تجربة جديرة بالدراسة
هكذا استغلت الحركة الإسلامية آيات القرآن في تحقيق مصالحها الذاتية ..!!
خالد ابواحمد - البحرين
[email protected]
لا زالت الفرصة مواتية لتقييم تجربة الحركة الإسلامية في السودان وهي التي عملت
نيفا
وخمسون عاما من أجل تحقيق الغاية التي من اجلها أنشئت هكذا كانت تقول مضابطها إنها
كانت
من اجل تحكيم الإسلام في الحياة العامة, وقد أصبحت بالفعل حركة كبرى تستقطب الشارع
السوداني وغير السوداني ومن كافة الشرائح, ولذا هذه التجربة معنية بالدراسة و تسليط
الضوء على أحداثها والتعرض لمفاهيمها بالمناقشة والأخذ والرد والهدف من ذلك انتشار
الوعي الحركي والعقدي, سيما وان تجربة الحكم (الإسلامي) في السودان كانت ولا زالت
أسوء
تجربة حكم في التاريخ الإسلامي منذ أن جاءت الرسالة الإسلامية لم تشهد البشرية
تجربة
اندثرت فيها جميل القيم والأخلاق مثلما حدث في تجربة الحركة الاسلاموية السودانية.
كانت زعامات الحركة الاسلاميه في السودان تتحدث كثيرا عن خلافة الله في الأرض
وتورد
الآيات الدالة علي ذلك، كما كانت تركز بشكل أساسي علي كل الآيات التي تدل بها علي
حقيقة وواقعية مشروعها (الإسلامي)، ففي سنوات تلألاها 85 - 1989 كانت تعتبرانها
المعنية بآية الخلافة في الأرض الواردة في سورة البقرة الآية 30 بمعني أنها كحركة
هي
التي يمكنها ويحق لها دون الآخرين أن تخلف (الله في الأرض) حيث تعني مفردة
(الخلافة)
النيابة عن صاحب الحق الأصيل في أداء المهمات المخولة لها ، فأن خلافة الله في
الأرض
تعني عمارتها وهو مايوف لدي الفلاسفة وأهل الاجتماع (صناعة الحضارة), ولذا كانت
الحركة
الاسلاميه تؤمن بأنها وجدت علي وجه الأرض للخلافة وحكم البشر ليس في السودان فحسب
بل
في كل الدول التي بالامكان الوصول إليها سيما عندما تنظر إلى مؤسساتها
ألاقتصاديه
والمالية والتنظيمية ذات البنايات الشاهقة تري أنها قطعت شوطَا كبيرَا في عمارة
الأرض
بالبنيات التحتية والشركات المالية للتامين والمقاولات والتجارة والترحيل وشركات
بيع
السلع الاستهلاكية, وفي نظر الحركة الإسلامية ووعيها أن عمارة الله في الأرض هي
الأشياء المادية من شركات ومؤسسات حكم من برلمان, و أجهزة أمنية, و جماهير تحت
الإشارة
متى ما شارات إليها لا بد أن تستجيب, وعمارة الله في الأرض لدي (الإسلاميين) هي
عمارة
الأرض ( الدنيا) و الإمساك بالحكم, والقبضة بيد من حديد على كل مقاليد الحكم دون
رحمة
أو استماع إلى وجهات نظر مخالفة لها.
ولكنها أي (الحركة الاسلاميه) لا تضع في حساباتها مفهوم الإسلام للنفس
البشرية,
فالإنسان وفق الفهم القرآني, مزيج من أسمي المعاني, ولذا كان محور العدل والقسط في
المفهوم القرآني هو الأساس لعمارة الأرض, وفشلت الحركة في أن تحقق العدل, وبصريح
العبارة أن العدل لم يكن أحد همومها برغم انه الأساس والعمود الفقري للدولة
الخلافة,
وإذا كان الإنسان بصفته حاملا للنفحة الالهيه فيه, وادني العناصر (الطين) الذي خلق
منه
ادم ، ولذا يجتمع ( السمِؤ والدنو) فأن سلوك الإنسان يتأرجح بين هاتين القمتين,
تارة
في غاية السمؤ حتى يكاد الإنسان أن يغادر البشرية وطبيعتها وهو تارة أخرى في غاية
الدنو حتى يكاد يصبح ادني من الحيوان الأعجم ذاته، ورغم أن الحركة (الاسلاميه) تكتظ
برجال يصبغون على أنفسهم صبغة الدين والتدين يعرفون داخل هذا الكيان رجال الدين
والعلماء إلا أنها لا تعترف بمفهوم الإسلام للطبيعة البشرية وقد كانت في تلك الفترة
تبعد عن كيانها أي شبهه للخلافات الداخلية، وأي شبهه في دنو اي من أفرادها وقادتها
علي
وجه الخصوصية وكأنهم أنبياء مرسلين لا يعصون الله ما أمرهم ويتضح ذلك عندما نري ان
عدد
كبير من قادة الحركة (الاسلاميه) بعد استلامهم السلطة في السودان قد بطروا واغتروا
وظنوا أنهم شعب الله المختار, لم يستفيدوا من القرآن الكريم الذي كانوا
يستعرضونه في
خطبهم الحماسية في فترة الديمقراطية الثالثة ، وكما بينا في مكان سابق أن أحد اكبر
واشهر قادة الحركة الاسلاميه في العام 1992 وقف أمام حشد كبير من طلبت احدي
الجامعات
وخطب فيهم خطبا عصماْء وبعد غلو كثير من الحديث قال لهم في لحظة الحماس " أننا لا
نريد
أن نحكم السودان فحسب بل نريد أن نحكم كل الدنيا ،وقد جئنا أيضا بأساس افورقي في
إرتريا وبمساعداتنا اللوجيستيه ، وجئنا أيضا بملس زناوي في إثيوبيا ونحن الذين جئنا
بإدريس دبي في تشاد وقد رعيناه منذ أن كان طفلا يحفظ القرآن في دار فور
وإذا أردنا
أن نغيراي نظام لفعلنا ولا نخاف أحدا من الناس" .
إلى هذه الدرجة من الغرور كان ينظر قادة الحركة الاسلاميه لأنفسهم ولنظامهم،
وهكذا كان
يتحدثون عن استراتيجيتهم غير المعلنة, ومن علامات الاستفهام الكبيرة التي برزت
مابعد
محاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا أن شابين سودانيين قد
اغتيلا أمام منزلهما في العاصمة الاثيوبيه بعد أيام من محاولة اغتيال الرئيس المصري
وقد اشتبهت فيهم المخابرات الاثيوبيه ومن تحركاتهم وعندما خرجا ذات مرة من البيت
وأدارا سيارتهم دخلت عناصر المخابرات الاثيوبيه الي البيت وبعد ان فتشته بشكل دقيق
وجدت ظرف كبير الحجم وكانت المفاجأة أن الظرف كان عبارة عن دراسه كبيرة بعنوان (
استراتيجية الحركة الاسلاميه في السودان للقرن الإفريقي) في العشرة سنوات القادمة،
وعلي الفور عندما عاد الشباب إلى مكان سكنهم اغتالتهم المخابرات الاثيوبيه أمام
المنزل
وعلمت الحكومة السودانية بذلك ولم تقول أي شيئا غير أذاعت أن الشابين كانا يتبعان
لمنظمه طوعيه، وفي ذات الوقت قامت المخابرات الاثيوبيه بتسليم نسخه من ( الدراسة)
الى
المخابرات الامريكيه وأتذكر في ذات الأيام كانت العديد من شاكلة تلك الدراسات
تتناقل
بين أيدي أعضاء الحركة الاسلاميه واذكر أن رد الفعل علي اغتيال الشابين لم تتعدي
التخذيرمن تداول هذه الدراسات بين الذين يعملون في المكاتب المتخصصة والاحتفاظ بها
في
أماكن آمنه وحينها كانت الحركة (الاسلاميه) تضع هذه الدراسات التي تكشف عن الأهداف
الخاصة باستراتيجية حكم المنطقة ومناطق اخري عديدة، وكل ذلك في اطارعمارة
الله في
الأرض بإزالة الديكتاتورية التي تحكم هذه الدول واستبدالها بانظمه ( إسلامية) حسب
فكر
الحركة, ومسألة حكم العالم والاستراتيجيات التي بين أيدي أعضاء الحركة كانت احدي
الأسباب التي تجذب الشباب الطموح في الانضمام للحركة (الاسلاميه) وسيما وان هناك
الكثير من المنظمات والهيئات التي كانت تعمل بشكل مستقل في جمع المعلومات وإعداد
الدراسات الميدانية علي دول وعن شعوب ومناطق بعينها ومن هذه الهيئات والمنظمات
الاتحاد
الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية, أيضا هذه المسارات كانت تحسب في وضعية (خلافة
الله في الأرض ) وكان السودان يستقبل في تلك الأيام الوفود تلو الوفود من الطلاب
ومنظماتهم من كافة دول العالم .
حقوق الإنسان
ومما يحزن له أن استخدام الآيات القرآنية والمفاهيم الاسلاميه الحقه عند إسلاميوالسودان من البساطة بمكان التعامل معها دون ادني وازع ديني أو مسئولية أخلاقية تجاه
المتلقين للدعوة أو السودانيين الذين يعيشون داخل هذه التجربة ودونا مراعاة لعقولهم
ولحرماتهم ، مثلا في أكثر من موقف مضر بالسلوك الإنساني وإهدارًا لحق الإنسان في
الحياة
ممارسة زيد من الناس ظلم شخص ما إلا وخرجت بيانات الحكومة وأقيمت الندوات
ودبجت
المقالات عن حقوق الإنسان في الإسلام وحضرت لها ( الهتيفه) المكبرين والمهللين ومن
قصص
الواقع في هذا الصدد انه في الوقت الذي أنشئت فيه الحكومة السودانية مؤسسات
(اسلاميه)
لحقوق الإنسان وزادت الندوات والمقالات وورش العمل في هذا الموضوع كانت انتهاكات
لحقوق
الإنسان تحدث في أكثر من مكان ، ولكن بمعايشه يوميه للحدث أن الجيش السوداني في
جنوب
السودان قام باختطاف مجموعة من طالبات مدرسه ثانويه في أوغندا في عام 1996 – 1997 ،
وأنكرت الحكومة السودانية هذا الحدث جملة وتفصيلا ، بل اتهمت أوغندا
بزعزعة المنطقة
وانتهي الموضوع بالنفي والاتهام بين الطرفين فإذا بي احدي الطالبات المختطفات تظهر
في
احد مناطق الجنوب وتذهب إلى بلادها وتكشف عن الحقائق.
تحدث عمليات القتل داخل معسكرات الخدمة الالزاميه العسكرية وقد وثقت العديد
من
الحالات، وصودرت الصحف التي نشرت هذه الأخبار وحذرت من تكرار النشر، وشهد العام
2000م
أكثر من حالة وفاة لطلاب في معسكرات الخدمة الإلزامية, حيث استشهد الطالب
غسان احمد
الأمين هارون في معسكر جبل أولياء للتدريب الموحد, حيث ضرب ضربًا مبرحًا من قبل ما
يسمي(التعلمجية) والبينات كانت واضحة من خلال تقرير الطبيب الشرعي بمشرحة
مستشفي
الخرطوم الدكتور عبد الله عقيل وقد كشف التقرير الطبي عن مقدار الأذى الذي تعرض له
الطالب النابغة غسان احمد الأمين هارون حتى توفى إلى رحمة الله من ضرب ب
(البوت) في
الرأس والوجه أكثر من 20 ضربة في أماكن متعددة من الجسم, أدت إلى الوفاة وعندما رفع
والد الطالب الدكتور أحمد الأمين هارون أستاذ الهندسة بجامعة السودان, دعوة ضد
الجهات
المسئولة رفضت وزارة العدل قبول الدعوة بحجة أن الطرف الحكومي جهة سيادية
لايمكن
المساس بها أو شكواها مهما كان الفعل وحدث هذا في عهد الوزير الحالي محمد عثمان
يسن,
وبعد ساعات من إصدار التقرير الطبي أعطي الصحفي إسحاق احمد فضل الله نسخة منه
باعتباره
احد ابرز كتاب النظام, ليكون شاهدَا على واحدة من انتهاكات حقوق الإنسان في السودان
بالقتل, دون أن يجد الشخص المتضرر حقه بالتقاضي في دولة (الإسلام) الجديدة في
السودان,
وفي مثل هذه القضايا تغيب آيات القران غيابا تاما لأنها أساسا تستخدم في مصلحة
الحركة
(الإسلامية) ورجالاتها, ولا تستخدم في إحقاق الحق وإبطال الباطل..!!!