لقد آن الآوان للتحول من فقه الفرد إلى فقه الأمه
نرى أن هناك بعض المحاولات الفردية الجادة والحس الوطني المتقدم بأهمية وضرورة العمل المؤسسي الذي ما يزال غائباً عن الواقع السوداني بالقدر المطلوب، والتنبيه إلى أن بعض المخاطر والمعوقات التي يمكن أن تلحق به.. جراء الطغيان والإستبداد الذي يمارس باسم الدين وتارة باسم الدواعي الأمنية الغير هادفة إلى مصلحة الوطن.. فالعمل المؤسسى صار سمة العصر .. وعنوان للشعوب المتحضرة.. الذي لم تعد تنفع معه الجهود والإجتهادات الفردية غير المتكاملة أو المتناسقة، ولم تعد تنفع معه الحسابات الجهوية المتقوقعة أيضاً، فالعمل الجماعي في الحقيقة هو عبارة عن محاولة جادة للإفادة من كل الخبرات الحياتية، وتأكيد مبدأ (إقتسام السلطة والثروة) من خلال مبدأ الشوري (وَشَاوِرْهُم فيِ الأَمرِ) (آل عمران:159) (وَأَمرُهُم شُورَى بَينَهُمْ) (الشورى:38) والتدرب على تقبل الآخرين والمعيار التقوى، فهي ترمي إلى الحد من النزوع الفردي الذي لا يؤدي في كلياته وعمومياته إلا إلى نمو الفردية وتكريس الأنانية المؤدية إلى التبعثر والتشتت... والدمار.. كما حدث خلال الثمانية وأربعون عاماً التي تلت إستقلال السودان.
فإن مفكروا النظام رأوا أن السبب الذي يجعلهم يشدون سياسة القبضة الحديدية على البلاد بعد حقبة تمكنا أنهم لم يحرصوا على إستعمال الفكر الجماعي كثيراً، وهو تخوف المجتمع من الهيمنة الجهوية.. حيث أن السلطة الإنقلابية بعد الخلاف الذي نشب بين الحوار وشيخه.. أصبح العشرة الكرام وأفراد التنظيم لا يتورعون من هيمنة الجهويين وتوجيه المؤتمر الوطني إلى ما يخدم سياستهم لا ما يخدم شرع الله ويحقق مصالح الأمة.. فأصبحت الدولة متخوفة من مبدأ الشورى الجماعية أو نحوها.. لأن الديمقراطية تقطع الطريق أمام أساطينهم أو من يدور في فلكهم من أشباه الساسة في أن يسيطروا على الجنوح الهادف إلى الحرية.. وسخروا أجهزة الدولة الأمنية وثقلها وإحترام الناس للقانون وخوفهم منه ومن جبروتهم إلى خدمة أهوائهم وأصبح المؤتمر الوطني والبرلمان واللجان الشعبية غطاء لإرادة الحاكم وهواه.
لقد آن الآوان للتحول من فقه الفرد إلى فقه الأمه.. من فقه الفروض العينية إلى فقه الفروض الكفائية، في مجالات التنمية والبيئة والسياسة والاقتصاد والإعلام والتربية والإدارة والعمران، والسنن الفاعلة في الحياة، وعوامل السقوط والنهوض.. ذلك لأن المطلوب اليوم، هو الاجتهاد في بناء الرؤية الوطنية في النظر للقضايا الدولية والمحلية، وكيفية التعامل معها، وتأصيل المرجعية الشرعية على مستوى الفرد والجماعة، والتحول الديمقراطي من خلال الإحساس بأهمية العمل المؤسسي والاجتهاد الجماعي إلى الإدراك الكامل لأبعاده المتعددة، وإقامة المؤسسات ومراكز البحوث والمعلومات والدراسات، وتشكيل اللجان المتخصصة المصاحبة للمجامع الفكرية والفقهية.. التي تهدف إلى خدمة قضايا الوطن..
وقد لا تكون المشكلة كلها في كيفية تشكيل مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ومعايير إختيار الأعضاء وإحكام الضوابط لاستقلاليتها وآلية تحييدها وحمايتها، وإنما المشكلة الأهم أيضاً في طبيعة الموضوعات التي تعرض لها وتناقشها.. والمقدرة على إستيلاد بنات الأفكار وعلى بث روح الدفع للأمام من أجل بناء وطناً به يكون الفرد أمة وطناً شامخ وطن عاتي وطن سيد ديمقراطي.. (عفواً للإقتباس مع الإعتذار للفنان وردي).
فالعمل الجماعي يعتبر من أقصر السبل إلى توحيد النظم للأمة كما أنه أفضل وسيلة لمعالجة قضايانا المعاصرة، التي تشابكت فيها الأمور، وتداخلت فيها وأصبح النظر والإجتهاد فيها لا يتحقق سليماً إلا برؤية جماعية.. واعية (نفرة النفير).
فإن استنباط الأفكار الجديدة على مختلف توجهها والتي تعددت فيها الآراء والسعي إلى إنتقاء أنسبها لواقعنا ومصلحتنا.. كما أنه يجب علينا أن نركز على المسائل التي بنيت على أسس تغيير الزمكان أو العرف والمصلحة.. كل ذلك لا يجدى نفعاً إذا لم يأتي بصورة جماعية فإن كان فردياً فلربما أتي على الأمة بالكثير من الأخطاء والمشاكل.. (برتوكول مشاكوس)
فإن الإهتمام بمشكلات المجتمع السوداني ومحاولة وضع الحلول المناسبة لها، والسعي إلى توحيد الأفكار ليكون أساساً للقائنا الفكري والحضاري، على أن نلتزم في تكوين آرائنا بمجموعة من الأسس التي تجعل منه منارة علم وأساس نهضة، بعيداً عن الأهواء والهيمنة الجهوية السلطوية أو النزعات الضيقة.
والله نسأل أن يكتب لنا التوفيق والسداد في ميلاد أمة جديدة ووطناً تليد، إنه على ما يشاء قدير.
التعايشي،