30 Nov 2004 04:54:37 GMT
الرأي العام - السودان
الدور الليبي تجاه قضايا السودان يتجدد بفاعلية
ظلت لقاءات القمة السودانية الليبية تكتسب دوماً أهمية خاصة لما يتمخض عنها من نتائج ملموسة، سواء كان ذلك على صعيد علاقات البلدين ومناقشتها بعمق أو على صعيد التطرق لملفات القضايا الإقليمية وقضايا القارة الافريقية عموماً.
وبالنسبة لعلاقات السودان بليبيا فنجد أن لقاءات القمة حين تنعقد فإنها دائماً ما تفلح في تبديد ما قد يكون شاب العلاقات الثنائية أحياناً من ظروف طارئة، تكون في الغالب مثل سحابة صيف سرعان ما تنقشع بمجرد افتتاح محادثات القمة.
وفي كثير من الاجتماعات التي عُقدت على مستوى القمة بين رئيسي البلدين تركز المحادثات على مناقشة بعض المشاكل ذات الاهتمام المشترك التي يسعى البلدان الى حلها، وكذلك بحث بعض القضايا الإقليمية في المنطقة المعروفة بأنها منطقة متعددة النزاعات وفي هذا الإطار كان من المعروف أن للسودان وليبيا دورهما المشترك في معالجة النزاع التشادي -التشادي، في وقت سابق.
كما أسهما معاً وبدور مهم في معالجة نزاع تشاد مع افريقيا الوسطى، وكانت للجماهير الليبية - كذلك جهود محسوسة في معالجة والسعي لتحسين علاقات السودان مع يوغندا واريتريا. وكان السودان - بالمقابل - يضطلع بدور خاص في الوساطة مع دول توترت علاقاتها مع ليبيا في بعض الأحيان.
ولابد أن نشير الى أن هذه الجهود كلها كانت تتم في صمت وعبر قنوات الدبلوماسية الهادئة حرصاً على إنجاح كل تلك المساعي والوساطات، وهو ما يميز علاقات البلدين وجعل لقاءات القمة هذه تجتذب انتباهاً واسعاً على الصعيد الإقليمي.
ويأتي لقاء الرئيس البشير بالرئيس الليبي معمر القذافي الذي عقد بطرابلس يوم أمس، يأتي في ظرف استثنائى، والمنطقة تحفل بالمزيد من الأزمات والمشاكل المعقدة والمستجدات المحلية والإقليمية الخطيرة التي في ظلها انعقد هذا اللقاء، لا سيما الأزمة ذات الاهتمام المشترك بين البلدين ونعني بها أزمة دارفور، التي على الرغم من أنها مشكلة داخلية بالنسبة للسودان في المقام الأول إلا أن الجماهيرية الليبية معنية بها، بشكل أو بآخر.
وذلك - كما هو معروف - نسبة لعوامل التداخل السكاني والقبلي بين السودان وليبيا وتشاد، وهو تداخل يجعل من الاهتمام الليبي بهذه الأزمة اهتماماً ضرورياً وموضوعياً خاصة إذا لم يكن منتزعاً من سياق علاقات وروابط تاريخية قوية ظلت تجمع بين البلدين منذ أمد طويل.
وقد توج ذلك بآلية التكامل بين البلدين التي كانت ضمن أجندة الاجتماع بين الرئيسين البشير والقذافي وقد جرى بحث تفعيل تلك الآلية وهي «أمانة التكامل» وتفعيلها ودفعها الى الأمام.
ولابد للمراقب هنا أن يستنتج ويستشف بعض ملامح القضايا التي بحثتها قمة الرئيسين في طرابلس، ذلك أن مناقشة تفعيل التكامل الاقتصادي بين البلدين يعني ضمن ما يعنيه - وبشكل أساسي - أن قضية دارفور كانت حاضرة في إطار هذا التعاون بين البلدين من أجل تحقيق مصالحهما الاقتصادية المشتركة.
ولذلك نقول إن ليبيا ستحقق منافع كبيرة لإقتصادها عبر الخطط الهادفة الى استثمار فائض رؤوس أموالها في عدة مشاريع تنموية بدارفور التي تزخر بموارد طبيعية مهمة، في مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والبترول وغيرها.
ولاشك أن اجتذاب الاستثمارات الليبية وتوجيهها بشكل جوهري في خدمة وتلبية احتياجات التنمية بدارفور سيحقق للسودان - من الجانب الآخر - فوائد كبيرة تتجلى في تفادي ضعف التنمية أو تقلص حظوظ دارفور منها، لأن الاستثمارات الليبية في حال إنفاذها وتحويلها سريعاً الى مشروعات واقعية.
هناك ستسهم الى حد كبير في امتصاص أي بوادر للتوتر أو الشعور بضعف حصص التنمية بدارفور، وذلك سيساعد بالقطع في معالجة جذور المشكلة لأنه حينما تضطرد المعدلات لإنفاذ المشاريع التنموية هناك، فلا ريب أن المنطقة ستشهد بشكل تدريجي نهضة اقتصادية كبيرة.
وإذا ما حدث ذلك فإن نتائجه لن تكون وقفاً على السودان وليبيا فقط، وإنما يتوقع أن ازدهار منطقة بحجم دارفور التي شهدت في السابق مشاكل الجفاف والتصحر، يتوقع أن ذلك سوف يعني تكريس الاستقرار فيها والذي سيعم كل المنطقة من حولها، وعبر دائرة إقليمية واسعة تندرج بداخلها عدة دول من دول الجوار في هذا الإقليم.
ونحن نعتقد أن هذا الفهم لخصوصية الدور الاقتصادي والاستثماري الليبي وأثره المتوقع في تنمية دارفور ونهضتها الاقتصادية المنشودة ليس بأمر جديد، ولعلي هنا أستعيد ما قاله لي الراحل المغفور له الشريف حسين الهندي، وكان ذلك في العام 1977م في لندن، قوله إنه قد اتفق حينها مع القيادة الليبية بأن يكون لها إسهامها الملموس في معالجة مشاكل السودان ودفع جهوده التنموية وتحقيق طموحاته في النهوض والتقدم الاقتصادي، حيث أشار الى أن هنالك خطة متكاملة تم وضعها آنذاك.
وبموجبها وضعت التصورات الأساسية لتمويل مشاريع التنمية في السودان وفي أقاليمه كافة، باستقطاب رؤوس الأموال الإقليمية والعالمية. وقال إنه قد اتفق - في ذلك الوقت - مع القيادة الليبية بأن تنفذ - في ذلك الوقت - مع القيادة الليبية بأن تنفذ خطة طموحة للإستثمار في دارفور تحقق المصالح المشتركة للبلدين.
وهنا لابد أن نشير الى أن ليبيا ليست بذات مطامع في السودان، وإنما ينبع اهتمامها بقضاياه من نوايا خالصة تمليها الروابط التاريخية المعروفة والإنتماءات المشتركة في الدين واللغة والهوية الثقافية.
وهذا ما يؤكد أنه ليست هنالك مطامع ليبية في السودان، خاصة أن ليبيا ظلت دائماً تسعى الى الوحدة ليس مع السودان فحسب وإنما مع دول كثيرة. وقد حالت دون تحقيق تلك الوحدة - في حينها - الظروف الداخلية لتلك الدول، والسودان من بينها.
كل هذا الذي ذكرناه يجيء متسقاً مع توجه ليبيا نحو افريقيا الذي يتبناه الرئيس الليبي منذ أن اختمرت في ذهنه فكرة إنشاء «تجمع دول الساحل والصحراء»... والى أن تم إنشاء الإتحاد الافريقي الذي ولد عملاقاً، فاستعاد أمجاد منظمة الوحدة الافريقية التي أسسها القادة التاريخيون في القارة، هذا الاتحاد الذي صار له دور واضح وملموس في كل قضايا المنطقة والقارة، وليس في قضية دارفور فحسب.
ولابد أن نشدد على القول بأن توجه ليبيا نحو القضايا الافريقية ليس خصماً على دورها تجاه القضايا العربية وإنما يأتي تعزيزاً لها، فلليبيا أهمية كبيرة وللقذافي دوره المهم كقائد مؤثر في المنطقة ومسموع الكلمة وقادر على إحداث الحراك المطلوب..
وبما أن السودان - أيضاً - يعتبر دولة ذات وضعية جغرافية وسكانية وسياسية متميزة فإن وصفنا للقاء القمة المذكور بأنه لقاء فريد هو وصف ليس فيه اجتراء على الحقيقة. وهو لقاء سوف يكون له آثاره الإيجابية بين البلدين وبالخصوص تجاه ملف دارفور وآثاره كذلك على المنطقة ككل في القريب العاجل. وما اتفاقهما على تكثيف اللقاءات بينهما إلا دليل جدية وصدق في التوجه وعزم على المضي على طريق تفعيل التكامل لمصلحة البلدين الشقيقين.