علامات استفهام

محمد ابراهيم الشوش

لتكن عيونكم مفتوحة

في هذا الوقت الذي يحتفل فيه السودانيون جميعاً باقتراب السلام، هل يصح إطلاق علامات الاستفهام لتلاحق جون قرنق الشريك الرئيسي في هذا السلام؟ ألا يعني التساؤل نوعاً من التشكيك وعلامة من علامات التشاؤم؟ وإلقاء ماء بارد على حرارة الأمل في القلب بعد سنوات من حرب أنهكت البلاد والعباد وجلبت الشؤم على السودان؟ أليس من الخير أن نفتح قلوبنا للتفاؤل ونرقد على قفانا في ظل الضحى نحلم بالأمل المرجو والخير والرفاهية؟ كل شئ فينا يتوق الى تلك الاسترخاءة، قلوبنا وعقولنا التي سئمت الحرب والنزاع والعداء على مدى نصف قرن من الزمان، وكسلنا العقلي واستسلامنا للعاطفة وركوننا للراحة ونفورنا من مواجهة الحقائق التي لاتأتي على هوانا.

لكن رياح السياسة اللعينة تأتي بما لا تشتهي السفن، والسياسة لا قلب لها ولا تقوم على العاطفة ولاتحب الاسترخاء ويستهويها أن تخيب أمل المسترخين النائمين الحالمين. والحلم يظل حلماً وأضغاثاً ما جاء أثناء النوم ولكنه لا يتحقق إلا عند اليقظة التامة. والذين يحققون أحلامهم هم أولئك الذين يفتحون عيونهم عن آخرها وفي كل الأوقات لا يتثاءبون ولا يستسلمون للنوم.

وحسناً ما قاله الدكتور أمين حسن عمر عضو التفاوض بعد توقيع الاتفاق المبدئي «إن الكلام عن مودة ومحبة وقصة غرام غير موضوعي. نحن نتحدث عن علاقة ضرورية وليست عاطفية بين الطرفين لننقل الناس من حالة عداء الى حالة شراكة بالتدرج» وقوله: «إن السياسة تمارس بالاعتبارات العملية وليس الأمنيات، وإن التحفظ مطلوب في كل الأوقات. وإننا لايجب أن نتحدث عن الثقة على المستوى الشخصي، بل على المستوى المؤسسي وفي إطار الاتفاقات».

والذين يريدوننا أن نلغي عقولنا وأن نسرح جنود الحذر داخلنا، وأن نسنسلم لدغدغات طبول الفرح، إما غافلون جهلة، أو مغرضون منافقون ينصبون لنا الشراك.

ونحن بالذي تحقق لنا فرحون. ومن الذي يحب وطنه ولا يفرح بنهاية حرب أقعدت السودان، وسممت مشاعر شعب عظيم، وحطمت مجاديفه، وقضت على الأخضر واليابس، ودمرت قدراته، وهلكت بعضاً من خيرة أهله وأطمعت فيه شذاذ الأرض حتى الذين لم يخرجوا من بيضتهم بعد. ومن الذي لايحس بالامتنان للرجال الأفذاذ من الشمال والجنوب الذين حققوا بجهدهم وسهرهم هذا الإنجاز العظيم؟

ومع ذلك تبقى من مسؤوليتنا كتاباً أن نزيل أية غشاوة عن عيون أهلينا حتى لا يستغلهم أحد، أو يفاجئهم متربص بما يكرهون.

والسؤال الخطير الذي يطرح نفسه الآن وبإلحاح بعد توقيع بروتوكولات السلام المفضية الى معاهدة السلام، الى أي حد يمكن اعتبار دكتور قرنق -من مواقع ما نعرفه عن شخصيته وتجربتنا معه -شريكاً حقيقياً في السلام؟ دع عنك ما يقوله سراً وجهراً، هل يملك الاستعداد الحقيقي لتحقيق السلام؟ وهل الذي تحقق يخدم أغراضه؟ وحتى إذا امتلك هذا الاستعداد شخصياً، هل يملك القدرة على التنفيذ؟ أم أن هناك ديوناً باهظة من زمن الحرب واجبة القضاء، وفي بعضها ما يعكر صفو السلام، وما يتطلب تحقيق مصالح تتعارض مع مصلحة السودان وأهله وفي بعضها من الألغام ما يهدد بتفجير السلام؟.

هذه ليست أسئلة سهلة، فهل حالة الابتهاج والفرح -ومن حق السودان أن يفرح ويبتهج- تسمح بإلقاء هذه الأسئلة، والركون الى شئ من الموضوعية والمعقولية لسماع الإجابة عنها؟

أما عن هذه الديون فيحدثنا الكاتب الكبير فهمي هويدي نقلاً عن كتاب اسرائيلي عنوانه «اسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» صدر بالعبرية في العام الماضي عن مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا التابع لجامعة تل أبيب، يقول مؤلفه العميد موشي فرجي الذي كان ضمن الفريق العسكري للاتصال مع قرنق وحركته «بعد دراسة لشخصية قرنق استقر الرأي على المراهنة عليه ومساندته لكي يحقق طموح بناء دولة الجنوب على غرار مطامع الزعيم الكردي مصطفى البرزاني» وفي هذا السياق زار قرنق اسرائيل ثلاث مرات.

وفي الكتاب تفصيلات مثيرة عن صور الدعم الذي قدمته اسرائيل الى حركة قرنق والذي قدرته مجلة اسرائيلية بـ «500» مليون دولار. هذا الدعم تجاوز السلاح والذخيرة والتعليم والتدريب الى إمداد الحركة بصور فضائية لمواقع حكومة السودان والى مشاركة الاسرائيليين في العمليات القتالية. ولقد كانت اسرائيل هي التي أقنعت الحركة بتعطيل تنفيذ مشروع جونقلي مدعية وجود خطة لإرسال ستة ملايين فلاح مصري الى الجنوب -كما حدث في العراق- لتغيير تركيبته السكانية لصالح العرب.

ونقل المؤلف على لسان جون قرنق قوله لمسؤول كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية كان قد زار العاصمة الأريترية في العام الماضي: «أنتم ظهير للجماعات والأقليات المقهورة. ولولاكم لما تحرر الأكراد من العبودية العربية ولما نفض الجنوبيون عن كاهلهم غبار الخضوع والخنوع والذل والعبودية. ونحن نتطلع الى استمرار هذا الدور حتى بعد أن يتمكن الجنوبيون من تشكيل كيان سياسي وقومي خاص بهم يكون منسلخاً ومنفصلاً عن سيطرة الشمال».

ولا ندعوكم بهذا التنبيه الى إسكات الفرح في القلوب بل بالعكس أقرعوا الطبول، ولتنطلق زغاريد الفرح الى عنان السماء وليسترح شعبنا هوناً من هذه الحرب اللئيمة. لكن بالله عليكم أفرحوا وزغردوا وعيونكم مفتوحة.

 

المصدر : الراي العام