زاوية حادة

جعفر عباس

Email: [email protected]

قرار في المشمش

هناك لغز لم أنجح في فهمه وفك طلاسمه وهو: لماذا ينبغي فض الحفلات العامة في موعد أقصاه الساعة 11 ليلا؟ حسبت لبعض الوقت ان الأمر يتعلق بالذوق العام، فقد درجنا على إقامة الحفلات الغنائية في الشوارع العامة، وكنت كثيرا ما أتأذى من بعض الاصوات المنكرة التي كانت تنعق عبر مكبرات الصوت وتحرمني من النوم حتى قرابة الفجر، ولكنني وفي أحيان كثيرة كنت أهتز طربا وأنا على سريري لأن صوتا شجيا يأتيني من جهة بعيدة تشهد حفل زواج، او احتفال بتخرج شاب من الكلية الحربية، وعلى حبي للموسيقى والغناء الجيد فإنني لم أكن قط من هواة بيوت الأفراح، ولا أظن أنني حضرت حفلا غنائيا بمناسبة زواج او اي حدث سعيد إلا إذا كان يخص أحد أقاربي أو من الدرجة الأولى (لم أتحدث عن حفلات زواج أصدقائي لأن الله ابتلاني بصداقة المبهدلين المقطعين الذين لا تقبل فتاة عاقلة بأي منهم بعلا ولو بالمسيار)! ثم عرفت ان قرار حظر الحفلات ما بعد الحادية عشر ليلا يسري حتى لو كان الحفل مقاما في ناد عام، او في أرض خلاء شمال كرري، لم تصلها بعد يد الاسكان العشوائي! ثم قرأت أمرا عجبا "جنني وجنن العزابة": محمود عبد العزيز ممنوع من الغناء في ولاية الخرطوم! إذا كان غناء الرجل ضارا بأهل الخرطوم بأية درجة، فلماذا يسمح له بإيذاء اهل مدني والأبيض والجنجويد وأبو حمد؟ قبل سنوات سألت الراقصة فيفي عبده شيخا ازهريا ما إذا كان الرقص في رمضان حراما، فقال لها الشيخ ان الرقص في غير رمضان حرام،.. ولم تفهم عطيطي عبده ان الشيخ يقصد ان ما هو حرام في غير رمضان حرام في رمضان، فواصلت الرقص خلال الشهر الفضيل بضمير مستريح خاصة وأنها اشتهرت بإعداد ما يسمى بموائد الرحمن وهي موائد إفطار رمضانية مفتوحة للفقراء، ( لعلها حسبت انها بذلك تقوم بغسل أموال الرقص حتى تصبح حلالا، تماما كما يقوم مهربو المخدرات مثلا بتدوير اموالهم بين حسابات مختلف البنوك بذريعة إجراء صفقات تجارية - وهمية طبعا - فتصبح أموالهم مغسولة ونظيفة بمعنى انها لا تثير الشبهات).. نقطة نظام: تحدثت أعلاه عن عطيطي عبده ولم يكن في الأمر خطأ إملائي او مطبعي، فتلك الراقصة اسمها الأصلي عطيات عبد الفتاح، وأقرب اسم دلع يمكن اشتقاقه من عطيات هو عطيطي او طيطي!! والشاهد هو أنه إذا كان محمود عبد العزيز لا يصلح شخصيا او فنيا لأهل الخرطوم فهو أيضا لا يصلح لأهل مناطق السودان الأخرى، ما لم يكن في الأمر خيار وفقوس، وما لم يكن صحيحا ما يقال من ان الخرطوم كوشت واحتكرت الطيبات وأهملت وهمشت بقية أقاليم السودان، وقياسا على أن ما هو حرام في غير رمضان حرام في رمضان، فان الغناء أو الشخص الذي لا يصلح للخرطوم لا يصلح لغير الخرطوم.

ما يغيظني أكثر أن محمود عبد العزيز صاحب موهبة غنائية ضخمة، وتتألف رقبته الطويلة من أوتار وحبال صوتية بها مختلف الذبذبات التي تجعله قادرا على أداء ألحان صعبة، إذا حاول غيره أداءها اصيب بالفشل الكلوي، وكنت خلال العشرين سنة الأخيرة قد توقفت عن متابعة الجديد في دنيا الغناء السوداني مكتفيا باشرطتي القديمة لوردي وابو الامين وابو عركي وابراهيم عوض وعثمان مصطفى وابو داوود والعاقب محمد حسن وغيرهم.. نعم غيرهم، فقد تجاوزت مرحلة "الفنان المفضل" في سن مبكرة وفتحت أذني للنور الجيلاني وعقد الجلاد وعبد العظيم حركة ورمضان زايد والعشرات غيرهم،.. لا يهمني اسم الفنان بل يهمني ان يكون اللحن الذي يؤديه جميلا.. وأزيدكم من الشعر بيتا: لا يهمني ان تكون كلمات الأغنية هايفة وتافهة بمعايير مثقفي الصالونات طالما ان اللحن والأداء بديعان، لأنني لست ممن يؤمنون بأن هناك غناء هادفا وغناء هادما... استغفر الله، هناك غناء هادم يتم ترديده وسط الشلل وفيه كلام كثير يجرح الحياء لأنه يتعلق بالعفة،.. ولكنني لا أفهم كيف يكون الغناء هادفا؟ الأناشيد الوطنية؟ نعم،.. هي هادفة لأنها تحريضية وتسهم في الشحن العاطفي، وكلما سمعت ملحمة أكتوبر لود الامين وهاشم صديق (ويحدث هذا نحو عشر مرات في الشهر)، ثار الدم في عروقي وفكرت في تكوين حركة تحرير دنقلا وعبري، ثم أتذكر ان هاشم صديق أخلف وعده، وحنث بالقسم: قسما قسما يا اكتوبر نحمي شعارك / نجني ثمارك/ نرفع راية الثورة الغالية/ عالية ترفرف فوق السارية/... ولسه بنقسم يا اكتوبر لما يطلللللللللل في فجرنا ظالم،.. ومنذ ان صاغ هاشم رائعته تلك طل في فجرنا طابور طويل من الظالمين وما جنينا سوى الشوك والحصرم والحنظل.

كانت حكومة عبود قد منعت إذاعة أغاني المطرب العملاق محمد وردي لبضع سنوات بعد ان قاتل بضراوة ضد مشروع إغراق مدينة حلفا، ودخل السجن لقيادته المظاهرات المطالبة بعودة العساكر الى الثكنات، وذات مساء كنت في سوق كوستي وفجأة دوت اركان المدينة بالصراخ حتى حسبت ان النيل الابيض المشهود له باللطاخة والترهل والكسل، ثار وفاض وبدأ يجتاح المدينة، ورأيت الناس يتدافعون صوب مقهى قريب، فاندفعت معهم الى المقهي وهناك كان المئات يصيحون ويتمايلون لأن وردي صدح ب"نور العين" من إذاعة هنا ام درمان.. وطارت حكومة عبود وبقي وردي، وفعل نميري نفس ما فعله حكم عبود بأغنيات وردي فطار نميري وبقي وردي، وسيأتي حكام كثيرون بعضهم ظالم وبعضهم عادل وستحفظ الاجيال اغاني وردي لمئات الاعوام القادمة.. فالفن لا يموت بالسجن أو النفي أو التغريب،.. ومحمود عبد العزيز فنان طويل القامة، ولا أعرف عنه سوى انه صاحب موهبة فذة ولا يهمني من أمره أكثر من ذلك، بل ولا يهم غيري من أمره أكثر من ذلك،.. وإذا كان عليه ثمة مأخذ فليحاسب كمواطن عادي، ولكن ان يقال له: ممكن تغني في الفاشر وتندلتي وطوكر والغزالة جاوزت ولكن اياك ان تغني في منطقة العاصمة المثلثة،.. لا يختلف عن إصدار قرار بمنع مياه النيل الأزرق من الاختلاط بمياه النيل الأبيض... وهو نوع القرارات التي يقول المصريون ان تطبيقها في المشمش! هب ان الشرطة ضبطت محمود وهو يغني في الحاج يوسف! هل ستحبسه ثم تعرضه على القضاء: يا مولانا لقينا الزول ده بيغني في الحاج يوسف!! وسيقول القاضي: طيب وينو الحاج يوسف؟ ليه ما فتح البلاغ بنفسه؟ ليه ما جبتوهو كشاكي؟ فيقول الادعاء ان الحاج يوسف اسم منطقة!! فيسأل القاضي مجددا: منطقة وين؟ في كربلاء وللا الفلوجة؟