بعد مقتل فان غوخ ‚‚ إسلام أوروبي بمقاييس أوروبية:
أبو بكر القاضي  [email protected]

دوي مقتل المخرج الهولندي وكاتب العمود ثيو فان غوخ على يد مسلم مغربي الأصل بتاريخ 2/11/2004 لم تتوقف اصداؤه على الحدود الهولندية‚ وانما تجاوزت ذلك الى بلجيكا‚ وفرنسا واسبانيا الجريحة منذ احداث تفجير محطة القطارات في مدريد في 11 مارس 2004 والتي راح ضحيتها 191 شخصا‚ التجربة التي خرجت بها أوروبا من احداث مدريد ومقتل فان غوخ هي ان أمنها مهدد من
قبل الوجود الإسلامي في أوروبا‚ وان التهديد الإسلامي ليس قاصرا على تنظيم القاعدة فحسب او من اي تنظيمات ارهابية مثل «جماعة التوحيد الإسلامية»‚ وإنما يمكن ان يشمل مصدر التهديد الجالية الإسلامية المقيمة في أوروبا‚ ولعل فرنسا التي بها جالية مسلمة يزيد عددها على خمسة ملايين أكثر الدول انشغالا بتداعيات توجس المجموعة الأوروبية من الوجود الاسلامي في أوروبا
المسيحية الليبرالية العلمانية‚ في بلجيكا يريد وزير الداخلية مارينو كوبلين عقد دورات دراسية اجبارية في الحقوق المدنية واللغات للأئمة المولودين في الخارج‚ وبذات القدر تسعى فرنسا لتطوير اسلام اوروبي خال من البلاغة الأصولية من الشرق الأوسط من الزعماء المسلمين‚ وتسعى لتقديم خطة لتثقيف اجيال جديدة من الائمة المحليين الذين يتحلون بالفكر الغربي‚ أما في هولندا فقد كان رد الفعل عنيفا إذ برز تطرف هولندي مضاد قام بحرق وتدمير أكثر من 20 مسجدا ومدرسة اسلامية‚ وقد شرع البرلمان الهولندي في اتخاذ قرار بتجريم إساءة الأديان‚ الدروس والعبر من مقتل فان غوخ:

 1 ــ ضرورة توطين إسلام المهاجرين وإعادة صياغتهم: لعل القاسم المشترك بين خطط دول المجموعة الأوروبية لمعالجة قضايا التطرف والتطرف المضاد بين المسلمين المقيمين في أوروبا والمتطرفين الأوروبيين المعادين للسامية ــ العربية ــ والهجرة بصورة عامة والاسلامية بصورة خاصة‚ هو الاهتمام برسالة المساجد والمدارس الاسلامية في أوروبا‚ ولعل المسألة سوف تتجاوز القشور ــ أعني مسألة الحجاب ــ لتدخل الى لباب الاسلام‚ الى رسالة الإسلام‚ والقيم الأخلاقية‚ ويدخل في ذلك بصورة خاصة مفهوم التسامح وقبول الآخر‚ ومفهوم البراء والولاء للإنسان المسلم المقيم في دولة أوروبية مسيحية الثقافة‚ فالشخص الذي يمنح الجواز الفرنسي او الهولندي يؤدي قسم الولاء للدستور الفرنسي العلماني الذي يقوم على المواطنة ومبادىء حقوق الإنسان‚ لعل الدول الأوروبية أدركت انها تمنح الجنسية لأشخاص لم يطلعوا أصلا على هذه الوثائق والعهود‚ لأن الدولة عندما تمنح الجنسية قد تهتم بالقسم كإجراء شكلي‚ ولكنها لا تهتم كثيرا ان كان الشخص يعرف هذه القيم ناهيك عن إيمانه بها‚ وانما تهتم فقط بسجله الاجرامي وسجله الضريبي وأشياء من هذا النوع‚ لقد اكتشفت الدول الأوروبية ان أئمة المساجد يلعبون دورا مهما وخطيرا في صياغة عقول المهاجرين سواء أكانوا من
الجيل الأول أم الجيل الثاني‚ لذلك قررت تدريب الأئمة وإعادة تأهيلهم‚ خاصة المولودين خارج أوروبا‚ وذلك بتثقيفهم بالحقوق المدنية واللغات المحلية‚ وأذكر هنا القارىء بان الحكومة السودانية ــ حكومة الفريق ابراهيم عبود ــ قد قامت عام 1963 بطرد المبشرين والقساوسة الأجانب «الأوروبيين»‚ ومن ثم قامت بسودنة الكنائس‚ اي انها قالت‚ اننا كحكومة سودانية لسنا ضد المسيحية كدين‚ ولكننا نريد مسيحية سودانية‚ يؤدي رسالتها قساوسة ومبشرون سودانيون‚ يتوجب علينا كمسلمين ــ خارج أوروبا ــ ان نتفهم الرسالة الأوروبية‚ وفحواها وهي اننا لسنا ضد الاسلام كدين‚ ولكننا نريد اسلاما وطنيا‚ بحيث تكون المساجد والمدارس الاسلامية الموجودة في هولندا مثلا‚ هي مؤسسات تربوية يمارس فيها المسلم الهولندي حقوقه الدستورية في العبادة وتنشئة ضميرابنائه‚ ولكن كل ذلك يجب ان يكون وفقا للدستور الهولندي وضمير الأمة او الشعب الهولندي‚ وبما يحقق في النهاية وحدة النسيج الاجتماعي الهولندي‚ ان رسالة المسجد هي أكبر من أن تترك لائمة مساجد لا يؤمنون أصلا بمفهوم «المواطنة»‚ لانهم لم يجدوا هذا المفهوم في المصادر الأصلية للمذاهب الأربعة‚ بل لأن مفهوم المواطنة الذي يربط الحقوق بـ «الوطن» لم يكن موجودا في ذلك الوقت‚ إذ كانت الحقوق تقوم على «الدين»‚ فمن دخل الاسلام‚ بنطق الشهادتين صار متمتعا بكافة الحقوق التي يتمتع بها اي مسلم آخر بغض النظر عن لون بشرته او عينيه‚ او قبيلته‚ فالمسلم المهاجر الذي يحمل الجواز الهولندي‚ وبسبب مفهومه الجامد لمفهوم البراء والولاء‚ فهو لا يعرف الولاء
لهولندا كـ «وطن» وشعب‚ وانما ولاؤه لشعب أفغانستان وشعب العراق أكثر من ولائه لوطنه ــ هولندا ــ على اعتبار ان الاسلام بمفهومه الذي يعرفه يعلي من الأمة الاسلامية والولاء للأمة والبراء من الكفار الذين هم الشعب الهولندي‚ ومن هنا تأتي الكارثة‚ وتأتي التناقضات التي تستوجب إعادة صياغة المواطن الذي ارتضى ان يأخذ الجنسية الأوروبية التي اصبحت دولة واحدة ببرلمان وعملة موحدة‚ لهذا السبب يتوجب علينا ان نتفهم قرار الدول الأوروبية اعادة صياغة أئمة المساجد‚ عندما تتعمق اوروبا في دراسة الاسلام
ستدرك ان فكرة «أئمة» متفرغين كطبقة تشكل رجال دين هي ليست فكرة اسلامية وانما من البدع التي أدخلها السلطان في الاسلام من اجل سرقة دين الشعب عبر مجموعة مأجورة هي «علماء السلطان» الذين يفصلون الدين على مقاس السلطان وطبقا لأهوائه‚ وقد شهد عالمنا العربي نموذجا فريدا من فتاوى علماء السلطان بعد الغزو العراقي البغيض للكويت عام 1990‚ حيث انقسم العالم العربي
والاسلامي الى قسمين‚ قسم يؤيد بغداد وآخر يؤيد الرياض‚ وبالتالي تقسم علماء السلطان حسب موقع السلطان وموقفه فصدرت الفتاوى المتعارضة المدفوعة الأجر من خزينة السلطان‚ وقد استخدم كل فريق من علماء السلطان القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لتحليل فلوسه التي قبضها من السلطان‚

 2 ــ ان مسألة استيعاب المهاجرين المسلمين ودمجهم في المجتمعات الأوروبية ــ اقصد مؤسسات المجتمع المدني الأوروبية من نقابات وأحزاب واندية ثقافية ورياضية ‚‚ الخ ــ هي مسألة في غاية الأهمية لانها تعتبر الخطوة العملية والتطبيقية لتحويل المهاجر من انسان الشرق الأوسط الى انسان أوروبي ومن خلال مؤسسات المجتمع تتم عملية اعادة الصياغة‚ ويتم القبول المتبادل بين المهاجرين والمجتمع الأوروبي من خلال مؤسسات المجتمع المدني‚ ولنضرب مثلا بالرياضة‚ فان المجتمع الأوروبي بدأ يتقبل المهاجرين من خلال وجودهم في اندية الدرجة الأولى‚ بل ومن خلال وجودهم في الفرق القومية الوطنية‚ وقس على ذلك في مجالات المجتمع المدني‚

3 ــ الحلول المشار اليها في الفقرتين (1) و(2) أعلاه هي حلول اسعافية عاجلة‚ ولكن الحلول الاستراتيجية تتمثل في الآتي:

 أولا: تصدير قوافل العلماء والمفكرين بدلا من الجيوش العسكرية‚ على الغرب كله ــ أميركا وأوروبا ــ ادراك ان الحل للارهاب الاسلامي انما يكمن في حل القضية من الجذور‚ وهي قضية «تنمية» في العالم العربي والاسلامي‚ فالعرب يقاسمون أوروبا شطري البحر الأبيض المتوسط‚ فلا يعقل ان يعيش الشطر الشمالي من المتوسط متخما وحرا ويعيش الشطر الآخر يرزح تحت الاستبداد والتخلف الاقتصادي ويفتقر الفرد فيه الى ابسط مقومات حقوق الإنسان‚ علما بان هذه الدول ــ العربية ــ كانت كلها مستعمرات لهذه الدول الأوروبية‚ لقد اقتنعت أوروبا بلم شملها مع دول أوروبا الشرقية‚ وهذا اجراء صحيح‚ فمتى تكمل الشوط‚ فتستوعب دول حوض البحر المتوسط على الأقل في شراكة أوروبية حقيقية مع هذه الدول بموجب شروط «الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان»‚ كما هو الحال مع تركيا التي تتطلع للدخول في المجموعة الأوروبية‚ ومقابل وفاء الدول العربية بهذه الشروط تمنح هذه الدول جزرة حقيقية‚ معلوم ان التنمية اساسها الإنسان‚ فأوروبا مطالبة بالمساهمة في تدريب وتأهيل الإنسان في الدول العربية‚ وذلك بارسال قوافل العلماء لنقل المعرفة للعالم العربي والاسلامي‚ وكذلك مطالبة بمنح المزيد من المنح التعليمية لاخراج كوادر عربية مؤهلة لتقوم هي بإعادة تأهيل المنطقة تنمويا وفكريا‚ ولعلنا نذكر في هذا الخصوص ان قادة التنوير في العالم العربي والاسلامي منذ جمال الدين الأفغاني والطهطاوي ومحمد عبده ومدرسة المنار وطه حسين كلهم نهلوا من المعين الأوروبي فعادوا للشرق الأوسط وزاوجوا بين الأصالة والمعاصرة‚ لذلك فان الغرب مطالب على المدى الطويل باعادة صياغة منابع الهجرة ومحاربة الهجرة نفسها من الجذور بتوفير التنمية في دول الجوار في حوض المتوسط‚

 ثانيا: ترجمة مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى أرض الواقع: بعد احداث 11 سبتمبر 2001 طرحت الولايات المتحدة مشروع الشرق الأوسط الكبير‚ والباعث لهذا المشروع الأميركي هو ادراك اميركا انها اخطأت حين استثنت دول الخليج والشرق الأوسط من الحضارة الغربية ووظفت دول المنطقة في قضايا تخص اميركا مثل محاربة الشيوعية والاسلام الشيعي الايراني‚ وقد استغلت اميركا الأموال
العربية الخليجية بصورة خاصة بحربها في أفغانستان‚ وحرب الخليج الأولى بين العراق وايران تحت سياسة الاحتواء المزدوج هذه الأموال التي صرفها الخليجيون في حروب أميركية 100% كانت كافية لتطوير المنطقة العربية والاسلامية كلها‚ وأعني بصورة خاصة دعم مخصصات وميزانية الاصلاح السياسي‚ لقد صحت أميركا فجأة في 11 سبتمبر 2001 على دوي الغزو بالطائرات الأميركية في عقر دارها على ايدي الشباب الخليجي! اننا نطالب الرئيس بوش بالسير قدما في مشروع الشرق الأوسط الكبير‚ خاصة في ظل الظروف الجديدة في فلسطين والتي تعرف بفترة ما بعد عرفات‚ وذلك بتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في الدولة المستقلة القادرة على الحياة وتحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي عبر مصالحة حقيقية بين الحكام والمحكومين في العالم الاسلامي‚ وشراكة حقيقية بين الغرب كله والعالم الاسلامي يلتزم فيها الغرب بنقل المعرفة والتكنولوجيا والتنمية الشاملة للعالم العربي‚ هذا هو الطريق الوحيد للسلام العالمي والقضاء على الإرهاب من الجذور بإزالة أسبابه‚