بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا يخاف بعض الشماليين من المستقبل
عبدالغني بريش/الولايات المتحدة [email protected]
كلما قصرت الفاصلة الزمنية التي بموجبها يتم التوقيع النهايئ على برتوكولات نيفاشا وحل مشكلة دارفور وبدء اعلان استقلال السودان،تلاحظ حالة القلق العميق لدى بعض الشماليين خاصة الذين يشكلون حكومة الانقاذ الظلامية،وانفعال بعضهم الاخر لدرجة التراشق العلني بالاتهامات،واطلاق تصريحات غير متوازنة هنا وهناك لاتدل على الحنكة السياسية،واخرون وجدوا في (شعارات وحدة السودان) او عدم الرضى على برتوكولات نيفاشا ومفاوضات ابوجا بين ثوار دارفور والانقاذيين غطاء غير مقنع للتسويق المحلي،ولعبور الفترة الحرجة الحالية،فيما تطلق الاتهامات الشخصية غير المبرر ضد ممثل الامم المتحدة السيد(جان برونك)خروجا على المألوف واللائق في السياسة الرصينة التي ينبغي على الذين يسعون الابحار في عالمها،والتمرين على احكامها،فقد سبق للحكومة ان تشبثت بالامم المتحدة وباتفاقها مع امينها العام السيد (كوفي عنان) بشان قضية دارفور ووصفوا وقتها تقرير برونك بالمتوازن وسبق ان ارتاحوا لوجوده في العاصمة السودانية الخرطوم وفي موقع الاحداث في دارفور،حتى اوفدت الحكومة وسمحت لعدد من مراسلي الفضائيات العربية للتغطية بغرض التسويق المحلي والاقليمي،لكن بعضهم اليوم يرتاب من افكار السيد برونك ويصفها بانها تشجيع للمتمردين الدارفوريين وان الامم المتحدة لعبت دورا ولو جزئيا في تازم الوضع في دارفور(حديث وزير خارجية السودان مصطفى عثمان اسماعيل)
يبدو ان اسباب هذا الانفعال غير المبرر تنطلق من شعور القلق باحتمالات نتائج قيام الادارة الامريكية بفتح ابواب الحوار في مصير العملية السياسية السودانية خارج نطاق الانقاذ خاصة بعد فوز(بوش) مع جهات تتوخى الموضوعية والعدالة النسبية،وتسعى الى وضع تقديرات للمعادلة السياسية بما يضعها في قارب اكثر امانا مما هي عليه اليوم،وتفتح اطار الفعالية بشكل نسبي خارج استحكامات القوى الحالية اي قوى الشر والعدوان. و
يبدو من بين اسباب التحامل على السيد برونك هي جرأته في تشخيص بعض جوانب الخلل في العملية الامنية والانسانية التي استمع اليها ولمسها من خلال احتكاكه ببعض الدارفوريين في معسكرات النازحين مع انها لم تعبر عن كامل تلك الصورة الماسوية المريرة، مما يعني كشف اكاذيب الحكومة.
ان الاسئلة التي يفرض نفسها من بين مئات الاسئلة .الم ياخذ الانقاذيون فرصتهم لمدة خمسة عشر عاما في الهيمنة على السلطة،وفشلوا في امتحانها القاسي امام الشعب السوداني ،ففي تلك السلطة انتهكت كرامات الناس وحرمات منازلهم ،وابيحت دماء ابناءهم البررة،وغادر الوطن ملايين من خيرة شبابه الى المهجر ،وتحول السودان الى ساحة للارهاب الجنجويدي،كما تورطت هذه الحكومة باتخاذ قرارات لم تحترم قيم العدالة والمساواة وتاريخ هذا البلد العريق،وكشفت التناقض والتنافر بين اعضائها عند(صدور قرار مجلس الامن الذي كان يهدد بفرض عقوبات على السودان اذا لم يقم بتنقيذه) سمعنا التصريحات المتناقضة لمسئوليين حكوميين بين رافض ومؤيد لهذا القرار حتى كاد الشعب ان يجزم بعدم وجود حاكم حقيقي مسئول يمكن مساءلته،من بين القرارات المشينة ايضا ان تدار الدولة عبر قبائل لاول مرة في تاريخ السودان الحديث (الجعلية والشايقية) اللتان ينتمي اليهما 90% من اعضاء حكومة البشير،وخلال خمسة عشر عاما من الفرصة التاريخية امام الانقاذ،وجدنا غالبيتهم يزورون الشمالية بصورة يومية ويديرون اعمالهم من منازل زعماء القبائل ومشايخهم ..
عندما بدات المفاوضات بين الحركة الشعبية وعلي عثمان محمد طه كانت الشعوب السودانية تراقبها عن كثب وباهتمام بالغ الاهمية،وكان امل هذه الشعوب ان يتم التوقيع على برتوكولات نيفاشا قبل نهاية عام الفين وثلاثة الآ ان هذا الامل تبدد ،اذ ان السيد طه كان يقدم كل مرة حججا لتاجيل المفاوضات،مرة بمناسبة شهر رمضان وتارة بمناسبة العيدين حتى اصبح عام الفين وخمسة على الابواب وما زال مصير نيفاشا غير معروف.
ان الاسلام علمنا ويذكرنا ان شهر رمضان هو شهر العطاء والبذل وليس شهر الاسترخاء والهروب والاعذار وذرائع@ لكن مسلمونا هكذا يفسرون الاسلام حسب ما تقتضي مصالحهم.
ان السيد طه استطاع ان يستثمر الهروب من نيفاشا لترتيب بيت الانقاذ الذي هدمه الصراعات الداخلية،وان يعطي مساحة كبيرة جدا للشماليين الذين يتشككون في برتوكولات نيفاشا لممارسة خبثهم ومكرهم وخداعهم بحجة ان نيفاشا اشارة واضحة لفصل الجنوب،حيث يتحدث هؤلاء المخبولين ان الجنوبيين اخذوا اكثر مما يستحقون وكأننا نريد سلاما بلا ثمن او ان الملايين من مقاتلي الحركة الشعبية الذين ماتوا بنيران شمالية ماتوا (لتسميد ارض الجنوب)ادرك السيد طه بعد التطورات المذهلة في اقليم دارفور ان المضئ في مفاوضات نيفاشا يعني الانتحار وعدم المضي فيها قد يعني انتحارين،ولذلك بدأ يملانا بقصص واقاويل وحجج لاتقنع الآ(هؤلاء الجالسين تحت شجرة البلح).
ان الشماليين راهنوا على ورقة (الدين) خاصة في اقليم دارفور لكنهم لم ينتبهوا ان هذا الرهان خاسر وان هذه الورقة سقطت تماما بمجرد مجئ الانقاذ وان حزب الامة هناك اصبح في مزبلة التاريخ بعد ان ادرك اهالي دارفور ان الوقت قد حان للتفريق بين الدين والسياسة وعلى الذين يجرجرون ذقونهم حتى القدمين مغادرة الاقليم وايجاد مكان لهم لممارسة شعوذتهم ودجلهم واكاذيبهم .اعطى دارفور الفرصة الكافية منذ عام 1916 للحكومات الاتية.عبود (شايقي) نميري (دنقلاوي) الصادق المهدي (دنقلاوي) البشير(جعلي بديري) علي عثمان محمد طه (شايقي).. وهم جميعهم من اقليم واحد للنهوض بالسودان الآ ان النتيجة كانت فتح حدود السودان للجنجويد العربية من موريتانيا.الجزائر. النيجر .عرب الافغان.تشاد.الكاميرون محاولة منهم لتحويل دارفور الى دولة لليائسين العرب (desperate Arabs).
ان التململ الذي بدأ وسط بعض الشماليين يعود اسبابه الحقيقية الى ان هذا الاقليم الجاف جدا والذي يبدأ شمال بحري حتى حلفا القديمة لايستطيع ان يحيا بدون الاقاليم السودانية الاخرى،لانه يعاني حتى من المياه الصالحة للشرب، رغم ان نهر النيل يشق معظم مدن هذا الاقليم ،ولا ينتج غير التمر او البلح سئ الجودة صغير الحجم لايكفي حتى لسد حاجة طلاب المدارس،وقد لايصدق المرء ان الذين حكموا السودان قرابة نصف قرن من الزمان وهو عمر ما يسمى باستقلال السودان جميعهم ينتمون لهذا الاقليم .
ان النداءات التي اطلقها على الصحف بعض الشماليين والتي تطالب بفصل الشمال عقب التوقيع بالاحرف الاولى على برتوكولات نيفاشا الست بحجة ان الجنوب اخذ اكثر مما يجب،هو الخوف الشديد ان يلحق بالجنوب اقاليم اخرى كجبال النوبة،دارفور،البجا الخ،ويكونوا بالتالي قد فقدوا 95%من ثروة السودان التي كانت تذهب الي جيبوهم .
استخدم هؤلاء البلهاء سياسة (الهجوم خير وسيلة للدفاع) او سياسة الضربة الاستباقية (preemptive strike) وهي سياسة تستخدمها الادارة الامريكية منذ عام 2001 لمطاردة وملاحقة انصار القاعدة لتقديمهم للمحاكمة الآ انها فشلت وخلقت فوضى عالمية واعداء جدد للامريكان،اما الامريكان انفسهم انقسموا الى 50.50 داخليا تجاه هذه السياسة العرجاء وقد انتحر عدد من الامريكان لدى سماعهم خبر فوز (بوش) بولاية ثانية،واظهرت استطلاعات اراء الامريكان عقب فوز بوش ان 39% ممن شملهم الاستطلاع اصيبوا باحباط شديد من عودة رئيسهم الذي لايجيد الانجليزية الى البيت الابيض ..
ان الشماليين الذين ينتهجون اويمارسون هذه السياسة لايعلمون مدى خطورة هذا الاتجاه او الطرح وهم الذين حاربوا الجنوبيين اكثر من عشرين عاما عندما طرحت فكرة (الانفصال) وهاهم اليوم يطرحون ما نهوا عنها قبل ربع قرن من الزمان،يجب ان يعلم هؤلاء الاشرار ان العالم يمضي الى الامام ويتطور بسرعة بقوة الاتحادات ودليل على ذلك ،الاتحاد الاوربي الذي يضم خمس وعشرين دولة هي في الاساس متناقضة ومتنافرة الثقافات واللغات الآ ان دستور الاتحاد حسم كل هذه التناقضات في قالب يرضي الجميع،لكن الشماليين عندنا في السودان ينظرون الى النوبة والفور والجنوبيين كنظرة العرب (للصهاينة) مما يستحيل معها وحدة جازبة ..
ان الشماليين يتحدثون ويتصرفون كانهم لم يروا او يسمعوا ما يجري في العالم من تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية،مازالوا يتحدثون عن الشماال والجنوب بطريقة بدائية متخلفة بعيدا عن الموضوعية والعقلانية كأن ليس هناك ما يجمعهما عند تشخيصهم للمشكلة السودانية ..
ان التخلف الحقيقي ليس في الشعوب التي تحارب من اجل حقوقها المشروعة في السودان انما هو تخلف الشماليين مع اللحاق بانفسهم لانهم وحدهم الذين حكموا السودان منذ عام 1956 وحتى الان.
انهم لايريدون لملامح الوجه ان تظل كما خلقها الله ،عينين وانفا وشفتين،فالمحاولات اليائسة جارية لكي نصبح بعين واحدة مغمضة،وثلاثة انوف مرغمة موزعة بين الجبين والقدمين،على ان تطمس الشفاه ونكتفي بان نحقن بالطعام مخدرات لتعويم العقل على الترهات والوعي على الاكاذيب .
كلما حاول المرء ان يقنع نفسه بانه مازالت امامنا فرصة لترتيب حساباتنا،وان نتلمس خطورة الاوضاع التي نعيشها من فقر وجفاف وتصحر والامية والجهل،وان نبدأ في تغيير نمط تفكيرنا وتناولنا للقضايا المصيرية،يفأجا المرء بصعوبة تغيير الواقع،بل لانبالغ اذا ما قلنا بان تراكمات الفشل والخيبة تحولت الى ما يسميه العرب (بجدار الفصل العنصري الاسرائيلي) يصعب اختراقه،وعندما نعجز عن تفسير هول الاحداث وضخامة الازمات نستسلم الى انتظار المعجزة التي قد تعيد لنا احساسنا بوجودنا،وهكذا ودون منازع سجل السودان تفوقا لانظير له في التخبط والتخلف واستحق بجدارة جائزة نوبل للفشل.
ان الذين يطالبون بفصل الشمال لهم هذا الاقليم اليوم قبل غد وبدون اي ترتيبات او فترة انتقالية لانه عبئ كبير على كاهل الاقاليم الاخرى.........