مؤتمر الأسرة‚‚الحداثة والهوية وحوار حول الخصوصية
أبو بكر القاضي -   
[email protected]

تشهد الدوحة خلال اليومين القادمين 29 ــ 30 نوفمبر 2004 انعقاد مؤتمر الدوحة العالمي للأسرة والذي ينعقد في ختام الذكرى العاشرة للسنة الدولية للأسرة‚ والحدث هو كبير دون أدنى شك‚ وسوف نحاول في هذا المقال ان نتعرف على مغزى انعقاد هذا الحدث بالدوحة‚ ولماذا الدوحة؟ كما سنحاول أن نبحث في هذا المؤتمر عن موقع الأسرة العربية الإسلامية من الأسرة الدولية الحديثة‚ وهذا الأمر سيجرنا للحديث عن الحداثة والهوية والحوار حول الخصوصية الثقافية للأسرة العربية الإسلامية‚ مغزى هذا الحدث بالدوحة ‚‚ ولماذا الدوحة؟ لم يأت انعقاد مؤتمر الأسرة العالمي في الدوحة مصادفة او ضربة حظ‚ او تلبية لدعوات الصالحين ‚‚ الخ‚ وانما تم انعقاد هذاالحدث العالمي بسبب الدور المتميز الذي يقوم به المجلس الأعلى لشؤون الأسرة والذي يقع تحت الاشراف المباشر لحرم حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخة موزة بنت ناصر المسند بصفتها رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة‚ هذا المجلس الذي يعنى بالأسرة والتعليم والصحة‚ ان المجلس الأعلى للأسرة معنى بالتنمية الاجتماعية ومعلوم ان التنمية هي الوجه الآخر لعملة الحداثة كما سنبين لاحقا بإذن الله‚ المدينة التعليمية بالدوحة هي أكبر دليل قاطع على جدية دولة قطر والمجلس الأعلى للأسرة على دخول الحداثة من بابها المضمون العواقب‚ وهو التغيير بسلاح العلم والمعرفة‚ ينعقد هذا الحدث بالدوحة ــ قطر‚ حيث بثت قناة الجزيرة رسالتها لكل بيت في قطر‚ رسالة الرأي والرأي الآخر‚ وهذه هي رسالة التنمية الحقيقية‚ لأن التنمية هي انتاج الحر من رجل
وامرأة‚ الأسرة تعني: الجد والجدة كأصول للأسرة الممتدة في مجتمعنا العربي الإسلامي‚ وحسن رعايتهما في جو الأسرة ودفئها‚ ومنحهما الحنان والرحمة كما أمر الله تعالى‚ الأب والأم كعماد للأسرة المباشرة وهو الأمر الذي يقتضي الضمانات الشرعية والأخلاقية لحقوقهما‚ نخص بالذكر حق المرأة الأم والزوجة في المجتمع الذكوري مثل مجتمع الخليج‚ الأطفال وهم نساء ورجال الغد مما يستوجب حسن نشأتهم ومنحهم أفضل خدمة تعليمية ورعاية صحية وتنشئتهم بدنيا وروحيا‚ المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بدولة قطر لديه رؤية واضحة حول كافة عناصر الأسرة‚ وقد قطع شوطا كبيرا في تنفيذ هذه الرؤية‚ ويشمل ذلك رعاية كبار السن‚ والاعاقة بكل أشكالها‚ والتعليم‚ وسوف يشهد التاريخ ان المدينة التعليمية ليست معلما قطريا فحسب وانما هي معلم خليجي وعربي‚ باختصار فإن انعقاد هذا الحدث بالدوحة هو اعتراف دولي بالجهود التي انجزها المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في قطر من أجل تأكيد دور الأسرة المشار اليه في المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: (الأسرة عبارة عن وحدة تجمع طبيعية وأساسية في المجتمع وتستحق حماية المجتمع والدولة)‚ نعم للحداثة المؤتمر العالمي للأسرة إذا نظر اليه من منظور المحور الثاني من محاور المؤتمر الأربعة‚ والذي يتعلق بالقواعد الدينية والحقوقية للأسرة في الألفية الثالثة‚ وفي الجزئية الخاصة بالجذور السوسيو ثقافية للأسرة ضمن مكونات الحضارة‚ نجد اننا نتحرك في مساحة كبيرة‚ اعني اوضاع أسرية مختلفة للأسرة طبقا للأوضاع الحضارية للمجتمعات في عالمنا المعاصر‚ ففي مجتمع مثل دول أوروبا العجوز وهي مجتمعات الانفتاح بلا حدود يصل الافراط الى مستوى قبول زواج المثليين‚ واعتباره «أسرة»‚ ولأن ثقافة هذه المجتمعات تقوم على فكرة «المنفعة» فإن مثل هذه المجتمعات لا تعطي الأسرة الممتدة كبير اعتبار «الجد والعم والخالة» والقرابات الأخرى من الدرجة الرابعة والخامسة‚ لأن هذه المجتمعات قد انشأت مؤسسات اجتماعية واقتصادية بديلة مثل دور رعاية المسنين وحضانة الأطفال‚ والتأمينات الاجتماعية ‚‚ الخ‚ وفي الطرف الآخر لدينا الأسرة التقليدية في مجتمعاتنا العربية‚ فالتقليدي في تصور د‚ محمد خاتمي كما جاء في كتابه الاسلام والعالم والذي قدم له د‚ محمد سليم العوا‚ هو شأن انساني له علاقة بفهم الإنسان الفكري والعاطفي‚ وبتعبير آخر انه عبارة عن الضابط والسلوك المتعارف عليه في المجتمع والمتصل بالماضي‚ فالتقليد عبارة
عن الثقافة الموجودة في مجتمع امتلك ذات يوم حضارة‚ ثم بادت تلك الحضار وبقيت ثقافتها‚ أو آثارها البارزة على الأقل‚ فأوضاع الأسرة في مجتمعنا الخليجي هي اوضاع تقليدية‚ مرتبطة بالماضي ولا صلة لها بالحاضر أو مجتمع الحداثة‚ فالأسرة الخليجية تقوم بالأساس على أسس تقليدية خاطئة‚ اقصد ان الزوج المتعلم الجامعي لا يختار بنفسه زوجته وشريكة حياته‚ ولا يتعرف عليها
قبل الزواج‚ وانما تقوم الخاطبة بهذه المهمة او اخوات المعرس‚ اما الزوجة فلا دور لها اصلا في اختيار زوجها رغم انها الشريك والطرف الأساسي في عقد الزواج! هذا الوضع الخاطىء هو نتاج لأوضاع متراكمة من الأوضاع الخاطئة‚ وفي مقدمتها عدم التعليم الجامعي المختلط‚ ان الحرم الجامعي هو المكان المناسب للتهذيب والتعارف الطبيعي وغير المصطنع والمتكلف والحرم الجامعي هو كناية عن جميع النشاطات الطلابية من جمعيات نقابية وثقافية وفنية ورياضية‚ في هذه المؤسسات يتم التعارف الحقيقي بين الأولاد والبنات لأن مثل هذا المجتمع النظيف يمكّن البنت من التعرف على الولد وتستطيع البنت في حدود قيم الحياء ان تعبر عن اهتمامها بزميلها سواء اثناء الفترة الدراسية او في الحياة العملية بعد التخرج‚ فالاختلاط الجامعي النظيف بين الأنداد هو سبيل الأسرة
النظيفة‚ لقد علمتنا الحياة ان زملاء الدراسة مثل الاخوان الأشقاء جميعهم سقف واحد‚ رضعوا حليب العلم من ثدي واحد‚ وأكلوا وشربوا سويا‚ هذا وقد ظل الدكتور عبدالحميد الأنصاري لمدة عشرين سنة يدعو للاختلاط الجامعي‚ ويعتبره العلاج الشافي لمشاكل العنوسة المتفشية في الخليج‚ والعلاج لتفادي ظاهرة الطلاق‚ خاصة في السنين الأولى من الزواج والناتجة عن مشاكل الاختيار عن
طريق الخاطبة وعدم التعارف بين الزوجين قبل الدخول في القفص الذهبي‚ في هذه الألفية الثالثة نحن كأمة عربية نمثل ايتام الحضارة‚ كانت لنا حضارة سادت ثم بادت‚ واصبحنا نعيش بعض قشورها كتقاليد خالية من الروح والقيمة‚ أدعو الى الحداثة والتي اعني بها الثقافة الغربية‚ واعني بها «روح الثقافة الغربية»‚ التي تقوم على الحرية كقيمة عليا‚ وتقوم على الديمقراطية كآلية لتحقيق الحرية‚ ولا اعني بالحرية الفوضى والخروج عن جوهر قيم السماء‚ فالإباحية ــ حيوانية وليست قيمة انسانية الزواج المثلي غير أخلاقي وعمل
فوضوي‚ استخدام جسد المرأة كسلعة تجارية في الإعلانات هو عمل يبتذل القيمة الإنسانية للمرأة لذلك فهو عمل غير أخلاقي فالمرأة انسان وليست سلعة‚ جدل الحداثة والخصوصية الثقافية ان قطار الحداثة في عالمنا العربي قد تحرك منذ حوالي قرنين من الزمان ‚‚ فرائد الحداثة هو محمد علي باشا في مصر الذي قام بجهد كبير بتحويل وسائل الانتاج من قطاع تقليدي الى قطاع حديث‚ وما زالت
بصماته موجودة بالقناطر الخيرية‚ وقد ارسل الطلاب الى أوروبا لينهلوا من معين الحضارة الغربية ليعودوا الى الشرق لتحديث المجتمع العربي التقليدي‚ ان الخطوة التي اقدم عليها المجلس الأعلى للأسرة في قطر في المدينة التعليمية هي توطين الحداثة بالدوحة لتفادي الانفصام‚ لأن الأسرة حين ترسل بنتها او ابنها الى أوروبا او اميركا للدراسة بالخارج فإن الولد يرمي عقاله بصالة المغادرة والبنت ترمي خمارها بمجرد سحب سلم الطائرة عند المغادرة‚ ويعيش المبعوث فترة دراسته بعيدا عن أسرته في بيئة غربية حديثة‚ ثم يعود للدوحة بعد 5 الى 7 سنوات ليلبس العقال او الخمار حسب الحال‚ المدينة التعليمية نقلت جدل الحداثة والهوية والخصوصية الثقافية الى الدوحة حين أتت بالجامعات العالمية الى الدوحة‚ وبذلك تضخمت مسؤولية الأسرة‚ لأن الأسرة في هذه الحالة تجلس على كرسي الأصالة في حين الجامعة تمثل كرسي الحداثة والحوار بين الطرفين هو أكثر من رأي وليس اتجاها معاكسا‚ الذين يرفضون الحداثة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية يرفعون لافتة الهوية وخصوصيتنا الثقافية‚ والذين يرفضون الحداثة في عالمنا هم السلطان‚ وعلماء السلطان وكلهم يحتمون بالخصوصية الثقافية ورفض المستورد‚ لقد اجتمعت جامعتنا العربية في القاهرة وتونس وهي ناد للسلطان العربي‚ ورفضت الاصلاح الأوروبي ــ الأميركي الذي لا يعني شيئا سوى الديمقراطية والعقلانية كوسائل وآليات لتحقيق الحرية‚ وقد كانت الورقة الدفاعية هي الخصوصية الثقافية ورفض المستورد‚ مع اننا نستورد كل شيء حديث من الغرب ونحرص على شراء أحدث موديل من السيارات لقد استخدم السلطان العربي المستبد لافتة الهوية والخصوصية الثقافية لرفض الديمقراطية ولتكريس الاستبداد‚ في الصيف الماضي قادت الدكتورة حصة العوضي حوارا تنمويا حول النقاب وقد آزرها د‚ عبدالحميد الأنصاري‚ وفي الجانب الآخر شمر حماة التقليد تحت لافتة الخصوصية الثقافية لصد تيار التغيير‚ وقد خلص الحوار على ان النقاب ليس فرضا ولا سنة وانما في أحسن الفروض مكرمة‚ وشاهدنا ان علماء السلطان يرفعون أصواتهم عالية عندما تتعلق الحداثة بالمرأة‚ ولكن عندما يتعلق الأمر بقضايا البيئة والمخدرات والسفر الى مانيلا وغيرها فإن دورهم يكون ثانويا لأن الشخص المستهدف من توصيل الرسالة هو «رجل»‚ فالمسألة من الناحية الجوهرية هي اننا نمارس ثقافة ذكورية نقيم فيها الوصاية على المرأة التي هي العمود الفقري للأسرة‚ ونلبس ثقافتنا الذكورية التقليدية ثوب الهوية والخصوصية الثقافية لمناهضة الحداثة‚ فالتحية لرواد التنوير والحداثة في عالمنا العربي والاسلامي من رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومدرسة المنار الى قناة الجزيرة في قطر وأجزم بانه خلال عقد واحد من الزمان سوف تضاف المدينة التعليمية في قطر الى معالم الحداثة والتنوير في عالمنا العربي والاسلامي‚ ونرحب بضيوف قطر‚ ضيوف المجلس الأعلى للأسرة‚