سياسة فرق فاوض تسد تنذر بخطر البلقنة

تمهيد:

أصرت الحكومة السودانية الحالية ، حكومة الأمر ا لوقع علي أن يكون هذا الواقع أمر مسلم به

، وغير قابل للنقاش وعلي أن تتمثل هي المركز وتكون بقية التنظيمات السياسية كأطراف له. فمنذ أن جاءت إلي السلطة في يونيو 1998م استباحت الأرض وقررت إعادة صياغة الإنسان السوداني لتفعل ما تشاء وقتما وكيفما تشاء بلا رقيب أو حسيب ، وفي المقابل منعت وصدت كل منافس لها فرداً كان أو جماعة ، وهذا ليس اتهاما جزافاً، كما يتصور البعض، فقانون ما يسمى بالصالح العام وقوانين الطواريء و سياسة كسر العمود الفقري للخصم الأمنية الصارمة ( بيوت الأشباح) لأكبر دليل علي ذلك.

عصفت هذه الحالة بالبلاد إلي أتون وغياهب وسهلت دخولها النفق المظلم بامتياز وخلقت جوا مكهربا تماما حيث سعت الحكومة إلي تجميع كل المعارضين لها في عنق الزجاجة كي ترمي بهم فردا فردا في قاعها المليء بالسم القاتل . وقاموا في المقابل أي المعرضون بتجميع قواهم وإرادتهم بالتصدي لهذه الهجمة الشرسة ، علي قاعدة لكل فعل رد فعل. حيث آل المشهد السوداني إلي ما هو عليه مما يتطلب كشف هذه السياسة وتعريتها أمام نفسها والآخرين حتى يتثنى تدراك الأمر قبل فوات الأوان ، وأخذ العظة والحيطة والحذر في المستقبل.

مآلات المشروع الحضاري الإسلامي:

اعتمد دعاة المشروع الحضاري الإسلامي علي القهر والقوة والعنف في تنزيله علي الأرض حتى يكون كتابا يمشي بين الناس ، بصرف النظر اتفقنا معهم في التفاصيل أو اختلفنا، فحتى هذه إذا أريد اختبارها والتأكد من مدى صحتها أو عدمه، تحتاج إلي جو ديمقراطي حر ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل يمكن التحاور مع من يمتلك شيئاً يرى أنه أحق به مِن غيره وهو مَن رفض الديمقراطية وانقلب عليها؟.. نسى هؤلاء أو تناسوا أن مشروعهم الوليد يحمل بذرة فناءه أيديولوجيا لدوغمائيته وأجهزوا عليه عند التطبيق بلا رحمة أو شفقة. وأنه ليس مستغربا أن يشعلوا النيران ويكونوا أو المحترقين بها. وأن ما يحدث في دارفور الحبيبة من صنعهم و تدبيرهم وكيدهم علي بعضهم البعض وتصفية للحسابات فيما بينهم علي حساب مواطن دارفور البريء. هذا الوضع المأزوم أدى إلي طرح السؤال التالي علي أبناء دار فور الشرفاء الذين يعنيهم الأمر قبل غيرهم ، هل نظل مكتوفي الأيدي إلي أن ندعى لتسلم دار فور جثة هامدة كي نقوم بدفنها؟ سارع هؤلاء إلي وضع برنامج سياسي عنوانه الرئيسي الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للمهمشين مخاطبا طبيعة المشكلة التي صورت علي أنها مشكلة أمنية ونزاع بين رعاة ومزارعين وقطاع طرق ينهبون ممتلكات غيرهم. وهنا يرد السؤال التالي أين ولاة الأمر قبل أن تتفاقم الأوضاع وتصل إلي ما وصلت إليه؟ أين أجهزة الإنذار المبكر التي كشفت مخابيء الأسلحة حول الخرطوم وتعجز عن معرفة ما يدور في الأقاليم والولايات ووضع الحلول الناجعة لمشكلاتها؟ هل إذا تم التصدي في حينه للنهب وغيره لوصل الأمر إلي ما هو عليه؟ وعندما تقول الحكومة أن طبيعة المشكلة أمنية ألا يعتبر ذلك دليل إدانة وليس تبرئة.

إن صفارات الإنذار التي دوت معلنة الحرب في جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق قبل عقدين من الزمان والتي بدأت ما يقرب من عامين في دارفور وها هي المؤشرات تنذر بأن تحركا وشيكا في شرق السودان وكردفان وهنا لنا وقفة، وفيما يختص بكردفان تحديداً فإنها تسير حيث تتوجه دارفور، فتاريخيا يطلق عليهما معا بالإقليم الغربي ومملكة المسبعات من أسرة دار فورية فضلا عن التداخلات  القبيلة والمصاهرة وكل ما يؤدي إلي الشعور باللحمة والانسجام والمزاج العام. يغري كل ذلك بالانضمام إلي قائمة التمرد التي ستغري آخرين بالانضمام إليها ، مما يميزها كقائمة للشرف تسعى إلي ترتيب  جديد للأوضاع يكفل للجميع تقسيم الكعكة سياسيا وتنمويا ومعنويا وعدم الاستماع  للدعوات التي تصورها علي أنها مجرد " نبقة" لا تستحق كل هذا العناء والجهد والتضحية.

مضمون فرق فاوض تسد:

لأسباب معروفة لديها , اعتمدت الحكومة السودانية سياسة التفاوض الانفرادية ( كل علي حدة)  بداية باتفاق جيبوتي ، نيفاشا ، جدة والآن في كل من أبوجا والقاهرة ، كونها هي المركز وعلي الآخرين القيام بالدوران حوله وفق رغبتها وإرادتها. ومصداقية ذلك تتجلي في إعلانها الأخير بعدم أهلية حركة العدالة والمساواة كشريك مفاوض ، في محاولة لشق التلاحم بين الحركتين . هذه المحاولة في تقديري لن يكتب لها النجاح وفق ما  تريد الحكومة وتشتهي ، بل ربما أدت في المقابل إلي توحيد الحركتين في حركة واحدة كأن تسمى مثلا ( حركة تحرير السودان للعدالة والمساواة ) ، مما يحولهما من نمرين إلي أسد هزبر ، ومن شوكة حوت إلي عظم خانق قاتل. وعلينا أن نتصور كيف يكون الوضع بعدها علي الميدان وطاولة المفاوضات؟. علي الحكومة ومسئوليها البحث عن إجابة مقنعة لها ولشعبها الذي يتضور جوعا قبل فوات الأوان. فدارفور إذا رفعت سقف تفاوضها هذه المرة سيكون أخطر بكثير مما ذهبت إليه مفاوضات نيفاشا التي أعطت مهلة للوحدة واشترطت أن تكون عبر صناديق الاقتراع . فهل تتم مراجعة هذا المنهج؟

، والنمط من التفكير الذي يكرس الآتي:-

1-     التفرقة بدلا من سياسة لم الشمل.

2-     تعدد المنابر التفاوضية مما يؤدي إلي إتاحة الفرصة للغير بالتدخل في الشأن السوداني.

3-     إطالة الفترة الزمنية لمعالجة المشكلات محل التفاوض ، مما يوحي بسياسة شراء الوقت.

4-      بث الإحباط  والاستياء في صفوف المعارضين عن طريق دق الأسافين لإجبارهم علي تقديم أكبر قدر من التنازلات.

5-     الظهور بمظهر القوي ، وامتلاك القدرة علي التحرك لإدارة التفاوض في المنابر المختلفة.

6-     إقامة الحجة علي ضعف الصف المعارض وأنهم ليسوا علي قلب رجل واحد.

7-     استثمار التناقضات التي تظهر بين الحين والآخر وتوظيفها والاستفادة منها قدر الإمكان.

هذه السياسة توحي بنصر آني للحكومة السودانية و لكنها في المدى البعيد سوف تؤدي إلي الإطاحة بها بطرق غير تقليدية. يحاول واضعوها الاستفادة من الصراع العربي الصهيوني فيما يختص بطريقة اللعب عبر مسارات التفاوض المختلفة ، ولكن فات علي هؤلاء في تقديري أشياء في غاية الأهمية . صحيح أن إسرائيل تستهين بالقانون الدولي وتفعل ما تشاء ولكنها تكسب رضا مواطنيها وتتمتع بقوة تسليح هائلة إلي جانب ود وحماية الولايات المتحدة الأمريكية. أما الحكومة السودانية فهي أولا تفقد مع مرور الوقت ثقة مواطنيها بالإضافة إلي الضغوط الكبيرة من مجلس الأمن و الولايات المتحدة الأمريكية ، فضلاً عن معارضة مسلحة وغير مسلحة تعرف هي الأخرى الاستفادة من الظروف واستثمارها لصالح برنامجها، القاضي بالمشاركة في السلطة علي أقل تقدير أو عزل السلطة الراهنة ومحاكمة رموزها.

الخلاصة:

إذا لم تتخلي الحكومة عن سياسات التفرقة ودق الأسافين ، بغرض إلحاق الهزيمة بالخصوم فإن خطر البلقنة وارد لا محالة ، وواضح وضوح الشمس لكل من ألقى السمع وهو شهيد. وهو أمر بالطبع غير مقبول إذا كان الشركاء في الوطن الذين تقع عليهم مسئولية بناءه وتشييده بأيدي مجتمعة قوية لا يتسلل إليها الارتجاف غير قادرين علي تقديم التنازلات للمصلحة الوطنية العليا للبلاد. وهنا تستوقف المرء سياسة توزيع الأدوار من خلال كيل الاتهامات للحركة الشعبية لتحرير السودان بالتحريض علي الثورة ، و تسليح المتمردين في دارفور، وربما تتكرر، في مرات قادمة إذا ما انتقل الصراع إلي أماكن أخرى في السودان أمر لا يبعث علي التفاؤل ، وهي التي يراد لها أن تكون شريكا في الحكم في المستقبل القريب. فالحركة الشعبية طالبت بالسير في طريق السلام وتكملته حتى النهاية كي ينعم الجميع بالسلام والأمن والاستقرار ، وحين تطالب المجتمع الدولي بالضغط علي الحكومة السودانية لإنجاز السلام أمر مشروع ومقبول سياسيا و لكن الحكومة ترد علي ذلك باتهامات عفا عليها الزمن. والحركة الشعبية لتحرير السودان من حقها دستوريا لو كنا نحترم تعهداتنا ، أن تدعو السودانيين بالانضمام إلي صفوفها وهي تمتلك مشروع السودان الجديد القائم علي الديمقراطية والعدالة والمساواة بين جميع السودانيين والذي لا مكان فيه للشعور بالعزلة والإقصاء والتهميش. وهو جهد لا تقوم به الحركة الشعبية لوحدها حتى لو نال مشروعها مباركة أغلبية السودانيين ولديها القابلية لقبول النقد الهادف البناء  واحترام الآخر ، فالديمقراطية مثلا تحتاج إلي أحزاب قوية لتتجسد علي أرض الواقع. ككرة القدم تماما لا يمكن أن نستمتع بالمباراة ما لم تكن بين فرقين تتوفر لديهما كل عوامل الندية والتحدي .  ونأمل من صناع القرار في السياسة السودانية تعلم الدروس المستفادة من تجارب التاريخ .. وإدراك أن اتفاق السلام لن يبقى معلقا كثير في الهواء إلي ما لا نهاية وسوف يرمي بثقله علي الواقع مما يكسبه يوم بعد يوم أنصار جدد ، ونعرف أن ذلك يبعث علي الغيرة السياسية ولكن لابد مما ليس منه بد. وعلينا أن نكون موضوعيين ونترك الحرية الكاملة للشعب السوداني يختار ما يريد وفق طموحاته بدلا من وضع العراقيل اعتمادا علي ذهنية الوصاية. والحركة الشعبية لتحرير السودان لا تمنع أحد يعتنق مبادئها ويؤمن بأفكارها وهو حر سواء أراد الانتماء إلي صفوفها أو سلك سبيلا آخر يمكنه من تحقيق أهدافه. وبدلا من المناكفة والتفوه بما لا يقدم أو يؤخر ، علي الحكومة تحمل مسئولياتها والتفرغ لتطبيق قرارات مجلس الأمن لتجنب البلاد خطر البلقنة والصوملة والعرقنة ، فها هو الأمين العام للأمم المتحدة أعلن في تصريحات له اليوم الثلاثاء الموافق 5/10/2004م  أنها لم تفعل شيء ملموس وفق ما نص عليه القرار. وما هو مؤسف حقاً أن الحكومة السودانية لا تقدم التنازلات إلا من خلال مزيد من الضغط عليها ، في حين أنها لو أخذت بالنصائح الواردة عبر كتاب الانترنيت فقط لكفت نفسها والمؤمنين شر القتال.

معا من أجل سودان جديد

بدر الدين أبو القاسم محمد

 [email protected]