أبو بكر القاضي: العقوبات في الرسالة الثانية في ضوء حقوق الإنسان
[email protected]
الفكرة الجمهورية‚ هي مدرسة سودانية مرشدها الاستاذ الشهيد محمود طه‚ وكتابها
الأساسي هو الرسالة التالية من الاسلام وكتب أخرى مثل طريق محمد
ورسالة الصلاة‚ وتطوير شريعة الأحوال الشخصية‚ اما الرسالة الثانية فتعني حسب اصول
الفكرة تطوير التشريع في ثلاثة مجالات هي: الاقتصاد والسياسة والاجتماع‚ وشريعة
العبادات لا تتطور إلا بمعنى ترقي الأفراد من الشريعة الجماعية الى مرتبة الشرائع
الفردية‚ وقد تراجعت الفكرة عن مسألة الاصالة للفرد العادي وأصبحت قاصرة فقط في حق
الأصيل الواحد الذي قال الاستاذ انه ــ عن نفسه ــ ليس الأصيل الواحد‚ ويرجو ان
يكون‚ وانه على شك‚ وقال شكي اتركوه لي‚ وانتو لا تشكوا انه ــ اي الاستاذ ــ هو
الأصيل الواحد‚ المسألة الثانية التي لا تتطور في الرسالة الثانية هي مسألة الحدود
والقصاص وهي موضوع تركيزنا في هذا المقال‚ والسؤال الذي سنحاول الاجابة عنه هو:
لماذا فرقت الفكرة عند معالجتها للتطوير بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع من جانب‚
وبين تشريعات الحدود؟ اوليست تشريعات الحدود تقع في منطقة «المتغير» وليس «الثابت»
بمعنى انها مسألة تتأثر بتطور الزمن وتغير الإنسان؟ للاجابة عن هذه الاسئلة
المترابطة موضوعا سأتناول فلسفة العقاب في الثقافة الغربية وفي قمتها مبادىء حقوق
الإنسان‚ ثم اقارن ذلك باطروحات الفكرة الجمهورية‚ فلسفة العقوبة في التجربة
الإنسانية سأتناول ــ بإذن الله ــ فلسفة العقوبة بتصرف وبايجاز من كتاب «العقوبة
في الفقه الإسلامي» تأليف د‚ احمد فتحي بهنسي‚ وهو كتاب شعبي معروف حيث يقول المؤلف
في المبحث الأول ان فقهاء القانون الجنائي قد قسموا العصور التي مر بها العقاب الى
أربعة:
أولا: عصر الانتقام الفردي: وذلك في العهد قبل الدولة ــ في عهد القبيلة ــ وقد اثمر هذا العهد مبدأين: أ ــ مبدأ القصاص: فالثأر على قدر الاعتداء‚ عين بعين وسن بسن‚ وهو ما نجده في الشرائع العبرية واليونانية والجرمانية والرومانية‚ ب ــ مبدأ الدية: وهو ان يقدم الجاني وعشيرته الى المجني عليه او عشيرته مبلغا من المال ثمنا للثأر وافتداء عن العدوان‚
ثانيا: عصرالانتقام الإلهي والردع‚
ثالثا: العصر الإنساني: ويقسمه الفقهاء الى ثلاث مراحل: أ ــ تشريع الكنيسة‚ ب ــ تشريع الثورة‚ ويقصد بذلك اعلان حقوق الإنسان الصادر في 26 أغسطس 1789م‚ والذي تضمن: لا جريمة ولا عقوبة بغير نص‚ وشخصية العقاب‚ كما الغيت عقوبات التعذيب وبتر الأعضاء والجلد والمصادرة العامة‚ ج ــ التقنين: فقد طورت التشريعات الوطنية مكتسبات عهد الثورة الفرنسية حيث جعلت التشريعات للعقوبات حدين‚ حد اقصى وحد ادنى يمكن القاضي من التصرف حسب الظروف الشخصية لكل مجرم‚ كما ادخلت التشريعات الجديدة نظام الظروف المخففة وهي كلها اعتبارات شخصية‚
رابعا: العصر الحديث: انتهى الرأي في هذا العصر الى التوفيق بين النظريات القديمة والحديثة وأخذ بالرأي الذي يقول ان للعقاب وظيفة مزدوجة: فكرة العدل بان يجازي كل مجرم على جريمته بعقوبة لا تتجاوز في شدتها جسامة الجريمة وخطورتها‚ والدفاع الاجتماعي الذي يتحقق بجعل العقاب مبنيا على الميل الاجرامي‚ العقوبة في المنظور الجمهوري
1 ــ يقول كتاب الرسالة الثانية ص49 «والمعاوضة في حد الزنا تقوم على الرجم أو الجلد حسب مقتضى الحال‚ وذلك ان الزاني حيث يبحث عن اللذة حيث كانت ومن غير اعتبار لشريعة‚ اذيق الألم ليرده لصوابه‚ فان موقع الالم من وادي النفس يقوم على العدوة القصوى‚ حين تقوم اللذة على العدوة الدنيا‚ وفي شد النفس الى الالم‚ حين تتهافت علىاللذة المحرمة‚ اقامة للوزن بالقسط مما يعينها على الاعتدال‚ ويجعلها ابعد من الطيش والنزق» انتهى‚
2 ــ في ذات الصفحة من كتاب الرسالة
الثانية يقول «فإذا ما اقتص منه‚ فوضع في موضع الضحية وقلعت عينه معاوضة منه لفعله
ذلك‚ فقد تحقق غرضان في آن معا‚ اولهما حفظ حق الجماعة بردع المعتدي في نفسه‚
وبجعله نكالا لغيره‚ وثانيهما احراز حاجة الفرد الى سعة التخيل‚ حيث اعطي
الفرصة ليعيش التجربة الأليمة التي فرضها على غيره لقصر في تخيله شدة الألم وفداحة
الخسارة اللذين تسبب فيهما» انتهى‚
3 ــ الخلاصة هي ان الفكرة الجمهورية في رسالتها الثانية تقر العقوبات البدنية من جلد ورجم وقتل وصلب وقطع ‚‚ الخ‚
4 ــ توافق الفكرة على الفهم القائل بان
الحدود ليس فيها عفو‚ وقد جاء في كتاب تطوير شريعة الأحوال الشخصية في هذا الخصوص
ما يلي «ومعلوم
ان الحدود تسمى حق الله‚ وانها بخلاف القصاص‚ لا يستطيع احد‚ لا‚ ولا الرسول
الكريم‚ ان يعفو عن الحد من قام به الحد» انتهى‚ خطأ منهجي للفكرة
في رأيها حول إنسان القرن العشرين اخطأت الفكرة الجمهورية حين اعتبرت ان انسان
القرن العشرين في جاهلية‚ وعبارتها اللاحقة المفسرة والتي تقول ان
جاهلية القرن العشرين ارفع من جاهلية القرن السابع لم تضف شيئا كبيرا‚ وفي كتاب
القرآن ومصطفى محمود تقول الفكرة «فأما حاجة هذا العصر فإلى الهداية ‚‚ فإن البشرية
لم تكن يوما في التيه كما هي اليوم» انتهى‚ مشكلة الفكرة الجمهورية انها تفصل
الأمور حسب حسابات ذاتية متعلقة بالفكرة نفسها ولا
علاقة لها بالواقع الموضوعي‚ فالفكرة حكمت على انسانية القرن العشرين بانها
في «جاهلية» وفي «تيه»‚ لتبرر مفهوم الرسالة الثانية والحاجة الى رسول‚ ان
انسانية القرن العشرين في الواقع ليست في تيه‚ ومشكلة الاستاذ محمود ان
معلوماته عن الحضارة الغربية سماعية‚ لانه لم يعايش هذه الحضارة بنفسه ولم
يزر اوروبا ولا أميركا‚ لذلك تجده يصنف اخلاق الأوروبيين في احترام
المواعيد وعدم الكذب بانها اخلاق «تجارية ساكت» لذلك اختلف تقييمه لأوروبا
عن تقييم رائد التنوير جمال الدين الأفغاني‚ الذي قال فيما معناه: ذهبت الى
الغرب فوجدت اسلاما بلا مسلمين‚ ثم عدت للشرق فوجدت مسلمين بلا اسلام
فالأفغاني يرى انضباط الغربيين وعدم الكذب عندهم بانه هو الاسلام الحقيقي
وان لم نسمهم مسلمين‚ بل تطابقت وجهة النظر الجمهورية مع رؤية الاخوان
المسلمين في مصر ــ «جاهلية القرن العشرين» ــ محمد قطب ــ لتطابق منهج
التكفير للمجتمع والحكام لتبرير الحاجة الى الهداية‚ فبشرية اليوم المحكومة
بالثقافة الغربية العقلانية المدنية تحتكم الى معايير اخلاقية عالمية
مستمدة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية
والسياسية‚ والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية‚ ليست بحاجة
الى رسول او رسالة جديدة لا سيما إذا كانت هذه الرسالة تستمد قوانينها
العقابية من التراث العبري القديم وعهود الانتقام الفردي او الإلهي والردع‚
قانون عقوبات دولة الرسالة الثانية يتعارض مع حقوق الإنسان اوردنا في
الفقرة «4» اعلاه مقتطفا من كتاب تطوير شريعة الاحوال الشخصية للاستاذ
محمود مفاده ان الحدود لا عفو فيها‚ ــ لا ــ ولا للرسول الكريم ـــ ‚‚ ان
هذا المقتطف يتعارض مع احكام الفقرة «4» من المادة «6» من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والتي تقول «لكل من صدر عليه حكم الإعدام الحق في طلب العفو
أو تخفيف الحكم ويجوز منح العفو او تخفيف حكم الإعدام في كافة الأحوال»‚ ان
مسألة العفو في حالتي الحدود والقصاص لم يقفل فيها باب النقاش عند فقهاء
الأمة حتى قبل رقي البشرية في عهد حقوق الإنسان‚ فتحت عنوان «انقضاء
العقوبة بالعفو» يورد الدكتور احمد فتحي بهنسي عدة آيات نذكر منها قوله
تعالى «فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره» البقرة وقوله تعالى «وأن تعفوا
اقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ان الله بما تعملون بصير» البقرة‚ ان
رفض رسول الله # العفو عن المخزومية لا يدل على عدم العفو مطلقا‚ وانما يدل
فقط على رفض المحسوبية باعتبارها فسادا‚ كما يدل صراحة على إدانة ترك
الشريف ومعاقبة الضعيف‚ كما ورد في الحديث عن سبب هلاك الأمم قبلنا‚ ان
الحديث يرفض الكيل بمكيالين‚ ولا يرفض مبدأ العفو الثابت والقائم على روح
الدين ومعنى ذلك ان العفو جائز ومطلوب دينا ان كان لا يؤدي الى الكيل
بمكيالين‚ وإذا اخذنا القصاص فان الفقه الاسلامي قد خلص الى ان سلطة العفو
عن القاتل لأولياء الدم‚ وللتوفيق بين الشريعة وحقوق الإنسان‚ تقول إنه يجب
ان تكون سلطة العفو عن القاتل لرئيس الدولة طبقا للقانون وللدستور‚ اضافة
لأولياء الدم‚ فإذا عفا اولياء الدم فهو المطلوب‚ وإذا تعسفوا يجوز لرئيس
الدولة ــ رغم ممانعة اولياء الدم ــ العفو‚ لقد عدلت تركيا الاسلامية
والتي يحكمها حزب محسوب على الاسلاميين قوانينها لتتأهل لدخول المجموعة
الأوروبية فألغت حكم الاعدام واخيرا تراجعت عن سن قوانين تعاقب على الزنا
ــ ليس بالرجم ــ وانما بالحبس فقط‚ ان دولة الرسالة الثانية‚ بمفاهيمها
الواردة الآن بكتبها غير مؤهلة لدخول المجموعة الأوروبية‚ مشكلة الفكرة
الجمهورية أنها لا تقبل المراجعة مشكلة الفكرة الجمهورية انها قائمة على ان
الاستاذ محفوظ «معصوم»‚ وبالتالي فان الفكرة لا تقبل المراجعة واعادة
النظر‚ خاصة بالنسبة للمسائل التي تم نشرها للكافة وخرجت للشارع‚ وهذه
النقطة بالذات هي علة الفكرة الاساسية‚ وهي التي حالت دون ان تكون
للجمهوريين مساهمة واضافة حقيقية للفكرة وحولتهم الى مجرد تابعين ناقلين.