وصية من ألف عام ونيف
القبة الزرقاء:ـ
قبل أن يسجى الرسول الأعظم في القبة الخضراء ، قال (ما وصف لي أعرابي ، فأحببت أن أراه إلأ عنتر). أنه الفارس الأسود ( شعلة الحرية ) الذي شهرته طبقت الآفاق . ويتواتر أن ميلاده كان في سنة525م ، ويُِعد ظاهرته أحدى المعجزات النادرة منذ عهد المسيح . وهكذا نال وسام الشرف والفروسية من رسول الله ،مباشرة . أما عنترة فتعني لغوياً ( الذبابة الزرقاء ) وهي كناية عن مخلوق منحط ! ولو أن كل المخلوقات كريمة في ذاتها ، ولا يجوز المس بكرامتها . ولكن تلك ممارسة أخرى وهائلة ، لإرهاب اللغة التي توّظف كأحدى الوسائل المؤثرة و المدمرة نفسياً في سياسات القهر والإستعباد وإذلال الكرامة الإنسانية التي تتمتع (بالحصانة القدسية ). إلأ أن عنتر ، قاوم بعزم جاعلاَ من تلك الكناية المذلة والمستضعفة إلى كناية للقوة والهمة والطموح الجامح ، حتى قال : لولا الذي ترهب الأملاك قدرته *جعلت متن جوادي قبة الفلك .
وسائلي السيف عني هل ضربت * به يوم الكريهة إلأ هامة الملك . وبالتلي ، مقاومة الذل والعبودية أي الأستغلال التعسفي ، هي مقاومة مشروعة وفطرية وليست أرهابية أو مفتعلة أو عمالة و إرتزاق كما يزعم الطاغوت ، ولكن لابد للإنسان الحر الطموح أن يناطح ويتربع في قبة الثريا الزرقاء ، وما خلق الإنسان إلأ لينجز المجد و يرث العزة ..وهناك يقف كل الدجاليين الإنتهازيين و الحاقديين المزيفين في طريق تقدم الحضارة والإنسانية متسلحين بالتزييف تارة و بالدناءة تارة أخرى ، لعرقلة أية خطوة نحو تعزيز كرامة الإنسان الأسود والسودان وتسريع عودتهما للتاريخ مجددا ً .
لون الدجى والفجر المبين :ـ
ثمة تلاحم مابين الدجى و الفجر والثوار والحرية ، وما بوسع كل أولئك المعرقلين و المعاقين التصدي لموجة رياح التغيير العاتية التي يتبناها ويهبها فتية السودان القادم من التاريخ السحيق والعريق . وسعي أولئك اليائسين ،مماثل لسعي مقدّم (ديوان عنترة ) الأستاذ / علي العسيلي ، الذي تشرف لتقديم عنتر بن شداد للعالم المعاصر ، مستهلا ( ... أن شاعرنا يعيش عقدة النقص ، كتكوين خلقي .... فعبأ الفراغ قهرا بالفضائل ... وحبه (لعبلة ) حبا سار مسير المثل على ما بينهم من إختلاف في اللون والمنشأ ) . هذة هي ذهنية الجاهلية الاولى ، وبهذا المذهب أفتى , بسطام بن سيد بني شيبان ، الذي راهنه مالك العبسي والد عبلة برأس عنتر أذا شاء الزواج من عبلة . فأنشد بسطام طالبا رأس عنتر : حادثات الدهر تأتي بالبدع*ترفع العبد وللحر تضع . وهذا أول إعتراف لبلوغ عنتر مكانة رفيعة في تلكم المجتمع العنصري الذي أستطاع فيه عنتر أن يكسر ليس فقط ،قيود العبودية ، أنما نال المناصب من الدرجات العلى . فكان بمثابة وزير للدفاع في دولة عبس الإفتراضية والقائد الأعلى للجيوش العربية مجتمعة ، ضد جيوش العجم بقيادة الروم . ومع كل هذا ، يحاول بسطام النيل منه ، مثبطأ همة عنتر نحو المجد . ويأتي هذة النوايا في شكل إشارة تهديدية : خل عنك الحرب يا لون الدجى * وأتبع الحق ودع عنك الطمع .
لا ولا عبلة من بعض الإما* مثلها مع مثلك الدهر جمع . وهنا إقرار بالالاءات السبع ، درب من دروب العنصرية ، ما أقرها حتى هتلر على السامية (اليهودية ) . و أذا كان العرب أمة تقليدية ، ولا تعترف بمولود وفارس لا يشق له غبار في بلاد العرب آنذاك .، برغم من أن والده من سادات العرب ، فقط لأن أمه أفريقية ، وحسب عرفهم حكما هو (عبد) ! فهات من يقنعني في الكون بأن عرب السودان الذين يدعون بالعروبة ، وما في شك بأن أمهم أفريقية ، فهل يستثنونهم من هذا التعريف ؟ فأذا كانوا حالة إستثنائية ، فتلك جريمة أخرى في حق الهوية السودانية ! فلا عرب ولا عربان في السودان ، انه عبودية دماغية لذلك هؤلاء الهذيان يمارسون في السودان سلطة جنون العظمة . وبصورة ملموسة في الجنوب والشرق ودارفور الذي يعاقب بشدة لمثاليته وبطأه . ولكنه أنطلق كالنمر . ونعود للجاهلية ولكننا نعزر بسطام لأنه جاهلي ، ولكنه لا يفلت من درس عنتر. بينما الأستاذ / العسيلي ، ويكأنه لم يؤمن بالآية ( ..ومن الناس والدواب .. مختلف ألوانها .. أنما يخشى الله من عباده العلماء ). و اعتقد ان اللون هو نتاج للإنصهار والإختلاط بين العناصر . ويأتي مرافعة عنتر في إطار سكتة دماغية لكل المتنفجين سلفاَ و خلفاَ ، فيقول :
يعيبون لوني بالسواد جهالة* ولولا الليل ما طلع الفجر
محوت بذكري في الورى ذكر من مضى* وسدت فلا زيد يقال ولا عمرو . و يمضي فارس الأزمان لمواجهة بسطام قائلا :
أن تكن تشكو لأوجاع الهوى* فأنا أشفيك من هذا الوجع . ويبدو أن بسطاما كان من أتباع (عبدة رجم الغيب ) لذا أفكاره منحرفة ومضّللة ، شأن كل المتعجرفيين ، ولدينا في نظام سير سير بعدد الرمل والحصى . فحينما يقول:
يا بني شيبان قد نلت المنى* وأنجلى همّ فؤادي و أندفع
وغداَ أخبركم عن عنترٍ* أنه قد شرب الموت جرع . وبالمقابل ، كان عنتر ،مؤمناَ وقدريّاَ وواثقا من أصله ، معتزاَ به و مدينا ومحارباَ ضد الأرهاب أيضا . فهو القائل :
فلا تكفر النعمى و أثني بفضلها * و لاتأمنن ما يحدث الله في غد
فقد أمكنت منك الأسنة عاتيا* فلم تجز أذ تسعى قتيلا بمعْبد . ويقول مذّكرا َ وساخرا َ من بسطام الذي يكنّيه بأبي اليقظان ( الديك ) ..
يا أبا اليقظان كم صيدِ نجى* خال البال وصيادِ وقع
يا بني شيبان عمي ظالمُ* وعليكم ظلمه اليوم وقع
وأنا أقصده في أرضكم* و أجازيه على ما قد صنع
وساق بسطاماَ إلى مصرعه * عالقاَ منه بإذيال الطمع
بحسامِ كلما جرّدته في يميني *كيفما مال قطع
وأنا الأسود والعبد الذي * يقصد الخيل أذا النقع إرتفع . فمصير الجنجويد وجوقة المهللين بإطالة حياة النظام المتهالك ، هم يكونون ، أول ضحايا النظام المستعرب الظالم ، علىطريق بسطام المتفنج . و على هذة الوتيرة والأستراتيجية كان عنتر ، يعتد بالتكتيك الهجومي المبادر بروية ،لسحق كل الظالمين و المأجورين ، أينما حلّوا ، بحزمِ و حسم . وهكذا ، منذا عهد كسرى أنوشرواني ( أمبراطور الفرس الكبرى ) إلى عهد جورج بوش الثاني ( أمبراطور أميركا العظمى ) ، رسخ عنتر بن شداد، مفهوم العنترية في ميدان العمل السياسي والثوري .ولكن حتى اليوم يستخدمه بعض ساسة العرب ، كمفهوم رديف للديماغوجية ! وليس حب المبالغة عند العرب ساهم فحسب في خلق أسطورة عنتر ،أنما أيضاَ (ديوان عنتر ) الذي هو تعبير لإرث ثوري مقاوم ،ولولا هذا الديوان لكان عنترة مجرد خرافة تاريخية . ويبدو أن عنتر أعتمد في ذلك عبقرية إستثنائية في الثورية ، قوامها الصبر والجلد والثقة والطمأنينة والرضى . وهذا هو الجهاد الحقيقي ، للتعامل مع بيئة الجاهلية وكراهيتها البغيضة للإنسان الأسود . وكان حلفاءه وأصدقاءه الأقوياء لا يعد بعدد أصابع اليد ، ومنهم عروة بن ورد ، كان ظاهرة إستثنائية ، كظاهرة القذافي في أفريقيا ! ولقد كان عنتر أكبر متمرد وثوري صلب ومقاوم منفتح ضد العنصرية ،و مؤيد ومناصر قوي للقومية الأفريقية الصاعدة الآن . و إيمانه بهدفين أساسيين ، هما ( الحرية والحب ) رفعه إلى مصاف العظماء الخالدين .. فتذكر وصيته الذهبية هذة : فلا ترضى بمنقصة وذلِ* ولا تقنع بالقليل من الحطام
فعيشك تحت ظل العز يوما*ولا تحت المذلة ألف عام . .. ولناء إطلالة عالمية كل ألف عام .
بقلم/ كيسر أبكر مصطفى