بسم الله الرحمن الرحيم
الأحزاب السودانية وسوء استغلال أتباعها وخيانتها لهم.
المتفحص لتركيبة الأحزاب السودانية بلا استثناء (بالكاد يمكن استثناء الحزب الشيوعي ,ولست شيوعيا), يلحظ أن تركيبتها متشابهة إلي درجة التطابق من حيث هيكلتها وهيمنة أشخاص معينة علي مفاتيح ومغاليق أنشطتها ومصالحها.فمنذ أن وجدت هذه الأحزاب علي خارطة السياسة السودانية, إلا ونجد أن قيادتها ثابتة علي مر الأزمنة لا تتغير ولا تتبدل رغم تجدد الظروف وتغير نمط الحكم العالمي ورغم حدوث التحولات الجذرية في طريقة تفكير ووعي المواطن .حتي أصبح ذكر اسم رئيس هذا الحزب أو أمين ذاك الأخر مرادفا للحزب نفسه.
فكل الأحزاب تتكون من ثلاث طبقات ثابتة هي:( أرجو من القارئ مقارنة ما يقراه بما يجري في كل حزب من الأحزاب المعروفة, وسيصاب بالدهشة والآسي معا ).
1- أولا, الطبقة العليا , وهم أصحاب الحزب وملاكها , منهم راس الحزب (وهو رئيس الحزب أوامامها أو امينها العام أو مرشدها أو سكرتيرها أو أمين سرها , حسب تركيبة الحزب المعني اوتبعيته لحزب أكبر خارج البلاد),وكلها تعني الشخص المسيطر فعليا علي الحزب ويتحكم في سياساتها وفي تعيين كوادرها واختيارهم من الطبقة الوسطي.ويمكن لهذا الرأس أن يورث موقعه هذا لأحد أبنائه أو بناته إن لم يكن له ولد. ثم يأتي بعد هذا الرأس الذين من حوله ,مما يعرف بأعضاء المكتب السياسي, وهؤلاء هم خاصة الرأس وغالبا ما يكونون من أهل بيته وأقربائه وأصهاره, ولديهم الحظوة عند الرأس الذي يستشيرهم ويأخذ برأيهم ويوكل إليهم المهام ذات المصلحة المباشرة بالحزب.
2- ثانيا, تأتي الطبقة الوسطي, وهذه تتكون من المثقفين و المتعلمين أصحاب الشهادات العليا من ماجستير و دكتوراة وأستاذية ,من أطباء ومهندسين ومحامين وصحفيين...الخ, أو من التجار الكبار أو من زعماء القبائل والعشائر.ومن هذه الطبقة يتم تعيين الوزراء وحكام الولايات وكبار موظفي الخدمة المنية والعسكرية. وهم ,خاصة المتعلمين منهم أصحاب الشهادات,فئة بلغت مبتغاها من الطموحات الأكاديمية وتملكها الملل مما هي فيه فأرادت أن تحظي بشئ من السلطة, حتي وان يصير رجل امن يعذب ويقتل, وحتي ولو علي حساب مبادئها وكرامتها وحقوق مواطنيها,يقبلون أيدي زعماء الأحزاب ويتفننون في تدبيج قصائد الثناء لهم, ويغيرون لون جلودهم بسرعة فائقة كلما تبدل الأمر,خاصة عند حدوث انقلاب عسكري , فيركبون الموجة مع الانقلابيين الجدد, إلا القليل منهم.وهذه الطبقة بالذات هي سبب فساد وإفساد الطبقة الأولي ,وهم دائما يزينون لقادة الانقلابات سوء أعمالهم ويضلونهم بعلم , ولا هم لهم إلا تامين حياة مترفة لأنفسهم ولذويهم ودائما ما يتطلعون إلي العيش في خارج البلاد إذا ما انقلب الأمر وفقدوا مناصبهم.هذه هي طبقة المنافقين والمندسين والمتسلقين دوما , وهم آفة البلد حقا.
3- وأخيرا , تأتي طبقة غالبية أتباع الحزب, وهم الأكثر إخلاصا للحزب ولراس الحزب, هم الذين يصوتون في الانتخابات ليفوز مرشحي الحزب من الطبقة الوسطي,وهم الذين يدفعون الضرائب والزكاة وإتاوات أل البيت ,وهم الذين يتكون منهم جيش ومليشيات الحزب داخل وخارج البلاد, يقاتلون في ساحات الفداء, يجودون بأرواحهم في سبيل مبادئ الحزب غير مدركين أنهم إنما يتسببون في حماية رفاهية ورغد عيش الطبقة العليا والوسطي,وهم الذين يخرجون في التظاهرات المؤيدة اوالمعارضة حسب موقع أحزابهم من سدة الحكم, فيخرجون في مسيرات مليونية ويواجهون هراوات ورصاص شرطة وأجهزة امن الحكومات, أو يواجهون رصفائهم من ذات الطبقة من الحزب المعارض, فيشتبكون وتسيل دماؤهم وتزهق أرواحهم,سواء أن كانوا طلابا في الجامعات أو مواطنين عاملين أو عاطلين عن العمل.
وبعد كل هذه التضحيات , لا يجدون إنصافا أو جزاء لما قدموه, بل تذهب النياشين والترقيات والهبات والمناصب إلي افرد الطبقة الوسطي.حتي إن أهل الشهداء من هؤلاء يصيرون نسيا منسيا بعد وقت وجيز. أما إن مات احد أفراد الطبقة العليا أو الوسطي,فان أسرته تجد الرعاية الكاملة من منزل فاخر ومدارس,بل تصل الرعاية مداها بان أرملته يمكن أن يتزوجها رئيس البلاد ,ونري صوره تملا الساحات, وتقام حفلات التأبين البذخية,ويطلق اسمه علي جمعيات خيرية وشوارع ومدارس ومستشفيات وهلم جرا.
وهذه الطبقة المغلوبة علي أمرها,تكون نسيا منسيا بمجرد انقضاء فترة الانتخابات ,أو انفضاض المعركة والقتال علي السلطة. فلا يجدون الخدمات الضرورية من مدارس ومستشفيات وكهرباء ومياه, ولا يستطيعون مقابلة ممثلهم في البرلمان ولا المسؤلين(وهؤلاء من الطبقة الوسطي) الذين هم أتوا بهم إلي كراسي الحكم والوزارات وأجهزة الخدمة المدنية,وان قابلوهم فبشئ من الاستعلاء والطغيان,وإذا ما رفعوا أصواتهم محتجين ومطالبين بشئ من حقوقهم,ضربوا وسجنوا وشردوا, بل وقذفوا بقنابل من الطائرات.والغريب إن أيا من زعامات الأحزاب الاخري من الطبقة العليا, أو كوادرها من الطبقة الوسطي,خاصة المحامين والصحفيين,لا يحركون ساكنا لحماية حقوق هؤلاء المساكين. بل منهم من يظهر في الواجهة لحماية النظام والتطبيل له.حتي وان صرخ العالم كله مستنكرا لما تعانيه هذه الطبقة من قتل وتشريد علي أيدي النظام الحاكم.
وهذا الموقف السلبي واللامبالي من جانب زعامات هذه الأحزاب تجاه غالبيتها المقهورة من الطبقة الكادحة سيكلفها ولاء هذه الطبقة وانسلاخها منها وانحيازها وانضمامها إلي حركات التحرر والتحرير التي برزت وظهرت كنتيجة حتمية ومتوقعة لسوء استغلال هذه الأحزاب لها وتهميشها.حتي إن بعض هذه الزعامات تم قذفها بالحجارة من قبل بعض هؤلاء المغلوبون علي أمرهم لدي زيارته لاحدي معسكرات النازحين بغرب البلاد.وما كثرة الانقسامات داخل هذه الأحزاب مجتمعة إلا دليل علي ما نقول , وبشارة خير بانتهاء عصر النمط التقليدي للأحزاب السودانية وسيطرة فئة قليلة علي الغالبية واستغلالها أبشع استغلال و باسم الدين أحيانا.
د.محمد احمد موتسو