لنعمل على تنفيذ اتفاق حظر الطيران:
أبو بكر القاضي
[email protected]
شعب دارفور هو أكثر شعوب الدنيا فرحا بانتصار الرئيس الأميركي الجمهوري جورج بوش
على منافسه الديمقراطي جون كيري في الانتخابات الأميركية التي جرت مؤخرا في أول
ثلاثاء من شهر نوفمبر الجاري‚ فإذا كانت الحكومات الأوروبية ــ اقصد أوروبا العجوز
ــ أكثر احباطا بفوز بوش فإن فرح أهل دارفور الكبرى بفوز بوش كان أكبر من فرح جمهور
بوش في أميركا‚ بالطبع ان مغزى هذا الكلام هو ان الانتخابات الأميركية وان كان
الشعب الأميركي وحده الذي يستخدم فيها ورقة الانتخابات‚ إلا ان هذه الانتخابات هي
شأن دولي مباشر يشارك فيها شعب الكويت والعراق والسودان وايران وسوريا ‚‚ الخ‚ كنا
نسهر للساعات الأولى من الصباح لمتابعة المناظرات الانتخابية لعلمنا في السودان
والشرق الأوسط انها تهمنا بنفس الدرجة‚ اما شعب دارفور الذي تم تهجيره قسريا من
قراه ومزارعه بسبب القصف الجوي الحكومي العشوائي بطائرات انتينوف ــ أسكت الله حسها
والى الأبد في دارفور ــ والمعبأة بقنابل المولوتوف البليدة‚ وبسبب هذا القصف
العشوائي اضطر أكثر من 6‚1 مليون شخص الى النزوح الى المعسكرات‚ ولجأ حوالي 400 ألف
الى دولة تشاد المجاورة‚ فمن الذي وقف مع شعب دارفور في محنته؟
الجامعة العربية؟ كذبا كاذب!! منظمات الإغاثة الإسلامية؟ كذبا كاذب الكتاب العرب
وأئمة المساجد؟ كلا وألف كلا!! وجد شعب دارفور كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة
الذي تعامل بفقه «ما لا يدرك كله لا يترك كله»‚ فهذه المنظمة ان عجزت مثلا عن حل
قضية فلسطين ــ لأسباب خارجة عن يدها ــ فانها نجحت‚ بل سجلت نصرا تاريخيا في
التصدي لقضية دارفور‚ثم وجد شعب دارفور الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش ووزير
خارجيته كولن باول‚ والسيد جون دانفورث‚ هذا الثالوث الأميركي العظيم الذي ساهم
بفكره ووقته ومن اموال الشعب الأميركي في توفير الحماية لشعب دارفور «المسلم» من
الإبادة التي تعرض لها ــ وبكل أسف ــ من حكومته التي كانت تمارس ذات العمل
الاجرامي في جنوب السودان باسم الاسلام‚ وقد فضحهم الله‚ وبرأ دينه‚ وقيم السماء من
جرائم الإبادة في الجنوب ودارفور‚ وجبال النوبة‚ ربما لا يدرك الكثيرون ان اقليم
دارفور هو أكبر رقعة جغرافية في العالم بها حفظة للقرآن‚ وهذا الاقليم شعاره لوح
القرآن المحفوف بشرافة المسبحة‚ لقد سبق ان دعا شعب دارفور عام 1984 للرئيس
الأميركي الأسبق ريغان بالصحة وطول العمر عندما اجريت له عملية جراحية في ذلك
الوقت‚ وذلك وفاء من شعب دارفور للرجل الذي قدم له الطعام والكساء عندما رفضت حكومة
الخرطوم حتى مجرد اعلان المجاعة في دافور‚ وعندما كان حكام الخرطوم في عهد مايو لا
يعرفون معنى كلمة «العيش» في دارفور‚ حيث تعني هذه الكلمة «الدخن» في دارفور في حين
تعني الذرة في الخرطوم المركز‚ ان ثالوث «بوش‚ باول‚ دانفورث» لا يدانيه إلا ثالوث
«بوش‚ بلير‚ وهوارد
الاسترالي»‚ كنت متأكدا ان جون هوارد رئيس الوزراء الاسترالي المحافظ سيفوز في
الانتخابات الاسترالية التي سبقت الانتخابات الأميركية بقليل‚ ليس
لمساهمته في الاطاحة بصدام حسين وذريته من السلطة في العراق فحسب‚ وانما‚ لإعلانه
الحاسم الداعم لشعب دارفور‚ واترك لفطنة القارىء الوصول الى نتيجة ان دعوات شعب
دارفور ــ أهل القرآن ــ هي التي نجدت توني بلير من كل مطباته امام مجلس العموم
بشأن العراق‚ وسوف تمنحه دورة ثالثة في الانتخابات القادمة بعد حوالي سنة‚ بإذن
الله‚ الاتفاق الأمني بحظر الطيران رائع ‚‚
والتحدي في تنفيذه: حكومات المركز ــ الخرطوم ــ مشهورة كلها بنقض العهود‚ وكتابات
مولانا ابيل الير خير شاهد على ذلك‚ ولكن حكومات الانقاذ تفننت في هذا الأمر‚ فهي
وبسبب عقليتها الأمنية القاصرة تنظر للأمور نظرة آنية‚ وليست استراتيجية‚ وهي
معذورة في ذلك لأن هذه هي طبيعتها‚ وسقف افقها
المحدود‚ فقد كانت تراهن على حتمية سقوط جورج بوش الابن في الانتخابات التي جرت
بداية هذا الشهر‚ وكانت تأمل في قسمة من الزمن من سنة الى سنتين يصفي فيهما كيري
اوضاعه في العراق‚ ومع ايران وكوريا الشمالية وربما لا يجد متسعا من الوقت للنظر في
الشؤون الافريقية كلها‚ ناهيك السودان‚ وقد خاب فأل عرب جنجويد الخرطوم ــ المجرمون
الحقيقيون الذين زودوا الجنجويد بالسلاح والمال والغطاء الجوي والأخلاقي‚ وقالوا
لهم لا نريد اسيرا ولا جريحا!! ان حكومة الخرطوم بعمائلها الوقحة‚ هي التي فتحت
الباب للتدخل الدولي! عندما تقتل الحكومة شعبها بطائراتها التي هي ملك للشعب‚ ماذا
تنتظر الحكومة من المجتمع الدولي‚ وهل قتل شعب دارفور شأن داخلي؟! لقد اعترف وزير
خارجية النظام بان عدد القتلى في القصف الجوي بقنابل المولوتوف البليدة خمسة آلاف
عندما قال العالم ان عدد القتلى 50 ألفا‚ وعندما قالت منظمة الصحة العالمية ان
الابادة البطيئة الناتجة عن الأمراض وسوء التغذية بواقع عشرة آلاف شخص منذ شهر مارس
2004 والتي وصل ضحاياها حوالي 70 ألفا‚ رد وزير الخارجية السودانية بان عدد الضحايا
هو سبعة آلاف فقط‚ فواضح انه يقر جزافيا بنسبة عشرة بالمائة‚ الخلاصة هي ان
اعترافات الحكومة السودانية نفسها تؤكد المبرر الأخلاقي للتدخل الدولي في الشأن
السوداني الذي هو من صنع حكومة الخرطوم‚ في 9/11/2004‚ وبعد ان تأكدت حكومة الخرطوم
من فوز جورج بوش وان كولن باول وجون دانفوث عازمان على عقد الاجتماع التاريخي
النادر لمجلس الأمن في نيروبي في 17‚ 18 نوفمبر بشأن دارفور وسلام جنوب السودان‚ في
هذه الظروف ضربت حكومة الخرطوم عرض الحائط بإرثها الثقافي «لن نزل ولن نهان ولن
نطيع الأميركان»‚ ووقعت على الاتفاق الأمني والذي لخصه السيد احمد
تقد رئيس وفد حركة العدل والمساواة الذي وقع على الاتفاق نيابة عن حركته وهاتفته
جريدة «الزمان» في أبوجا‚ كما يلي:
1 ــ وقف الطيران العسكري العدائي فوق اراضي دارفور‚
2 ــ نزع اسلحة ميليشيات الجنجويد ووضعها تحت رقابة دولية كاملة‚ وان تلتزم الحكومة بتقديم كل المعلومات عنها ومناطق وجودها لمفوضية وقف اطلاق النار وبعثة الاتحاد الافريقي بدارفور‚
3 ــ ان تلتزم الحكومة بالسيطرة على الميليشيات الأخرى التابعة لها «الدفاع شعبي» ومنعها من القيام بأي عمل عدائي ضد المواطنين او اي عمل يمكن ان يخل بالبروتوكول الأمني‚
4 ــ اطلاق سراح كل المعتقلين بسبب النزاع في دارفور وتبادل الأسرى وسجناء الحرب لدى الطرفين‚
5 ــ تسهيل مهمة قوات الاتحاد الافريقي المناط بها حماية معسكرات النازحين ومهام مراقبة وقف اطلاق النار‚ واعطاؤها صلاحية حق حماية المدنيين في حال تعرضهم لهجمات مباشرة من الجيش الحكومي وميليشيات الجنجويد‚
لقد ظلت الحكومة السودانية تراوغ وترفض
هذه البنود ولكنها خضعت ذليلة ووقعت بعد فوز الرئيس الأميركي بوش في الانتخابات
الأميركية لانها تدرك ان مربط الفرس في يوم 17 نوفمبر ــ وهو تاريخ «انقلاب الفريق
ابراهيم عبود عام 1958» ــ حيث سيجتمع مجلس الأمن في نيروبي بشأن دارفور‚ فلولا ضغط
الثالوث الأميركي بوش‚ باول‚ دانفوث‚ لما وقعت الحكومة السودانية على هذا الاتفاق‚
ولهذا السبب فإن من المتوقع ان تراوغ الحكومة السودانية وتماطل في تنفيذ هذا
الاتفاق‚ الذي سبق ان وافقت على مضمونه في اتفاق مع الأمين العام كوفي عنان منذ شهر
يونيو 2004‚ الرئيس النيجيري الذي
هو الرئيس الحالي للاتحاد الافريقي ــ او ليسفون أوباسانجو مهندس المفاوضات التي
جرت تحت رعايته قال بالحرف بعد التوقيع مباشرة «ان الخطوة التالية هي وضع الاتفاقين
موضع التنفيذ» «إذا لم ينفذ الاتفاقان بدقة فانهما لا يستحقان الورق الذي وقعا
عليه»‚ يلزمني القول ان حكومة الخرطوم عندما كانت تقف بثقة في وجه أميركا في العقد
الأول من عمرها‚ انما كانت تركت الى المجاهدين من أبناء دارفور‚ د‚ خليل ابراهيم‚
قائد المجاهدين في صيف
العبور‚ ولكن وبعد مفاصلة الانقاذيين في نهاية القرن الماضي‚ وقالت نخبة حكومة
المركز قولتها المشهورة «يحكمنا المصريون‚ ولا يحكمنا الغرابة» هنا
ادرك ابناء غرب السودان ان الطريق الوحيد لنيل حقوقهم السياسية وحصتهم من الثروة هو
الطريق المسلح‚ أبناء دارفور في الحزبين «الشعبي والوطني» انضموا للتمرد‚ وكونوا
حركة العدل والمساواة وانضموا لحركة التحرير في دارفور‚ تمرد دارفور هو نهاية
الانقاذ‚ والكتاب الأسود هو منوفستو الثورة ليس على مستوى دارفور فحسب وانما على
مستوى كل المناطق المهمشة الأخرى التي اعطاها الكتاب المعلومات بالأرقام القاطعة‚
اجتماع مجلس الأمن في نيروبي سيعطي «الأسنان التي تعض» لكل الاتفاقيات
والبروتوكولات التي وقعتها حكومة الإنقاذ: عظيم انت يا دانفورث!! فانت خبير بالشأن
السوداني والواعي لا يحتاج وصية‚ فالسيد دانفورث مندوب أميركا لدى الأمم المتحدة هو
المهندس الذي رتب لاجتماع مجلس الأمن في نيروبي وليس الخرطوم!! فكينيا دولة عظيمة
ديمقراطية مستقرة رتبت سلام السودان بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير
السودان‚ كما رتبت كينيا وبكفاءة عالية سلام الصومال‚ لذلك تستحق نيروبي هذا
التكريم لانها برهنت على انها عاصمة للسلم الدولي‚ مغزى اجتماع مجلس الأمن في
نيروبي في 17 نوفمبر بعد انتهاء الانتخابات الأميركية وفوز بوش لا يحتاج الى شرح
طويل‚ فهو تهديد علني وانذار نهائي لحكومة الخرطوم المراوغة التي ادمنت التسويف وقد
بنت كل آمالها على سقوط بوش في الانتخابات الأميركية‚ ان هذه الخطوة تعني ان أميركا
قد قررت ادخال السودان في بيت الطاعة الأميركي عن طريق الشرعية الدولية‚ وسوف يدشن
الرئيس بوش عهده الثاني بتحقيق السلام الشامل في السودان في الجنوب والغرب ــ
دارفور ــ وفي شرق السودان‚ وهو انجاز للتاريخ صنعته أميركا بجهدها وعرقها‚ وبذلك
سيشهد عام 2005 عهدا جديدا في السودان يتبوأ فيه المهمشون بقيادة قرنق‚ وعبدالعزيز
الحلو وحجّا رود خليل وعبدالواحد وقادة البجة والاسود الحرة مقاما رفيعا وهذا هو
السودان الجديد‚