ياآآآآ أدم خاطر.. قد طال أمد طاشرات الإنقاذ
لقد حضنا الإسلام على الإجتهاد والتجدد والتجديد والتقويم والمراجعة، خصوصاً إذا طال الأمد كما في طاشرات الإنقاذ، من بعد الركود الذي كاد أن يبعث فينا حياة اليأس.. وتفشي سارز البؤس على الذين لا يحملون جينات الفضيلة.. وعشعشت فينا الإيبولا الأفريقية وكادت أن تقتل روح البعث والتجديد وصار التقليد الجماعي الأعمى.. والإستنقاع الذي يورثه التقليد وإلفة العادات الضارة، بعد أن سيطرت على مجتمعنا ضلالات الجهويين، ومن أجل حماية أمتنا السودانية بشكلها العام ونحن في دار فور بصورة خاصة.. وقد وجبت علينا متابعة مهمة النهوض بمجتمعنا من مستنقعه الآسن، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأسِ كُلِّ مائة سنةٍ من يُجدَّدُ لها دينَها]. (رواه أبو داود عن أبي هريرة).
وفي إعتقادي أن هذا الحديث لا يجوز أن يقتصر فهمه ـ كما هو حال الذين يعيشون في غرفة الإنتظار (أمثال آدم خاطر) ـ على الإخبار بما سيكون فقط، وإنما له أبعاد أخرى متعددة، تأتي في مقدمتها وعلى رأسها بُعد تكليفي أيضاً، يتضمن حمل الأمانة وإستشعار المسؤولية عن بُعد لهذه الأمة، وحراسة مصالحها، لاستمرار عطائها وتحقيق الإنفعال النفسي والوجداني بها في حياة الناس، ذلك لأن من لوازم خاتمية الرسالة الإسلامية إستمرار سلامة النص الإلهي في الكتاب والسنة، ليصح التكليف في حياة الناس هذا من جانب، وإمتلاك المقدرة على تحقيق نهوض الوطن بالإجتهاد في تنزيل أحكامه على واقع الناس، وإنتاج النماذج الإسلامية على الأصعدة المتعددة من جانب آخر.. على أن لا نكذب..
فالحديث عن الحرية يشرح صدور قوم مؤمنين.. أهلنا في دار فور خاصة.. وفي السودان عامة ويؤكد ويكلف في الوقت نفسه بديمومة الإجتهاد وتجديد الدين في كل قرن، وبديهي أن التجديد لا يعني الإلغاء والتبديل لآيات القرآن ولا تبديل نصوص السنة، وإنما يعني العودة إلى التلقي من الينابيع الأولى والعودة إلى الجادة المستقيمة، ونفي ما يمكن أن يلحق بنا من علل وإصابات، ناشئة من طبيعة النظام وغفلته وجهله وإتباعه للهوي، وإلفه للتقليد، ونسيانه وإنحلال عزمه وضعف عزيمته وتجمده على فهوم وإجتهادات بشرية جاءت لمعالجة مشكلات شخصية وتصفية حسابات لنفوس ذات أهواء مريضة.. (كما كان أيام الصالح العام)، ذلك إن من المعروف صوابية الإجتهاد لفترة معينة لا تعني بالضرورة صلاحيتها لكل الفترات.
نرجع إلى أن نؤكد بأن الإسلام حرم الكذب.. وحسب تصريحات رأس النظام الذي قال في اللقاء الذي جمعه بالاعلاميين وكتاب الاعمدة ببيت الضيافة مساء يوم 22 يونيو 2004م أن دارفور كانت في أحسن أحوالها عندما قام التمرد.. (يعني الثورة ضد الظلم والطغيان).. (يعني شغلنا ده بطر من بُطران يا سعادة الرئيس).. الكلام ده شنووووه.. يعني الناس بتقطع آلاف الكليومترات هياماً على الوجوه وتيهاً في الصحاري.. من الورود والرياحين التي كانت تلقيها طائراتكم.. هل كانت دار فور واحة وارفة الظلال.. والجن الأسود.. والأحمر.. ولأصفر أخرجنا منها.. أستغفر الله.. يا سعادتك.
بالتأكيد ليس المُرادُ منا الإجتهاد والتجديد للإلغاء والتبديل والتجاوز، وإنما المرادُ هو الفهم الجديد القويم، فهماً يهدينا لمعالجة مشكلاتنا وقضايانا الواقعية المؤلمة في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه، معالجة نابعة من هدي الوحي..
ونستطيع أن نؤكد إن النزوع إلى الحرية، وإعمال العقل في ضوء الهدايات القرآنية، هي التي دفعت جموع المجاهدين للخروج للجهاد وذبح غردون باشا.. في نفس القصر الذي تسكن فيه الآن، أخشي أن تعتبر سبيلنا لتحقيق الإمتداد في جوانب الحياة وشُعب المعرفة جميعها، وذاك هو سمة المجتمع في دار فور والفرد المسلم على السواء، وهو وإن كان في محصلته النهائية يقع ضمن إطار فروض وتكليف الكفاية، وعلى الأخص في القضايا الكبرى، إلا أنه مطلوب منا بمقدار إمكانياتنا وكسبنا الشرعي وإستطاعتنا العقلية، ولا بد (ركزوا معايا الكلام ده مهم) لا بد أن يكون لنا نصيب ما، وهو السبيل إلى النمو والتنمية الفردية والإجتماعية والسلام والأمن الإجتماعيين، وقد أغرى الله سبحانه وتعالى به، وشجع عليه سائر المؤمنين، ليبقى التفكير والتفاكر مرتكزاً للحياة الإسلامية.. ودافعاً لحياة الأمة.. ولأن كلمة الديمقراطية تثير أعصاب الجماعة.. فالنسميها أي شيء.. يعني مثلاً حرية الاختيار.
وفي تقديري أن الحاكم هو كل من جاء على رغبة الأغلبية (بالمبايعة) ونيط به الحكم على شيء، أو النظر في أمر، أو الإجتهاد في قضية، فهذا يصدق على كل الأفراد، الذين يملكون كسباً في القضية المطروحة الآن، ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.. ولعل ملمح الإغراء بالإجتهاد إنما يتحقق من وجهتين.
الوجهة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى لم يقصد أن ينيطه بأناس بأعيانهم تكون لهم مراكز ومواقع إجتماعية، وبذلك تتشكل طبقة من رجال الدين أو حملة الكتاب المقدس، على غرار ما أصاب الأمم السابقة أمثال قوم فرعون.. وعاد وثمود وجديث.. والذين يحتكرون فهم الدين وتفسيره.. وإنما فتح باب الإجتهاد على مصراعيه وجعله عاماً يلجه كل قادر عليه.
الوجهة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى لم يُثب على الخطأ في أي عمل من أعمال الإنسان ـ فيما أعلم ـ إلا في مجال الإجتهاد والتفكير وإعمال العقل، وذلك أنه من المعروف أن الله تجاوز للأمة المسلمة عن الخطأ والنسيان وما أستُكرهت عليه.. وما أستُكرهت عليه.. (أكرر).. وما أُستُكرهت عليه.. ولكن جزاء الكذاب جنهم يصلاها سعيراً.. وهذا هو الدين الذي أتيت تحمله بليل بهيم على ظهر دبابة مجنزرة.. أزعجت عباد الله القائمين.. الصافين أقدامهم.. الذاكرين.. الموحدين.. يا سعادة الرئيس..
أما في مجال إعمال العقل وممارسة التفكير والإجتهاد، والذي صار حرام في أُخريات سنين الإنقاذ، فإن الخطأ لا يقع ضمن دائرة التجاوز والعفو وإنما يرقى إلى مستوى آخر، مستوى الأجر والثواب، وفي ذلك ما فيه كسر لحاجز الخوف والدعوة إلى النزوع للتفكير، ولأن الخطأ في العمليات العقلية هو أحد السبل للوصول إلى الصواب، فهي من طبيعة البشر ومقتضى حريتهم، وهو في الحقيقة طريق الوصول إلى الصواب.. أما التعطيل والإلغاء فهو إهدار لكرامة الإنسان، وتكبيل لعقله ومحاصرة لإرداته وإختياره.. وكما تدين تدان.
حذار يا سعادة الرئيس.. فالمحذور قد يكون من المفيد التوقف عنده بمقدار ما يتسع له المجال، ولو فتحنا هذا الباب ففينا من يحسن ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى الإستخفاف والعبث بهيبة الأمة.. والتي تبدو لي في هذه القضية ـ صارت قضية ـ أن هذا المحذور غير مقبول، وعليه بعض التحفظات.. في عالم أصبح قرية..
أما أن تكون مقبول، فلأن التخصص والإقتدار وإستجماع المؤهلات المطلوبة، والإحاطة بعلم المشكلة السودانية بصورة عامة.. والدارفورية من جانب آخر، هو الوضع الطبيعي لكل من يفكر في إقتحام بوابة حكم السودان، وغيرها من البوابات الفكرية، وحتى لا يُفتى الناس بلا علم، فيَضِلّ ويُضِلّ.. وأما بعض التحفظات والتخوفات التي تَرِد على الموضوع.. فهي إقدام غير المؤهلين.. بالمحسوبية، وهذا الأمر غير وارد على أمور الحياة الفكرية والعملية، ويمكن منعه.. وإن لم يكن كذلك ففي الغالب سوف يُحجم من لا أهلية له عن إقتحام هذا الموضوع الذي لا علم له فيه، ولا تصور له عنه، ولو حاولت الدخول مباشرة عبر بوابة دار فور الإبداع فإن كل السودان يعَّرض الموضوع نفسه وتعَّرض نفسك للون من الزراية والسخرية والتجريح الفاضح.. والتهكم..
إن في تقديري أن ذلك المحذور أو الحالة الإستثنائية غير الطبيعية أو الخاصة، وهي واردة، لا يجوز أن تلغي عموم الدعوة إلى الإجتهاد بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حكم الحاكم...)) خاصة وأن النهي القرآني عن القول بغير علم: [ولا تقف ما ليس لك به علم] (الإسراء: 36)، إضافة إلى عصمة الأمة والوعي الإسلامي العام والثقافة الشرعية الإسلامية وموازين الضبط الإجتماعي، كلها تشكل حواجز شرعية وواقية أمام إقتحام العاجزين عن قيادة الأمة السودانية والولوج من هذا الباب، وإذا حاولوا الولوج فسوف تسقط فتواهم وإجتهاداتهم.. وإن سقط بسببها بعض الضحايا.. الذين تفتديهم وزارة الدفاع السودانية ببعض الدنانير، ولكن حسبك.. فإن دماء هؤلاء مهرها الحرية.. الحرية.. الحرية، وكما حدث في كرري وأم دبيكرات فإنه يحدث اليوم في بلادنا العزيزة، إلا أن ذلك لا يقارن بمخاطر توقف العقل عن الإجتهاد. وهذا التدافع في هذا المجال، من سنن الحياة أيضاً.. ولو سلمنا بذلك وألغينا الإجتهاد بسبب بعض الجهلة وأصحاب النوايا السيئة، لعطلنا الحياة ودفعنا الناس إلى التلفت إلى شعار لا للسلطة ولا للجاه.. الذي تتغنون به.. وكما تفعل الدولة اليوم بدعمها للباطل.. وطرف ضد الآخر.. وحسبها سياستها في التفريق..
وليس بالإمكان عملياً أن تمنع أي إنسان من إبداء رأيه والأمة السودانية الواعية قادرة على إسقاط فتاوى الظلم.. والجهل.. والسلطان.. والهوي.. والإنحراف، كما أنها قادرة على إسقاط ثقافة الظلم.. والجهل.. والعمالة.. فكم من الفتاوى التي سقطت من حياة الأمة الفكرية والعملية لأنها لم تقنع حتى صاحبها.. (أمثال الرئيس المخلوع نميري) في كتابه النهج الإسلامي لماذا؟.. والنهج الإسلامي كيف؟.! وكانت سبباً في إنقاذ الأمة وإيقاظ وعيها، ووسيلة حركتها، وكانت أحد عوامل محاولة نهوضها.. من كبوتها.. فالأمة السودانية بما تمتلك من الوعي العام، تشكل ضبطاً إجتماعياً يحاصر حكام السوء، ولكن قد لا تلغيهم، ولكن سنن التدافع كفيلة بحماية الحق وإسقاط الباطل.
الذي نخشاه من الإنقياد الأعمي.. لكل جبارٍ طاغية.. هو إحكام إغلاق باب الفكر سداً للذريعة المتوهمة، وبحسن نية، قد توقع في مفاسد كثيرة وكبيرة، ليس أقلها الحكم على العقل بالعطالة الدائمة و العجز المستمر، والمحاصرة، وفتح الباب على مصراعيه لإمتداد كابوس الجوع والفقر .. والتشرد .. ليشمل كل أقاليم السودان.. وفي كل مجالات الحياة وشُعب المعرفة.
ولعلنا نقول.. إن إغلاق الباب لم يؤد إلى محاصرة الفاسدين والمفسدين والمنحرفين وعملاء الثقافات الضالة، فما زالوا يسرحون ويمرحون ويملأون بمفاسدهم وإنحرافاتهم السوق الفكرية باسم التنوير والتحرير والعقلانية وعصرنة الإسلام.. والتوجه الحضاري، وتحت شعار الألقاب الأكاديمية، والنياشين الرئاسية التي تملأ صدورهم.. وإنما فعلوا فعلتهم فقط في الطيبين الصالحين والورعين الذين يتخوفون من الفتوى والإجتهاد، مما أحدث فراغاً وأعطى فرصة للمتلاعبين والمتجرئين على شرع الله للعبث بالأحكام الشرعية، في المجالات السياسية والاقتصادية، وحيث تستخدم نصوص الدين لتسويغ مسالكهم المنحرفة ومحاولة إضفاء الشرعية عليها في المجتمع السوداني، ممن أجازوا لأنفسهم تسييس نصوص الدين، وحرَّموا على غيرهم أمر تقويمها..
كما هو واقع الحال.. إلا أصحاب الورع والتقوى، وكأننا بذلك حبسنا أنفسنا، وكسرنا أسلحتنا بأيدينا، وأتحنا التفكير والتنظير والرأى لغيرنا.. وأعتقد أن أية ذريعة مهما بلغت، لا تصمد أمام حقيقة أن الله الذي أنزل الشريعة وجعلها خاتمة وخالدة، هو الأعلم بفساد العصور والأزمنة وتقلباتها ومعطياتها وأقدار التدين، وإرتفاعها وهبوطها، فلا مجال لبشر كائناً من كان أن يُحاصر الخلود ويُعطل العقل ويلغي التفكير، ويحجر على خلق الله، خاصة وأن المفاسد التي ترتبت على إيقاف الإجتهاد عملياً، أكبر بكثير.. من المفاسد التي توهم سدها.
ويكفي أن نقول أن إلغاء عمليات التفكير وتعطيل النظر في الواقع والإجتهاد في إيجاد الأوعية الشرعية لحركة الأمة، جعلت الآخر (العدو الوهمي) يتقدم، شئنا أم أبينا، لملء الساحة القانونية والسياسية والاقتصادية والتربوية والإعلامية والثقافية، كما جعله ينمو ويمتد بشُعب المعرفة على الأصعدة المتعددة ما جعل مجرد اللحاق به يكاد يكون مستحيلاً أو حلمٌ بعيد المنال، وإستيعاب إنتاجه وتقويمه والحكم عليه في غاية الصعوبة، وذلك لأن العقل المعطل المشلول عاجز أيضاً عن استيعاب إنتاج الآخر (العدو الوهمي) والحكم عليه وتقويمه، ولأن هذا الاستيعاب هو في الحقيقة إجتهاد، ويلجه اليوم من يحسنه ومن لا يحسنه، سواء أسمينا ذلك إجتهاداً أم لم نسمه.. صح يا آدم خاطر.. قال صح.. وحتى لو ما كان صح..
فأن المشهد السوداني العام في حقيقة الأمر هو خروج من الواقع.. والمجتمع.. والحاضر.. والمستقبل معاً، والإنزواء في بعض الزوايا والتكايا التي تعاني من غُربة الزمان والمكان، وترك المجتمع فريسة سهلة للآخرين (العدو الوهمي) لو سلمنا بذلك ليملأه بما يشاء.. وأخشى أن أقول.. إن ذلك هو لون من الوقوع في فصل الدين عن الحياة أو فصل الحياة عن الدين، والذي نتنكر له كشعار ونمارسه كواقع.
ولعل قصر النظر.. والتقليد الأعمي معاً على بعض الأحكام ـ بالمعني التقليدي ـ أو اقتصاره في مجمله على الفروض العينية، دون الفروض الكفائية ـ الفروض الإجتماعية ـ التي تُعنى بقضايا الأمة السودانية في كل مجالات حياتها، وقصر الاجتهاد على الجهويين فقط في قضايا تهم الوطن.. والمواطن.. والميل إلى الولاء.. والمحسوبية دون التقدم إلى التخصص في شُعب المعرفة ومجالات الحياة، ووضع نظريات وأفكار ونظم معرفية منطلقة من مرجعية شرعية، أدى إلى أنزواء حركة المجتمع.. وما يتطلبه من رؤوى وخطط وبرامج وأحكام.. وبالتالي أدى إلى تراجعه إلى القدر المحتوم، وهذا ـ كما لا يخفى ـ صبغ لون من الطبقية على الروح الوطنية الفعلية، سواء جاء ذلك بحسن نية أو بسوء طوية.. وسواء أعترفنا به يا آدم خاطر أم لم نعترف به، فهو واقع للأسف.. أصبح يحكمنا ومهما حاولنا البرهنة على شمولية القيم الإسلامية، وأغترفنا الأدلة من النصوص ومن حياة الصحابة، وإستدللنا بمقاعد المدارس.. والمطاعم.. ووسائل النقل العامة.. إلا أنه أصبح في قلب واقعنا.. وعطاؤنا أكبر شاهد إدانة على ما ندعيه، ومن كان قوله يخالف فعله كأنما يوبخ نفسه.. ويلوم الآخرين على ذلك...
وللكلام بقية.. إن عدتم عدنا.!!
التعايشي