23 Nov 2004 20:12:44 GMT
خط مباشر
«سلام» السودان
بقلم :احمد عمرابي
في العلن تتخذ واشنطن موقفاً حيادياً بين حكومة السودان وحركة التمرد الجنوبية، وأيضاً حركة التمرد الدارفورية. لكن في الخفاء فإن الطرف الحكومي وحده هو الذي يتعرض للضغوط.هذا هو الوضع الحقيقي وراء واجهة القرار رقم 1574 الذي اجازه مجلس الامن الدولي يوم الجمعة في جلسته «التاريخية» التي خصصت للسودان.
فالقوة الرئيسية صاحبة القرار تتمثل في الولايات المتحدة ومندوبها السفير جون دانفورث الذي كان حتى وقت قريب جداً وسيط الادارة الاميركية بين الحكومة السودانية وحركة قرنق.القرار يدعو الطرفين الى إبرام اتفاق سلام شامل ونهائي قبل انقضاء اليوم الأخير من العام الحالي.
وفي الوقت نفسه يدعو الى «الوقف الفوري لأعمال العنف في دارفور. ولتشجيع الطرفين على تحقيق هذا الانجاز خلال الفسحة الزمنية المحددة، فالطرفان وعدا بمساعدات تنموية ضخمة.
وقبل صدور القرار وبعده حرص السفير السوداني على الترويج لمضمونه على أساس ان مجلس الأمن يعرض هذه المرة على الطرفين «جزرة» عوضا عن التلويح لهما بعصا.. أي ان المجلس يتوخى التشجيع عوضاً عن التهديد.
مع ذلك، ورغم الصخب الدراماتيكي الذي تمثل في عقد جلسة المجلس في العاصمة الكينية نيروبي ـ أي خارج المقر الثابت له في مدينة نيويورك ـ فإن الاشياء قد لا تكون كما يدل عليه ظاهرها.
ابتداء ينبغي ان ننتبه الى انه بالرغم من اجتماع مجلس الامن الدولي واتخاذ قراره بالاجماع فإن الولايات المتحدة تبقى القوة الحقيقية التي تدير العرض على اساس سيناريو من وضعها.
لقد نصبت ادارة بوش من نفسها «وسيطا» بين الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبية منذ نحو أربع سنوات. ورغم ان المشوار التفاوضي الطويل الذي بدأ من ماشاكوس افرز ستة بروتوكولات بشأن اقتسام السلطة واقتسام الثروة وترتيبات عسكرية، إلا ان «الوسيط» الاميركي كان على طول الخط يمارس ضغوطه على طرف واحد دون الآخر.. وهو الطرف الحكومي.. مما جعل من البروتوكولات اتفاقيات غير متوازنة لصالح الحركة الجنوبية.
وبناء على صحيفة السوابق هذه فإنه ليس هناك سبب واحد وجيه للاعتقاد بأن «الوسيط» الاميركي سوف يغير من مسلكه الانحيازي خلال الجولة التفاوضية المقبلة المفترض ان تبدأ عند نهاية الاسبوع الجاري لتستمر الى نهاية السنة كحد اقصى.
واستناداً الى هذا الاستنباط فإن تحديد هذا الموعد كما ورد في قرار مجلس الامن يبدو وكأنه انذار، ليس موجهاً الى الطرفين معاً وانما الى الطرف الحكومي وحده تحديداً.
من خلال مجلس الامن الدولي تعرض الادارة الاميركية فيما يبدو «جزرة» كمكافأة الى الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبية مدعية انها هذه المرة لا تحمل في يدها «عصا».
لكن هل هي جزرة حقا؟ وهل اختفت العصا حقاً؟
ان نص قرار مجلس الامن الدولي، الذي جرى ترسيمه اميركياً، لا ينطوي، رغم كلماته الفخمة، على اي شيء يمكن ان يعتبر التزاماً من قبل المجلس كمجموعة أو دوله الاعضاء كفرادى، بتقديم مساعدات اقتصادية كبيرة للسودان، فالنص يتحدث عن «تشجيع» المجلس للمؤسسات والدول المانحة على وضع «خطط تنموية» للسودان، انه مجرد تشجيع وليس الزاماً أو التزاماً. والهدف هو مجرد «وضع خطط» وليس توفير تمويل.
ثم ان العصا لاتزال مرفوعة.. وفي وجه الحكومة السودانية وحدها.. وهي تتمثل في القانون الاميركي الذي يطلق عليه «قانون سلام السودان».فهذا القانون ينص على عقوبات محددة تفرض على حكومة السودان في حالة تعثر العملية التفاوضية حتى لو ثبت ان الطرف الآخر، وليس الطرف الحكومي، هو الذي يعرقل المسار التفاوضي. وبكلمة واحدة فإن قرار مجلس الامن رقم 1574 يتعلق بفن العلاقات العامة أكثر من تعلقه بإحلال سلام عادل في السودان.
البيان الاماراتية