتماع فى نيروبى حيث جرت مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لأكثر من سنتين ونصف، ولعلها المرة الأولى التى ينعقد فيها مجلس الأمن فى قلب القارة الافريقية لمناقشة شأن افريقى بحت.
وأراد المندوب الأميركى أن يظهر بجلاء اهتمام المجتمع الدولى بقضية السلام فى السودان، بل وبقضية التنمية والاستقرار فى بلد أهلكته الحروب بأفعال ساسته المتشاكسين! وانتقل المندوب الأميركى بخفة يحسد عليها من خانة استعمال العصا التى تهدد حكومة السودان بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية تضمنتها قرارات مجلس الأمن السابقة التى صاغتها اليد الأميركية ضد السودان الى خانة الجزرة أى اغراء السودان بمكافأة طيبة ان أحسن سلوكه فى الوصول الى سلام مع حركاته المتمردة فى الجنوب ودارفور.
أهم ما يميز قرار مجلس الأمن الجديد أن الاجتماع عقد خصيصا من أجل التداول فى الشأن السودانى مما يجعل المجلس بكامله ضامنا لاتفاقيات السلام التى تم التوصل اليها ويصعب على أيٍ من الطرفين أن يتنصل منها، وأخذ المجلس تعهدا مكتوبا فى شكل مذكرة تفاهم من الطرفين على انهاء المفاوضات بنهاية شهر ديسمبر المقبل مما يعنى وضع البلاد فى طريق التعددية .
والتحول الديمقراطى والنظام الاتحادى الحقيقى بعد ذلك التاريخ ولا امكانية للتراجع العلنى عن ذلك بالرغم من السمة العسكرية لكلا الطرفين الموقعين على الاتفاقيات، ووعد المجلس على رؤوس الأشهاد بدعم السودان اقتصاديا عن طريق المؤسسات الدولية اذا ما احترمت الأطراف جميع التزاماتها المبرمة فى كينيا وأبوجا وانجمينا.
وتفادى المجلس توقيع عقوبة على السودان أو التهديد بها. وبجانب تلك الفقرات (التى تفتح نفس الحكومة السودانية) تضمن القرار الجديد تعبير المجلس عن قلقه الشديد ازاء انعدام الأمن وازدياد العنف فى دارفور حيث الوضع الانسانى مريع وانتهاكات حقوق الانسان مستمرة وخروقات وقف اطلاق النار متكررة، وشدد المجلس على ضرورة احالة مرتكبى انتهاكات حقوق الانسان وممارسة العنف الى القضاء بدون انتظار. والحديث بالطبع موجه للحكومة السنية التى ما زالت لا تعرف كيف تواجه هذه المشكلة الخازوق!
وعبر المجلس عن «قلقه العميق ازاء الوضع فى السودان ومضاعفاته على السلام العالمى والأمن والاستقرار فى المنطقة». والفقرة الأخيرة الأخيرة تنذر بشر مستطير اذا حاول السودان أن يلعب بذيله هنا أو هناك، ولا تخلو الفقرة من مبالغة أن تربط بين أوضاع السودان وبين «السلام العالمى»، ولكن ذلك الربط يتيح لمجلس الأمن أن يتدخل أكثر فى الشأن السودانى وتحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ومن مصلحة السودان ومصلحة حكومة الانقاذ أن تتوكل على الحى الدائم وتنفذ اتفاقيات السلام مع الحركة بجدية ومصداقية، وأن تحتوى بؤر التوتر فى الشمال بتطبيق نموذج جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق على أقاليمه.
وأن تستكمل اتفاقيات أبوجا فى الجولة القادمة حتى تستعد للمؤتمر الجامع حول مشكلة دارفور، وأن تستوعب القوى السياسية الأخرى فى استكمال اتفاقيات السلام واشراكها فى سلطة الانتقال.
وأن تفتح الباب واسعا للتعددية الحقيقية والتحول الديمقراطى. وينبغى لحكومة الانقاذ أن تحمد الله أنها استمتعت بسلطة شمولية كاملة لمدة ستة عشر عاما لم تتح لأحد من قبلها تفوقت فيها على حكم الخليفة عبد الله وعلى حكم الرئيس نميرى الذى لم يكن يملك كادرا منتشرا فى كل مناحى الحياة السياسية والاقتصادية والادارية من درجة الغفير الى الوزير!
وكما قال السيد الرئيس ذات مرة بصدق إن الشعب تحمل من الانقاذ ما لم يتحمل من غيرها، ثم ان عددا لا يستهان به من رجالات الانقاذ سيستمر فى السلطة لفترة انتقالية وربما لفترة بعدها، فما الخوف اذن من الانفتاح الديمقراطى الواسع؟
ـ كاتب سوداني
نقلا عن البيان الاماراتية