نقلا عن صحيفة "الرأي العام" السودانية - عدد الثلاثاء 6 يوليو 2004م

 

غداً

عبد الله آدم خاطر

Email: [email protected]

الحكومة في احضان الخيار الدولي

  

عدا اللمسة الإنسانية التي اضفاها كوفي أنان على زيارته الأخيرة للفاشر بجلوسه وسط النازحين يستمع إليهم علي خلفية هضمه قيم الثقافة الافريقية التي تحث على التكافل والتراحم والمؤازرة في اوقات الضيق، عدا ذلك اضافت قناة العربية ـ على ذمة الراوي ـ وهي تعلق علي لقاء كوفي وكولن في مطار الخرطوم انهما كانا يبدوان كما لو انهما من دارفور من حيث السحنة والملامح.

أما ما يمكن ان يضاف الى هذه الزيارة التي صادفت احتفال القصر الجمهوري بالعيد الخامس عشر للانقاذ باطلاق الالعاب النارية الداوية، انها زيارة بدت مختلفة عما كان يحدث في مثلها من الزيارات.

هذه المرة جاءت الزيارة بالنفوذ الدولي والامريكي بكثافة ربما لطمأنة الرأي العالمي القلق على واقع انساني لم يتبين كامل صورته الا فجأة وبحدة كما لو أنها الصاعقة لذا من بين ما اكده باول ان من ضمن اهداف زيارته وضع دارفور في قلب النظام الاعلامي الدولي، ولعله وكوفي استطاعا ان يفعلا ذلك.

إن الاضواء الاعلامية الباهرة التي تم تسليطها من كل الجوانب الإنسانية علي أزمة دارفور جعلت الحكومة تبدو وكأنها مقطوعة النفس ولا احد ينتظر ان يسمع منها مرافعاتها المثيرة للجدل، خاصة عندما تقول إنها كانت تخطط لتوفير المياه وخدمات التنمية عندما فاجأها التمرد بالانفجار، او ان مواجهاتها المسلحة وتعتيمها الاعلامي على ما كان يحدث بدارفور ثم اجراءاتها الامنية مع تكلفتها الباهظة بفقدان الارواح والخسائر المادية لم تجعل من البيئة الانسانية السياسية في صالح مشروعها لتسوية النزاع الذي من بين ابرز ضحاياه هيبة الدولة بدارفور وقد سعت الحكومة بكل الوسائل للحفاظ عليها.

على ذلك لم تفلح خطوط الدفاع الاعلامي الحكومي ان تتماسك او تصمد امام عواصف النقد والجدل المحلي والدولي، على الصعيد المحلي بلغت معاناة المواطن برغم عدم مشاركته في الحرب الى درجة الكارثة، فالحرائق تجتاح القرى والتخريب من جماعات الجنجويد سيئة السمعة تتلاحق، اما على الصعيد الانساني وحقوق الإنسان فان ما رايته وسمعته من ضحايا النزوح في احد معسكرات النازحين بجنوب دارفور كان افظع من كل ما قرأت.

اما على الصعيد الدولي فان المهنية العالية التي تعامل بها الاعلام العالمي مع الازمة مع ابراز الجانب الانساني المريع الذي لم يتطابق مع ما تعرضه اجهزة الاعلام السودانية على الصعيد القومي، اثار المزيد من الاهتمام الدولي وبدا السؤال الاكثر الحاحاً ما الذي تريد الحكومة ان تخفيه من اعين العالم؟ عندما برزت علي نحو قاطع للشك حقيقة قصف الطيران ثم الدور البشع الذي لعبه الجنجويد وسط مواطنين عزل، تأكد للعالم ان ما كان يحدث من فظائع له صلة ما بموقف الحكومة ورؤيتها لحل الازمة بوسائل عسكرية.

إن رغبة الحكومة في انجاز القضاء على التمرد على نحو عاجل وبكل الوسائل العنيفة المتاحة، جعلت الانظار جميعها تتجه الى المسرح الذي اعدته الحكومة للمواجهة ما بين مواطنيها الآمنين من طرف ومليشياتها من الطرف الآخر هذا المسرح الدامي شغل الجميع عن أصل النزاع المسلح ما بين الحكومة وحركتي التمرد برغم تعريفه الدولي وتعريف وسائل تجاوزه ان ما يحدث في دارفور نزاع داخلي مسلح حسب المواثيق الدولية وهو نوع من النزاعات يقع ضمن اراضي الدولة الواحدة بين الحكومة وبعض مواطنيها الذين يتمكنون من احتلال بعض اجزاء من الارض ويقيمون عليها تقاليد مميزة بهم، وفي هذه الحالة يتدخل المجتمع الدولي بغرض وقف اطلاق النار بين الطرفين والدخول في مفاوضات سياسية تنهى النزاع المسلح بتحقيق تسوية يتراضى عليها الطرفان.

لقد تعرف المجتمع الدولي على المأساة في دارفور من خلال النشاط الاعلامي وعمل المنظمات الانسانية خاصة وسط اللاجئين السودانيين بتشاد اما رأس الاهتمام الدولي فهي الولايات المتحدة الامريكية ذلك انها عازمة ان تعطى حكومة السودان فرصة الا تكون (حكومة فاشلة)، وان تستمر بثوابت جديدة، وتسهم بوضوح اكثر في جهود القضاء على الارهاب، وتوسيع فرص الافادة من البترول السوداني وتحقيق السلام في الجنوب بما يوفر للادارة الامريكية فرصة مناورة اوسع في الانتخابات الامريكية، على تلك الخلفية تريد الادارة الامريكية ان تحمل الحكومة السودانية ان ترى فرص نجاحها للتجاوب مع مقتضيات حل الأزمة السودانية في دارفور على نحو عاجل وبحسن نية، وهكذا جعلت من وسائل الضغط الاعلامي الدبلوماسي المدخل الاكثر فاعلية على الحكومة.

لقد تم تلخيص مقتضيات الحل بشراكة دولية في نص البيان المشترك الذي صدر عن حكومة السودان ومنظمة الامم المتحدة حيث يعمل الطرفان علي انهاء الوضع المأساوي للنازحين، وانهاء «التمليش» علي وجه قانوني حاذق والدخول في مفاوضات سياسية لاطراف النزاع، هذه الوصفة الضرورية وخلال شهر ستعيد الاوضاع الى صورتها الطبيعية في نظر المجتمع الدولي، حيث يصبح تيار الحل واسعاً قد يستوعب لاعبين (تحت الاحماء) بمن فيهم الطامحون في الافادة من تراث الجنجويد للحصول على مزايا سياسية اقتصادية اجتماعية.

لقد اتاح المجتمع الدولي خياراً لحل الازمة في دارفور وجدت الحكومة نفسها في احضانه، بيد ان الحل الشامل للازمة انما يكمن في قدرة الحكومة على رؤية دارفور ملكاً لكل مواطنيها دون تمييز أو تحيز، وتدع لهم فرص ان يعيدوا تبرير احوالهم في المرحلة الانتقالية في اطار اقليمي منتج بضمانات دولية، كسبت فيها الحكومة اهتمام الادارة الامريكية وكسبت فيها دارفور وهي سودانية إهتمام الرأى العام السوداني والدولي انسانياً ودبلوماسياً وإعلامياً.