أبو بكر القاضي - موقع الفكرة الجمهورية من جدل النص والعقل؟

[email protected]

الفرضية التي أريد ان اثبتها في هذا المقال هي ان الفكرة الجمهورية عندما تتحدث عن الأصالة والشرائع الفردية انما تعني الاصالة لشخص واحد هو «الاستاذ»‚ وعندما تتحدث عن الحرية الفردية المطلقة انما تعنى لفرد واحد هو الاستاذ‚ وعندما تتحدث عن الفكرالحر انما تفصل الامور على مقاس الاستاذ‚ باختصار فهي فكرة صوفية محورها الاستاذ والمطلوب من الحيران الاتباع والانقياد‚ الفكرة الجمهورية ضد الرأي! إشكالية الفكرة الجمهورية انها تقوم بهدم البناء الداخلي للعضو الذي ينتمي إليها‚ اذ تقوم بغسل دماغه من اي مفهوم بل وتكسر عند العضو أي احساس بذاته وشخصيته‚ وتقوم بتذويبه في العقل الجمعي الذي هو «عقل الاستاذ» وحده‚ تقوم الفكرة بمحاصرة العضو بأدوات وثقافه داخلية مفادها ان الفكرة هي كل شيء‚ ومنتهى العلم‚ ولا يحتاج العضو الى اي علم خارج الفكرة‚ فقد كان الاستاذ محمود طه ينصح تلاميذه بعدم التحضير والاستعداد الاكاديمي للمحاضرات واركان النقاش التي تبشر بالفكرة‚ وينصحهم فقط بالاعداد الروحي بالعبادة الموجودة وصلاة القيام وفي الثلث - بصورة خاصة‚ وبعد ذلك ما على التلميذ الا ان يفتح فمه في المحاضرة ويكون «بوقا» للكلام الذي سيجريه الله على لسانه من المحاضرة او ركن النقاش‚ بالطبع فإن هذه النصائح قائمة على اساس نظرية المعرفة في الفكرة الجمهورية القائمة على الآية «واتقوا الله ويعلمكم الله»‚ ان هذا الكلام - او النصيحة المشار اليها - القصد منه‚ تكريس غسل الدماغ لدى السالك‚ بحيث يفقد ذاته تماما‚ فلا يجد في مخزونه سوى الفكرة الجمهورية كما كتبها الاستاذ‚ ويعبر عنها بذات الطريقة التي يعبر بها الاستاذ محمود‚ لذلك تجد الجمهوري يتقمص شخصية الاستاذ في كل شيء‚ ليس في اعادة ترديد عبارات الفكرة ذاتها‚ وانما حتى في حركات الاستاذ‚ وتعابير يديه وشفتيه ونبرات صوته‚ فالفكرة خلال اكثر من 35 سنة لم تخرج مفكرين احرارا‚ وانما اخرجت مقلدين تابعين‚ مستلبين‚ وهذا الاستلاب يتحلى هذه الايام في عبارة بدأ يرددها الاخوان الجمهوريون علنا هي عبارة «ابونا الاستاذ» في الماضي كانت عند الاخوات وهي مفهومة لاعتبارات عديدة أقلها ان الاخوات مقيمات مع الاستاذ في المنزل‚ ومعظم الاخوات هن بنات الجمهوريين او زوجاتهم‚ اما ان تظهر هذه العبارة «أبونا الاستاذ» بعد عشرين سنة من التنفيذ فان مدلولها النفسي هو احساس الجمهوري بحالة اليتم‚ وفقدان الاب والغطاء‚ الاب الرأسي والعقل الواحد الذي كان يفكر نيابة عنه‚ وهذه محنتنا! ورد في كتاب الاخوان الجمهوريين تحت عنوان «خروج الفقه عن الدين»‚ وتحت عنوان «ذم الائمة للرأي وتبريهم منه» يقول الكتاب «إن الفكر الحر هو الفريضة الاساسية في الاسلام‚ ومن ثم فإن الاسلام يحترم الرأي ويقدسه‚ ولكن عنده للرأي ثمنه الذي هو رياضة الفكر‚ وتأدبه بأدب القرآن - أدب شريعته وادب حقيقته ‚‚ ولدقة هذا الامر الشديدة‚ ولتأثره بحكم الوقت‚ فإن الائمة الاوائل‚ لورعهم ولاستشعارهم للمسؤولية الدينية كانوا يتحرجون من الرأي ‚‚ ويتبرأون منه‚ مع انهم كانوا مدفوعين اليه بظروف تلك المرحلة ‚‚ فاذا كان هذا شأنهم في مرحلتهم‚ وعلى ورعهم‚ ومسؤوليتهم‚ التي فرط فيها الفقهاء من بعدهم‚ فان ترك الفقه‚ والعودة منه الى نصوص القرآن والى سُنة النبي صلى الله عليه وسلم لهو اوجب الواجبات الدينية في هذه المرحلة المصيرية التي تمر بها الانسانية المعاصرة»‚ ثم قدم الكتاب نماذج من اقوال الائمة الاربعة تدل في مجملها على ذم الرأي‚ وتعقيبا على هذه المسائل أفيد بالآتي:

 1 - ان العبارات التي تمجد الائمة الاربعة قد تم حشرها من باب حفظ خط الرجعة‚ ومن باب الدهاء السياسي فالكتاب قد كفر الفقه واخرجه من الدين‚ لذا كان لا بد ان يجد مخرجا لاستثناء الائمة الاربعة‚

 2 - ان الفكرة الجمهورية عندما تتحدث عن ان «الفكر الحر هو الفريضة الاساسية في الاسلام» انما تضع شروطا وقيودا ومعايير ذاتية تجعل في النهاية المفكر الحر هو شخص واحد هو الاستاذ محمود‚ فتضع للفكر الحر ثمنا هو «رياضة الفكر‚ وتأدبه بأدب القرآن» مما يعني ان غير المسلم غير مؤهل للفكر!

فالفكرة الجمهورية تؤمن بحديث الفرقة الناجية‚ وترى انها وحدها ودون غيرها هي الفرقة الناجية وغيرها هالك‚ وبالتالي فهي الوحيدة الناطقة عن القرآن الكريم‚ وبالتالي فهي الوحيدة المعبرة عن الفكر الحر‚ وبالدخول داخل الفرقة الجمهورية الناجية نجد ان مرشدهما الاستاذ محمود هو الوحيد المفكر الحر فيها وغيره حتى من الجمهوريين «عادي»‚ وفي كتاب القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري فصّل الاستاذ محمود مؤهلات المفسر العصري بمعايير ذاتية على قدر مقاسه هو وتجربته الذاتية حين ربط ذلك بالتصوف‚ وقد سبق ان تناول الاستاذ عبد المنعم عجب الغيا هذا الموضوع في عمود بالمنبر الحر في موقع «سودانيز اون لاين» وشاهدنا ان الفكرة الجمهورية لا تعترف لأحد بالقدرة على تقديم اي شيء حول التجديد الديني‚ او تجديد الفكر‚ بل تتهمه بالجهل‚ فوصفت المفكر الاسلامي خالد محمد خالد صاحب «من هنا نبدأ» بأنه «جاهل» من اي النواحي أتيته‚ ووصفت آراء الدكتور مصطفى محمود بـ «الرأي الخطير» حيث يقول الاستاذ محمود وهو يخاطب الدكتور مصطفى محمود في الفصل التاسع من كتاب «القرآن ومصطفى محمود» تحت عنوان الساعة‚ والعجيب حقا‚ في امرك انك تخوض في ادق دقائق العلم الالهي - في التجلي الذاتي - بغير علم‚ وتعترف بأنك تحدس «هذا حدسي في مسألة القيامة»‚ والحدس هو الظن‚ والتخمين‚ والقول بالرأي الخطير ‚‚ فكيف سولت لك نفسك مثل هذه الجرأة العظيمة على الحق؟ فالدكتور مصطفى محمود لم يعترف بأنه يخوض في مسألة القيامة بـ «الرأي الخطير»‚ وكلمة «حدس» لا تأخذ معناه فقط من المعنى اللغوي‚ وانما من صياغ الحديث‚ وبالنظر الى السياق نجد ان كلمة «حدسي» تعني «وجهة نظري» او «تحليلي» او «فهمي المتواضع في هذه المستقبلية التي ادلي فيها برأيي المستمد من التوحيد‚ ومعرفتي بالرحمة الالهية‚ ومعرفتي بالقرآن واللاهوت عموما» اما «الرأي الخطير» فهو فهم وتقييم الفكرة الجمهورية لكتاب وآراء د‚ مصطفى محمود وليس اعترافه‚ الفكرة الجمهورية تعيب الاحزاب الطائفية في حين ان علاقة الفرد بالمرشد بداخلها والجماعة بالمرشد اسوأ من الطائفية‚ ففي الوسط الجمهوري كلام الاستاذ هو «نص» مقدس‚ فاذا جرى نقاش بين جمهوري وآخر‚ يسأل الجمهوري أخاه « عندك نص؟»‚ اي عندك رأي من الاستاذ مكتوب او شفهي‚ وللحقيقة فضيلة الجمهوري انه لا يكذب ابدا‚ وبالتالي فهو لا يمكن ان ينسب للاستاذ او غيره كلاما لم يقله‚ ولكن العيب انه يسلم بكل ما يصدر من الاستاذ‚ وثقافة الجمهوريين لا تسمح بمناقشة الاستاذ محمود ابدا‚ لأن النقاش يهبط بدرجة السالك في نظر المجتمع الجمهوري يقال عليه «ده لسع بيناقش الاستاذ!» فنقاش الجمهوري للاستاذ يؤدي الى «الهلكة» في الثقافة الجمهورية‚‚ فاذا قارنا مجتمع الحزب الاتحاد الديمقراطي او حزب الامة بالمجتمع الجمهوري نجد ان الحزبين أفضل حالا من المجتمع الجمهوري‚ فالحركة الاتحادية فيها تيارات تتمرد على الزعماء منذ حياة السيد علي الميرغني شخصيا وحتى اليوم‚ وحزب الامة فيه ايضا تيارات وقد انقسم عدة مرات دلالة على حق الاختلاف مع الامام من الهادي الى الصادق على الاقل لا ينظر الى الامام بانه محفوظ - معصوم - وان الاختلاف معه ليس خروجا على الدين‚ اذن الفكرة الجمهورية ليست ضد الطائفية من حيث المبدأ‚ وانما تريد فقط ان يكون السمع والطاعة للاستاذ محمود وحده‚ لهذا السبب فإن تمجيد كتاب خروج الفقه عن الدين للأئمة الاربعة لذمهم للرأي وتبريرهم منه ينطوي على مباركة لزم الرأي‚ اما قولها بأن الفكرة هي الفريضة الاساسية فهو يعني فكر رجل واحد هو الاستاذ محمود‚ الفكرة الجمهورية تقوم على النصوص وليس العقل المذاهب الاربعة هي في جوهرها مذهبان‚ مذهب الرأي عند الحنفية حيث نشأ هذا المذهب في العراق خارج المدن المقدسة «مكة والمدينة»‚ حيث يوجد الصحابة والنصوص متوافرة‚ والمذهب الآخر هو المالكي‚ الذي قام في المدينة معقل النصوص والآثار النبوية وسيرة الخلفاء والشافعية والحنابلة يدورون بين ذلك وقد تطور مذهب الرأي الى ان وصل قمة شماء على ايدي المعتزلة الذين جعلوا العقل والرأي هو اول مصادر التشريع ثم الكتاب والسُنة‚ لذلك عندهم اذا خالف النص العقل فإن الاخير هو الذي يسود‚ ويتم تأويل النص ليوافق العقل‚ وتعليلهم ان العقل يقين‚ في حين ان النص ظن‚ وفي مقابل المعتزلة كان هناك النصوصيون وعلى رأسهم الامام احمد بن حنبل‚ فان جاز الحكم على الفكرة الجمهورية بالمقاييس السائدة في عهد الامام احمد بن حنبل سنجد ان الفكرة تقع في كومة المدرسة النصوصية وليس المدرسة العقلانية وذلك للأسباب التالية:

 1 - الفكرة الجمهورية لم تطرح نفسها كمجرد حركة اصلاحية‚ وانما هي رسالة ثانية‚ ورسولها رجل آتاه الله الفهم من القرآن واذن له في الكلام - فكلامها كله نصوص لانه مأذون من الله ورسولها - محفوظ = معصوم‚

 2 - الفكرة الجمهورية هي دعوة للانتقال من نصوص خدمت غرضها الى نصوص اخرى مدخرة في القرآن‚ لذلك تقول عن نفسها انها الاسلام الذي لا اسلام غيره‚ من رفضها رفض الدين ومن خرج منها خرج من الدين!

الفرد الجمهوري وعدم القيمة المضافة تربية الطاعة الطائفية الصوفية التي يتلقاها الفرد الجمهوري في المدرسة الجمهورية حطمت البناء الداخلي للفرد الجمهوري‚ فالفرد الذي اندبغ على الاستكانة‚ و تعود عمليا على ان التفكير فرض كفاية اذا قام به المرشد الاستاذ سقط عن الباقين‚ لا يمكن ان تنتظر منه ابداعا! لهذا السبب كان الفرد الجمهوري نسخة ممسوخة من الاستاذ المرشد‚ لهذا السبب عندما قطع النميري رأس الاستاذ الشهيد دخل الجمهوريون في حالة يتم وذهب الاستاذ وترك ذرية ضعافا‚ ما زالوا يتباكون عليه حتى بعد عشرين سنة من اعدامه ويبحثون عن «أبونا الاستاذ»! انا ألوم الجيل الثاني من القياديين‚ مثل د‚ عبد الرحيم الريح‚ د‚ عصام البوشي‚ د‚ عبد الله النعيم‚ عوض الكريم موسى‚ احمد دالي‚ عمر القراي ‚‚ الخ فقد كان بامكانهم تشكيل قيمة مضافة وانشاء تيار عقلاني يكون عونا للاستاذ وللمجتمع الجمهوري منذ المصالحة الوطنية عام 1977‚ وللحديث بقية‚ والى مقالنا القادم حول فلسفة العقوبة في الفكرة الجمهورية‚