23 Nov 2004 20:12:44 GMT
السودان واستراتيجية التفتيت (3 ـ 3)
الدور الإسرائيلي في السودان ومشاهد المستقبل
بقلم :أمين اسكندر
يرى العقل الإسرائيلى المجتمع السودانى كمجموعة عرقيات واقليات بدون تاريخ موحد لذا سعت إلى اختراق عقل وقلب النخب بأوهام مثل التبشير بان لكل أقلية أو عرق تاريخا وشخصية وانطلاقا من ذلك اخذ العقل الإسرائيلى يسعى بإصرار لتمكين الاقليات والأعراق الأفريقية من الشأن السودانى.
ويعتبر اورى لوبيرانى ـ مستشار ديفيد بن جوريون للشئون العربية هو مهندس تلك السياسة ولابد من ملاحظة ورصد كل ما يجرى فى السودان وضرورة إيجاد مقومات لتقديم الدعم إلى حركات التمرد والانفصاليين فى جنوب السودان لذا كان من المنطقى ان تكون تلك القواعد هى أثيوبيا وأوغندا وكينيا.
تلك المحطات والقواعد توسعت بعد ذلك فى مرحلة لاحقة حتى شملت ليبيريا حيث اصبح الجواز الليبيرى متاحا للمتمردين الجنوبيين فى إطار جهود إرسالية السودان الداخلية هناك. ونجحت إسرائيل فى اختراق أجهزة الأمن فى هذه الدول الثلاث حتى أصبحت جاهزة كواقع للوثوب والانطلاق نحو السودان.
كما تم إنشاء الواجهات الاستثمارية والخيرية ومن أبرزها شركة «اينكودا» العاملة فى مجال الثروة الحيوانية وكان يديرها «بن ناتان» وهو أول من تولى إجراء اتصالات مع زعماء الجنوبيين. وقد نوه ديفيد كميحى فى ندوة أقيمت فى مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب فى عام 199.
فى تحليله للأوضاع فى جنوب السودان حيث أعلن ان الدور الإسرائيلى تجاه حركة المتمردين لتحرير الجنوبيين كان حاسما وان دوافعه الأخلاقية كانت بمثابة الجسر الذى خلق الاستراتيجية الإسرائيلية التى وضع أساسها القادة الإسرائيليون الأوائل منذ بن جوريون مرورا بجولدا مائير وحتى الوقت الراهن ووصلت الثقة فى العلاقات إلى حد طلب العقيد جون جارنج .
كما ورد فى كتاب «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» من رئيس أركان الجيش الإسرائيلى دان شمرون ووزير الدفاع اسحق رابين تقديم تسهيلات واسعة لرجاله فى القواعد البحرية والبرية الإسرائيلية فى أثيوبيا لاستقبال الأسلحة التى سوف تصل إليه وذلك لمنع إحراج الحكومة الأثيوبية بشكل رسمى.
ولم ينقطع سعى إسرائيل إلى التغلغل فى السودان. وقد تكشف من خلال بعض المذكرات التى صدرت عن بعض قادة فى الجنوب السودانى وكذلك بعض الإصدارات التى صدرت من داخل إسرائيل ان القيادات الإسرائيلية اهتمت كثيرا برسم استراتيجية للتغلغل فى أفريقيا وبالذات بالدول الجوار غير العربية وقد أطلق البعض عليها استراتيجية التطويق حيث تم عقد تحالفات مع دول الجوار غير العربية وبعض الاقليات العرقية والدينية فى الوطن العربى.
وكانت أثيوبيا وحركة التمرد الجنوبى بقيادة جون قرنق فى مقدمة من تحالفت معهم. كما أشارت بعض المصادر مؤخرا إلى التقاء بعض قادة التمرد فى دارفور مع عملاء للموساد الإسرائيلى لذا كان من الطبيعى ان يصرح وزير خارجية السودان مصطفى إسماعيل عند حضوره الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب لبحث أزمة دارفور «ان المعلومات التى لدينا تؤكد ما تردد فى أجهزة الاعلام من وجود دعم إسرائيلى وأنا متأكد ان الأيام المقبلة ستكشف عن كثير من اتصالات إسرائيلية مع المتمردين.
وليس أدل على ذلك من ان سفير إسرائيل فى الأمم المتحدة عندما تحدث عن الجدار الفاصل فى الضفة الغربية بدأ حديثه عن دارفور وما يفعله العرب فى دارفور وقال عثمان ان إسرائيل نشطت مؤخرا للدخول فى قضية دارفور من عدة جوانب سواء كان من خلال تواجدها النشط فى إريتريا أو من خلال نشاطات بعثاتها فى المناطق التى التهبت مؤخرا ولذلك نحن أمام ثبوت وجود علاقة سابقة بين متمردى الجنوب والغرب فى البيان التأسيسى لكلتا الحركتين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير دارفور.
وذكرت بعض المصادر ان الحركة الشعبية بزعامة جون قرنق تساند متمردى دارفور بالعتاد والمستشارين وانه ثبت ان هناك معدات وأسلحة وعربات من دول معادية منها إسرائيل كما انه ظهرت فى الصحف البريطانية ما يشير إلى ان هناك سلاح بريطانى فى يد جماعات متمردة فى دارفور رغم الحصار على السودان.إذن نحن أمام حقائق وشكوك بشأن الدور الإسرائيلى فى السودان.
إسرائيل فى الجنوب
في القرن الماضي دخلت إسرائيل علاقات تحالفية مع قيادة حركة التمرد فى الجنوب المعروفة بأنانيا ابتداء من الستينات حيث كشف طرف من ذلك أحد قادة أنانيا فى مذكراته وهو سيفريانو فولى فى كتابه «تشكيل جنوب السودان الحر» فى ص 354 ـ 355 انه تم تعينه سكرتيرا إداريا فى يوليو 1963 إلى حين اعتقاله فى أوغندا أكتوبر 1973 وان جوزيف ادوهو قام بتقديمه إلى السفارات الصديقة فى كمبالا وعلى رأسها السفارة الإسرائيلية واصبح حلقة الوصل الأساسية مع إسرائيل.
وانه تابع هذا الدور كذلك فى دورة اقرى جادين (1964 ـ 1965) وتابع الاتصالات بإسرائيل عبر مسئول أنانيا المهندس سيرافينو وانى سوكا وفى عهده تمت زيارة كل من اقرى جادين وغرودونمور تاتى وجوزيف لاقو لإسرائيل حيث تم تنصيب جوزيف لاقو مسئولا عن التنسيق مع إسرائيل فيما يختص بالتدريب والتسليح كما تم إعداد مطار اوبينج فى بول وأرسلت إسرائيل أعضاء من قواتها المسلحة للإشراف على إسقاط السلاح وإرسال ضباط الانانيا للخارج للتدريب.
بعد ذلك من تفاصيل تغلغل إسرائيل داخل السودان شمال وجنوب وبعد ان تأكد حصول متمردى الجنوب على جائزة شبه مؤكدة بعد الاستفتاء المنصوص عليه فى اتفاقية نيفاشا وذلك بعد 6 سنوات من التعاون المنصوص عليه مع النظام الحاكم فى السودان ـ تلك الجائزة التى تساوى إعلان دولة فى الجنوب والاعتراف بها من قبل المجتمع الدولى يساهم ذلك فى دفع وتيرة الحلم بالاستقلال عن بعض القبائل فى دارفور وغيرها.
والمعادلة واضحة وبسيطة قبائل تعانى مشكلات معقدة من الظلم الواقع عليها من الطبيعة والنظام المركزى وكذلك البيئة الإقليمية والدولية التى يجب على القادة القبليين والسياسيين ان يتعلموا الاستفادة منها فى ظل مخطط استراتيجى واضح للقوى الكبرى فى المنطقة.
وما يحدث فى دارفور ان هناك طرفا تشاديا يساعد «حركة تحرير السودان» وهى حركة قريبة من حركة التحرير التابعة لجون قرنق فى الجنوب السودانى وقد أطلقت على حركتها نفس الاسم تقريبا. كما ان تشاد تعنى الوجود الفرنسى لذا كان من الطبيعى ان تحدث تحركات عسكرية لحماية الحدود التشادية السودانية من قبل قوات فرنسية فى معنى واضح لرسالة واضحة للولايات المتحدة ولكل أطراف الصراع.
كما ان هناك إرتريا والدور الأميركى وكذلك الإسرائيلى لها مصلحة فى تقسيم السودان إلى شمال وجنوب وشرق حتى يتم رسم خريطة إقليمية جديدة فى المنطقة تكون لاثيوبيا الدور الأكبر فيها. وعندها يكون قد تم تقسيم اكبر بلد فى أفريقيا من حيث المساحة وكذلك الإمكانات واحتمالات المستقبل التنموى الأفضل.
مستقبل السودان
يتوقف مستقبل السودان على إرادة مجسدة بشكل ديمقراطى مستند الى تساوى المواطنة فى أرجاء السودان وكذلك توزيع الثروة بعدالة ناهيك عن نظام ديمقراطى مؤسس على عقلانية والتعدد والرشد والاهتمام بالمستقبل.
ومستقبل السودان كذلك متوقف على حل معضلة علاقة الخارج بالداخل ولن يتأتى ذلك الا بفهم العصر وموازين القوى وبناء تحالفات دولية تستند الى فكر عالم بديل دون استغلال ووحدة فى مواجهة الاستغلال وحوار وتفاعل حضارى فالحضارة الإنسانية واحدة بداخلها خصوصيات متفاعلة.
والمشاهد المحتملة لمستقبل السودان فى خلال السنوات القلية المقبلة أولها:
المشهد الأول:
انقلاب قصر من داخل النظام الحاكم لتفادى انهيار السودان والعمل على كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق وتهدئة الأجواء مع الولايات المتحدة الأميركى والغرب بشكل عام وفى ظنى ان هذا الانقلاب سوف يتشكل من احتمالات ثلاثة أولها انقلاب من داخل الجيش أى القوات المسلحة السودانية وثانيها من داخل القصر من صفوف النظام الإسلامى السودانى وثالثها انقلاب لصالح معارضة من خارج النظام مثل الحزب الاتحادى وحزب الأمة أو تحالفات أخرى تتسع أو تضيق.
وغرض كل صنوف تلك الانقلابات هو كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق للخروج من مأزق الصوملة والانهيار أو التقسيم وبدء حوار جاد مع الولايات المتحدة الأميركى.
هناك استثناء من تلك الانقلابات لصالح الترابى ومن المؤكد ان هذا الانقلاب سوف يعيد ترتيب الأوراق بشكل يمد فيه حبل الصراع مع الولايات المتحدة ويعمل كذلك على فتح جسور للتواصل ويجب ان لا ننسى برغماتية الشيخ الترابى وعالمه الفكرى المؤسس على رؤى دينية وعنصرية قائمة على أساس اللون والجنس.
لكن هذا المشهد يعوق بناءه الوجود الأميركية الغربى فى السودان الآن وكذلك بلورة قوى الانفصال فى الجنوب والاتفاقيات التى وقعت وانتشار السلاح فى السودان مع قوى عديدة وتعدد الأصول الداخلة فى الصراع من دول الجوار وكذلك المناخ العالمى والبيئة الدولية المهيمنة عليها الولايات المتحدة الأميركى ورغم ذلك يظل ان هناك احتمالات لبناء هذا المشهد.
المشهد الثانى:
انهيار الدولة السودانية (الصوملة) وهذا المشهد يؤسس له بتداخل مصالح عديدة وتقاطع إرادات متعددة فهناك تعدد إرادات داخلية مثل إرادة النظام وعلى رأسه البشير وهناك إرادة كل من الترابى وما يمثله والمهدى وما يمثله وجون قرنق وما يمثله والفصائل الدارفورية بالإضافة إلى التعدد العرقى وتعدد اللغات والأديان وكذلك تعدد القوى الداخلة فى الصراع داخل السودان من دول الجوار.
كل هذا فى لحظة ما اذا رأت القوى الكبرى وبالذات الولايات المتحدة الأميركى ان حالة الفوضى سوف تكون لصالح وجودها وبالذات لصالح بناء تصورها للمنطقة ككل سواء كان الشرق الأوحد الكبير أهمها القرن الأفريقى.
ولعل هذا هو ما يزعج فى الأمر لأن الولايات المتحدة لا تريد السيطرة على مصادر الثروة والطاقة فقط ولكنها وهذا هو الأهم تريد ترتيب الخرائط بما يسمح لها بالقيادة الإمبراطورية المنفردة ولن يتأتى ذلك إلا عبر التفتيت والتقسيم الداخلى والأهم تثبيت أنظمة المفاتيح والأدوار فى أفريقيا مثل أثيوبيا ونيجيريا وأوغندا وربط كل ذلك بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركى وكذلك الدور الإسرائيلى فى القارة حيث يؤدى وظيفة تثبيت تلك المصالح الأميركى وحراستها والتمهيد لتحقيقها.
المشهد الثالث:
انفصال الجنوب وإضعاف الشمال ، وفى الحقيقة لقد ساهم الحكم السودانى عبر مراحله المتعددة حتى مجيء نظام البشير فى بناء مشهد الانفصال والإضعاف كما ساهمت عناصر خارجية عديدة عملت لصالح هذا الاتجاه وهناك قوى عديدة داخل السودان وعلى رأسها القوى الإسلامية على استعداد للاعتراف بالانفصال بالإضافة إلى حزب الأمة والاتحادى.
غير ان هذا المشهد رغم العمل على بنائه عبر فترة طويلة الا ان هناك عوامل تعوق تنفيذه أيضا منها مشكلات أهل الجنوب ذاته الذى لا يرغب فى سيطرة قبيلة الدنكاعلية (قبيلة جون قرنق والحركة الشعبية).
كما ان انفصال الجنوب سوف يدفع الشمال اكثر ناحية مصر وبالتأكيد الولايات المتحدة لا تريد ذلك كما ان الانفصال لا يشكل تهديدا مائيا بالنسبة لمصر حيث ان 8.% من مياه النيل الآتى إلى مصر تأتى من النيل الأزرق وهذا لا يمر من الجنوب.
وبالإضافة إلى ذلك فان هناك امتدادات قبلية وعرقية من دول الجوار إلى الجنوب ولذلك إقامة دولة فى الجنوب السودانى سوف يثير نزاعات حدود وينقل عدوى الانفصال لقبائل أخرى فى دول الجوار فنفس المشكلات قائمة، ورغم كل تلك المعوقات يظل المشهد قائما بشروط تحكمه.
المشهد الرابع والأخير:
دولة سودانية ديمقراطية وعلمانية موحدة، ويمكن تصور ذلك المشهد اذا فشلت المشاهد الأخرى وهو مشهد له أساس قائم على فكرة المساواة فى المواطنة وتداول السلطة سلميا والاعتراف بالتعدد فى الهوية وتوزيع عادل للثروة وبناء خطط للمستقبل بين كل القبائل والقوى.
ويقترب هذا المشهد من الرؤية التى حكمت مشروع دستور الفترة الانتقالية للتجمع الوطنى الديمقراطى ويتوقف بناء هذا المشهد على قدرة أهل الشمال على فصل قضية الدين عن الدولة وجعلها بعيدة عن الحكم وطبيعته وكذلك على تفهم لقضية تداول السلطة والحقوق المتساوية والتوزيع العادل للثروة السودانية والاهم من كل ذلك بان هذا هو السبيل الوحيد لبناء سودان موحد وقوى مخطط لمستقبله.
الا ان هذا المشهد يعوق تنفيذه خشية أهل الشمال من ذوبان هويتهم العربية والإسلامية وكذلك تعودهم على استلام السلطة منذ الاستقلال حتى الآن، بالإضافة إلى ـ وهذا هو الأهم ـ إن هذا المشهد ليس فى صالح القوى الاستعمارية الموجودة فى السودان الآن.تلك هى المشاهد الأربعة الحاكمة لمستقبل السودان فى السنوات القليلة المقبلة.
ـ كاتب مصري