الاربعاء16يونيو2004
سلام السودان - السلام الحقيقي
أشرف محمد أدهم ü
لا أحد يستطيع التكهن بمستقبل السودان السياسي والاجتماعي والاقتصادي بعد توقيع البروتوكول النهائي للسلام.
لا أحد يستطيع ان يعرف هل سيكون هنالك سلام على الارض بعد ان يوقع على الورق . لا احد يستطيع ان يعرف هل ستستمر الفترة الانتقالية في جو ولو نسبي من الاستقرار السياسي والامني والعسكري.
لا أحد يعرف هل سيتبع هذا السلام السياسي سلام اجتماعي.
لا أحد يعرف هل سيحدث انفصال ويقسم السودان الى دولتين وتضاف الى دول القارة دولة جديدة.
لا أحد يستطيع ان يعرف هل ستستمر الفترة الانتقالية بصورة تؤدي الى وحدة السودان.
لا أحد يستطيع ان يعرف ماهو دور القوى الداخلية التي تعمل على تجزئة السودان.
لا أحد يستطيع ان يعرف حجم القوى الخارجية والجهود التي تعمل في الخفاء والعلن وبهدوء لينتهي الامر بعد الفترة الانتقالية الى انفصال.
لا أحد يعرف هل تسعى القوى الخفية الداخلية والخارجية الى انفصال واقامة دولة جديدة ام تبديد ومحو السودان الدولة القوية ذات السيادة من الخريطة الجغرافية السياسية ليكون هناك هباء منثورا.
لا أحد يستطيع ان يعرف ماهو دور القوى التي تسعى الآن ليظل السودان هو السودان ولكن في ثوب جديد وواع بضرورة الوحدة.
لا أحد يعرف ماذا تخبئ البرتوكولات وبنودها لمستقبل السودان.
كل الذي يمكن ان يكون في متناول العقول والافكار السياسية والاجتماعية والاكاديمية مروراً بالعامة في الشارع السوداني هو آمال واحلام وتمنيات وتوقعات.
هل السلام الذي بدأ يهل على السودان هو سلام حقيقي وطبيعي ام سلام صناعي صنعته القوى الكبرى او العظيمة وهي تعرف نقاط ضعفه وتعرف من اين وكيف ومتى تسحب الخيط الذي بسحبه يتهدم السلام فوق رؤوس السودانيين جنوبيين وشماليين.
الى اين سيؤدي السلام القادم . الى اين سوف تتجه حركة السياسة السودانية الداخلية والخارجية . وهل سوف يأتي عام يغاث فيه الناس ويعصرون.
الحركة الشعبية لتحرير السودان حملت السلاح وعبرت عن جنوب السودان ثم في فترة لاحقة وبعد سنوات عديدة عبرت عن جنوب كردفان وجنوب النيل الازرق وشئ من شرق السودان ولم تعبر عن شمال وغرب كردفان ولا دارفور ولا الشمالية ولا الوسط كل هذه المناطق تعاني مما يعاني منه الجنوب.
على الرغم من ان طرفي التفاوض حول تحقيق السلام هما الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان وعلى الرغم من ان المفهوم الذي فسر الحرب فسرها على انها حرب بين الشمال والجنوب ( وهذا المفهوم هو الذي صنعته قوى خارجية وساعدت عليه قوى داخلية من الطرفين الشمالي والجنوبي كنيت او كنى بعضها بأنها وطنية) الا ان مشكلة تحقيق السلام الحقيقي للسودان تتطلب شمول ودخول العديد من الاتجاهات السودانية الاخرى وان لم تحمل السلاح . اذن يبقى السؤال ماهو المطلوب لاحلال السلام العادل والشامل والشامل هنا نعني بها جميع اتجاهات السودان الجغرافية والسياسية والقبلية والطائفية اخذين في الاعتبار ما تحمله من موروثات ثقافية قهرية والزامية تجاه الآخر فرضتها ظروف اجتماعية وسياسية خارجة عن ارادة كل الاطراف وكل الاطراف متورطة فيها.
فكيف يمكن ان يكون مستقبل السودان القادم عبر مرحلة زمنية تنتهي في ست سنوات وهل سيغاث الناس ويعصرون.
ان تحقيق السلام الحقيقي يتطلب ان تحدث تغييرات عديدة سياسية واجتماعية بعضها قهري وجبري والبعض الآخر انسيابي وطبيعي.
اذا بدأنا بالجوانب الاجتماعية فالكل يعلم ان السودان زاخر بالتنوع الثقافي في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب فلكل مجموعة قبلية انماطها وسماتها ومفرداتها الثقافية التي تميزها عن الاخر الثقافي وان كان مجاوراً له . ومن ناحية اخرى نجد ان هناك مفردات ثقافية تميز ثقافة الجنوب عن ثقافة الشمال او غيره ولكن كل هذا التنوع الثقافي بشكل منفصل نهائيا عن الاخر ولكن هناك تفاعل وتداخل بين هذه المجموعات بعض هذا التفاعل ظاهر والبعض الاخر غير ظاهر لذلك نجد ان هناك نقطة التقاء تلتقي عندها بعض هذه المفردات الثقافية من كل ثقافة فرعية مكونة ما يعرف بالثقافة السودانية ومن هنا يجب ان يبدأ مفهوم القومية السودانية او المواطنة او السودانوية ( سميها كما تشاء).
ورغم نقاط الالتقاء بين ثقافات السودان المتنوعة الا ان القبيلة والتعصب لها سمة واضحة لدى كل اهل السودان . ومن الواضح ان العصبية والنعرة القبلية هي احدى معوقات تحقيق السلام والسبب في تواجد هذه العصبية القبلية هو ان السودان منذ ان نشأت دولته الحديثة كان بلداً مترامي الاطراف وعلى اتساع رقعته الجغرافية يعاني من صعوبة المواصلات والاتصال وهذا بدوره ادى الى تفشي الجهل والتجاهل فالمواطن في اقصى الاطراف البعيدة عن المركز لايعرف الحكومة ولا القانون وبالتالي لايعرف الحقوق المدنية والدستورية وحقوق المواطنة . ولكنه يعرف قبيلته وفصيلته التي تؤويه وتحميه وتوفر له الاستقرار النفسي والامني والاقتصادي والاجتماعي.
ولمزيد من توضيح وجهة نظرنا في هذا الجانب انه ليس القصد اذابة او ازالة النظام القبلي وذلك لقول الله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم) صدق الله العظيم . وهذا القول الشريف يؤكد اهمية القبيلة كما يؤكد اهمية الشعب والذي يعني المواطنة فالقبيلة هي احدى لبنات الاساس في البناء الاجتماعي وهي التي تقوى تماسك المجتمع فيصبح شعباً قوياً ومستقراً بشرط ان يكون التعارف بكل ابعاده ومعانيه الواسعة والضيقة هو اساس العملية الاجتماعية حيث يتم من خلاله ترابط القبيلة داخلياً وترابط القبيلة مع القبائل الاخرى ومن ثم ترابط الشعب وهكذا حتى تصل الى المستوى الخارجي او العالمي.
ولمعالجة مشكلة القبيلة يجب ان تتحرر العقلية الشمالية اولاً من عقدة التسامي وبمزيد من الحراك والتفاعل الاجتماعي يمكن ان يدعم عملية التحرر هذه الى جانب تدعيم وتنمية وتطوير الطرق وسبل المواصلات والمعلومات وحرية الاعلام . هذا من شأنه ان يفعل الحراك الاجتماعي ويقوي التفاعل الاجتماعي ميدانياً . هذا الى جانب تدريس مادة التربية الوطنية للطلاب في كل المراحل التعليمية بشرط ان تحتوي هذه المادة على منهج يغذي الروح الوطنية ويقوي الولاء للسودان ويكون تدريس هذه المادة نظرياً وتطبيقياً . هذا الى جانب زيادة توسيع فرص التعليم والتوظيف في الوظائف الادارية والسيادية لتستوعب ابناء السودان على اساس الكفاءة وليس القبيلة او ما شابهها وهذا من شأنه ان يحرر العقلية الجنوبية والغرباوية وغيرها من ما بها من رواسب.
اذن يجب ان تعمل الحركة الشعبية لتحرير السودان على تحرير العقول ومعها الحكومة التي تعبر عن الشمال مضموناً وبقية القوى السياسية والاجتماعية السودانية ليكون الهدف الاساسي هو ترسيخ مفهوم المواطنة والسودانوية وحقوقها نظرياً وعملياً.
وعلى صعيد اخر فان ممارسة الديمقراطية رأسياً وافقيا يعمل على تحقيق اكبر قدر من الاستقرار السياسي والاجتماعي . والممارسة الافقية تكون من خلال تحقيق الديمقراطية الثقافية والاجتماعية اي حق الجميع في استغلال كافة الامكانيات الاعلامية والمعلوماتية لابراز الثقافة المحلية ومع مرور الوقت يحدث تشبع نفسي جماعي يعمل على هدوء واسترخاء الخواطر الثقافية لكل ثقافة فرعية مما يساعد على تمكين التداخل والاستدماج الثقافي بين الثقافات السودانية . هذا الى جانب توفير امكانيات البحث العلمي من اجل دراسة التراث الثقافي والاجتماعي السوداني لابراز نقاط الالتقاء بين الثقافات الفرعية ومن ثم التعرف على وابراز ماهية الثقافة السودانية الجامعة والتي تمهد وتساعد على تحقيق المواطنة والمساواة الاجتماعية والسياسية.
اما الممارسة الرأسية للديمقراطية تكون من خلال سيادة القانون والعمل على سد الثغرات التي بتجاوزه لاسباب تتعلق بالمنصب او الانتماء القبلي او العلاقات الشخصية اعني ان يكون الجميع سواسية امام القانون عملياً وليس نظرياً كما هو الحال الآن . ويجب ان يلقن تلاميذ المدارس هذا الشئ ثم يلمسوه في واقع حياتهم حتى تنشأ اجيال للمستقبل القريب والبعيد تحترم القانون وبالتالي تحقق سيادته.
هذا الى جانب توسيع حجم المشاركة السياسية ولكن في هذه النقطة يواجه المجتمع السياسي السوداني مشكلة ان الاحزاب السياسية الموجودة في الساحة الآن تحتاج الى اعادة ضياغة في بناءاتها الداخلية وافكارها وايديولوجياتها ( ولعل الطلاب في الجامعات الآن يقودون ثورة التغيير وهي تحتاج الى الدعم اللازم لكي تنجح) حيث ان نشأة الاحزاب السياسية في السودان ارتبطت بأيدلوجية الصراع من اجل اقصاء الاخر.
فالاحزاب السياسية البريطانية نشأت عبر تسلسل تاريخي وطبيعي ومنطقي في ظل المطالبة بتفكيك القيود الملكية المتسلطة وتوسيع المشاركة السياسية وبعد سنوات طويلة من النضال من اجل هذا الهدف ظهر مايعرف بالهيئات البرلمانية والتي مرت بعمليات سياسية واجتماعية طويلة ادت نهاية المطاف الى ظهور الاحزاب السياسية البريطانية بفهمها العميق للممارسة الديمقراطية النابعة من ايديولوجية المشاركة السياسية وليس الصراع من اجل اقصاء الآخر.
اما الاحزاب السياسية السودانية وعلى الرغم من ان نشأت في ظل الاستعمار البريطاني على السودان الا انها نشأت فجاة ولم تنشأ من خلال التلاقح الثقافي الكامل بين الثقافة السياسية البريطانية ونظيرتها السودانية ولا من خلال الارث الثقافي السياسي السوداني.
فالسودان لم يعرف الدولة بمعناها الحديث الا في عهد الحكم العثماني التركي ( وهو حكم استعماري ) حيث ان الممالك التي قامت قبل ذلك كان حدود سلطانها لايشمل القطر السوداني بوصفه الجغرافي الحديث. ولم تترك ارثاً ثقافياً سياسياً واضحاً للاجيال من بعدها وذلك لان طريق التدرج في تطور اساليب نظم الحكم في السودان قطع عبر فترات زمنية بواسطة الحكم التركي مرة والاستعمار البريطاني مرتين فلم تتح الفرصة للنظم السياسية السودانية ان تتطور ليتبلور منها حاضر ومستقبل الممارسة السياسية . فبعودة الاستعمار البريطاني الى السودان قام بمحو آثار الثورة المهدية السياسية والاجتماعية بل وحاول ان يذهب بالثقافة والهوية السودانية من خلال احكام قبضته الادارية والسياسية والتحكم في التعليم وجميع ضروب الحياة العامة للسودانيين. لذلك نشأت الاحزاب السياسية السودانية في ظل ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية لعبت دوراً مهماً في تكوينها الفكري والذي ينعكس من خلال ممارستها للعملية السياسية.
ولان السياسة الاستعمارية البريطانية كانت ترسم لمستقبل هيمنتها على السودان من على البعد فقد مكنت للاحزاب السياسية السودانية من الظهور الى الساحة السياسية ولكن انشأتها على ايدولوجية الصراع من اجل اقصاء الاخر وليس ايديولوجية توسيع المشاركة على أساس المواطنة (الاستقلاليين من اجل اقصاء الاتحاديين) مستفيدة من التناقضات الثقافية والخلافات الطائفية حيث ان هيمنة الطائفية على الاحزاب كان معلوماً وهكذا توارثت الاجيال السياسية هذه الايديولوجية وقد توارثت الاحزاب العقدية والتقدمية التي نشأت بعد الاحزاب التقليدية نفس الايديولوجية الصراعية من اجل اقصاء الآخر.
لذلك نجد ان كل الاحزاب السياسية السودانية لا تعرف الممارسة الديمقراطية وتقبل الاخر والانقلابات العسكرية الثلاثة التي مرت على السياسة السودانية ليست الدليل الوحيد ولكنها خير دليل حيث انها كانت بفعل الاحزاب من اجل اقصاء الاخر.
بالاضافة الى ان التراكم الثقافي السياسي للاحزاب قبل الاستقلال تمركز حول تحقيق الاستقلال مع غياب الاستراتيجيات والبرامج والخطط الفكرية والعملية لما بعده فأصبحت واجهات لا تحمل مضامين وشعبيتها مدفوعة بالعاطفة والدعم الطائفي . ووسط كل هذا الزخم لم تستطع الاحزاب السودانية تطوير نفسها.
لذلك نرى انه مع وجود قانون تنظيم العمل السياسي ان يطور هذا القانون من اجل اعادة صياغة تركيبة الاحزاب السودانية وذلك من خلال اقامة منابر حرة للتعبير السياسي في البرلمان او المجلس الوطني اياً كان اسمه ( مثلما فعل الرئيس الراحل انور السادات في مصر في اعقاب ثورته التصحيحية) وهذه المنابر من شأنها ان تعيد صياغة الممارسة الديمقراطية نحو مفاهيم توسيع المشاركة السياسية واعادة بناء الاحزاب داخلياً وفكرياً وعملياً. وذلك لانه عندما يعلن عودة الحياة الحزبية نجد ان الاحزاب التقليدية وغير التقليدية تظهر الى الساحة السياسية بنفس ثوبها وافكارها وايديولوجيتها القديمة والتي تخطتها تطلعات المواطن السوداني . الى جانب ظهور العديد من الاحزاب الصغيرة التي تعبر عن قبائل او جهات جغرافية او طائفية وهذه لاتستطيع ان تتطور الى احزاب كبيرة وتبقى طفيليات سياسية حزبية . فممارسة الحريات السياسية الديمقراطية واحترام الآخر فكرياً وثقافياً وسياسياً من خلال المنابر طوال الفترة الانتقالية يمكن ان يحدث نقلة للاحزاب السودانية وتتطور تطوراً طبيعياً.
أما الطائفية الدينية السياسية خير علاج لها هو احترامها وتحويلها الى قوة سياسية واعية وفاعلة يحكمها الفعل السياسي الجديد واقحامها واشراكها في العملية السياسية من خلال القنوات التي تتيح حرية التنظيم والتعبير . فالطائفية واقع لايمكن تجاوزه او تفكيكه مثل القبيلة . والقدسية التي تحيط بها تجعلها اقوى واخطر تأثيراً من القبيلة لذلك فان رفضها يساعدها على هدم البناء السياسي لذلك يجب تقبلها وادماجها في الحركة السياسية وفق القوانين والقواعد المنظمة لها.
اذن المرحلة السياسية القادمة ومن اجل تنفيذ سلام سوداني حقيقي ويكون سلاماً سياسياً واجتماعياً وثقافياً لابد من ان تتداخل كل المعطيات التي ذكرتها وتساندها وتكاملها وتضافر الجهود المخلصة والخالصة للسودان الحبيب
محاضر بقسم الاجتماع جامعة النيلين
المصدر : الراي العام