غداً

عبد الله آدم خاطر

Email: [email protected]

دارفور الضائعة... غداً تشرق رائعة

من خلال حديث النائب الاول لرئيس الجمهورية لمواطنيه مساء الجمعة الماضية، وهو يقدم لهم انجازات الشراكة بين تجربتي التوجه الحضاري والحركة الشعبية لتحرير السودان من خلال بروتوكولات نيفاشا التي تشكل رؤية مغايرة لما هو سائد عن مستقبل السودان، اشار بوضوح انه بثقل الدولة سيبدأ نزع فتيل القتال والنزاع في دارفور، بنوع من التأكيد الخاص الى امكانية احلال مفاهيم جديدة حول عقيدة الحكومة العسكرية بأن ما يجري في دارفور مجرد تمرد فئات محدودة يمكن القضاء عليها بتدابير عسكرية عنيفة، هذا وقد اضاف النائب الاول في سياق التحول النفسي والوجداني للدولة نحو السلام طلباً للاجهزة المعنية والعاملين في مجالات الاعلام المختلفة وعموم المبدعين ان البلاد في حاجة الى لغة جديدة ورؤى جديدة، بعد سقوط دولة الحرب من كل اركانها، وقد تمزقت معها ألوية الحرب الى الابد كما هو مأمول ومتوقع.

ضمن ما تم تأكيدة على هوامش الحوارات في نيفاشا ومدن اخرى في العالم بما فيها نيويورك وجنيف مقري منظمة الأمم المتحدة، ان اتفاق السلام السوداني وبروتوكولات توزيع السلطة والثروة في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ستؤثر على نحو ايجابي علي مصائر الأمور في دارفور وعلى نحو عاجل، ان تلك التأكيدات جاءت متطابقة مع ملخص افادات جرت على لسان مولانا أبيل ألير قبل ذهابه الاخير إلى نيفاشا، وهو يتحدث إليّ مطمئناً ان دارفور اصبحت بالواقع والممارسة منطقة الجدل الرابعة وما سيجري به الحال في المناطق الثلاث سيكون المؤشر الاقوى لما سيحدث في دارفور كأقليم حتى ولو تم ذلك خارج مداولات نيفاشا التي سبق وان تم تحديد اطرها وأجندتها، كان ابيل الير يتحدث عن الاحتمال الاقوي وهو الخبير الضليع في القانون وعضو المحكمة الدولية في لاهاي، ولكن الاهم هو السوداني من جنوب السودان الذي تصدى للحوار باسم كل الوطن مع حركة انيانيا وبعون دولي مميز وبصبره ومزاياه الشخصية حصل من المتمردين على وحدة الوطن، وحصل من الحكومة المركزية على الاعتراف بخصوصية الجنوب ثقافياً وتنموياً في سياق سياسي اداري قانوني، وهو بتلك الخلفية بوسعنا ان نستمع إليه بقلوب مفعمة بالطمأنينة وهو يتحدث باسم الوطن في قضايا اقاليم اخرى وخاصة دارفور للصلات العميقة التي ربطت بينه وبين مواطني الاقليم حتى في الاوقات العصيبة.

من ناحيتها فان دارفور اضحت في امس الحاجة الى حكمة الوطن وجهوده للخروج من المأزق الراهن، لقد اتاحت جامعة نيالا لي ضمن آخرين زيارة جنوب دارفور وفي طريق العودة امضيت بعض الوقت في مطار الفاشر حيث التقيت من يعرف ما يجري بشمال دارفور، لقد كانت الزيارة ضمن برامج الجامعة المبكرة لايجاد منابر فكرية اكاديمية للحوار حول آفاق حل أزمة دارفور الراهنة، والحق كان المنبر الذي اتخذ صورة ورشة العمل مميزاً حيث التقى افراد مستنيرين من الجنسين على درجة من التأهيل والخبرة، وهم يمثلون قادة رأى اكاديمي فكرى وثقافي واجتماعي وسياسي وإعلامي، وخلص المنبر الى ان الازمة هي ازمة سياسية ولا امكانية للنظر في حلها الا من خلال الحوار واطلاق الحريات وفك اسر المعتقلين سياسياً، والانغماس في برامج التنمية في اطار الفيدرالية اللا مركزية التي تحفظ للبلاد وحدتها وللاقليم خصوصيته.

تلك الصورة الممكنة التحقيق، محاصرة بواقع يجعل من دارفور امكانية ضياع، وهي في واقع اليوم ضائعة تماماً وسط آثار الحرب التي استمرت عاماً وقضت على عدد كبير من الناس دون اسباب كافية كما تشير التقارير الدولية، باللجوء الي دول الجوار والى النزوح الداخلي في اطراف المدن الكبيرة، وقد امكنني زيارة معسكر «كَلْما» التي تبعد حوالي سبعة عشر كيلو متر شرقي مدينة نيالا في اطراف محطة السكة الحديد المعروفة بـ(بليل)، في المعسكر ما يزيد عن الستة والعشرين ألف نازح، من مناطق وادي صالح وشرقي جبل مرة وبلدة مرشن، والقرى المجاورة لمدينة نيالا، والقضية المشتركة لكل النازحين هي ان الملشيات قامت بالعدوان علي القرى وحرقها وتشريد اهاليها وترويع اطفالها، ان ما شاهدته وسمعته من النازحين وعن احوالهم، ليس اقل بشاعة من جملة ما وعته ذاكرتي من احداث التاريخ المشابهة وهي بالتأكيد في بعض نواحيها افظع اذا ما تم نقاش الأمر في مجمله في سياق عقيدة الاستئصال بقسوة متناهية لقد سأل زميلي د. محمد محجوب أحد الاطفال عن امكانية عودته الي قريته، قال الطفل لا لن اعود لان الملشيات يذبحون الناس كما يذبح المرء الشاة لذا فان اكثر ما يرفضه النازحون ان يكونوا تحت حراسة عناصرالملشيات فيما يقبلون التعاون مع الاوروبيين مع علمهم بأنهم نصارى، لما يتميزون به من شعور بالانسانية تجاه الآخر.

ان خريطة الضياع الراهنة التي تشمل اكثر من ستة معسكرات مماثلة وبعضها اكثر عدداً كما هو الحال في معسكر مورني الذي يبلغ تعداده خمسة وسبعين ألف نازح، تكتمل صورتها البائسة انسانياً بعدم اكتمال ترتيبات الايواء اللائقة انسانياً، وعدم وجود الطعام والدواء الكافيين، وضعف الادارة التي لا تملك الا احصاء المطلوبات وحفظها، انها مسألة غاية في الخطورة وتمتد آثارها الى المدن في وقت اضحى الخريف ماثلاً، والعودة الآمنة الي القرى ما يزال مستحيلاً.

مع كل ذلك الحال ينبع من آلام النازحين الذين التقيناهم الأمل ان دارفور الاخرى الآمنة قادمة، والضائعة اليوم تشرق شمسها غداً رائعة، فاهل دارفور انفسهم ادركهم الوعى العميق انه لا مناص من المبادرة برؤى جريئة وان يقولوا على الملأ انهم قادرون للوصول بانفسهم الي مستقبل افضل بالتضامن مع غيرهم من السودانيين، انهم يملكون كل الثروات، يملكون المواهب الضرورية للقيادة بالتدريب والخبرة، وبمعنى ادق انه بوسعهم ان يكونوا تحت الشمس من جديد سواء أكانوا داخل السودان أو خارجه، لذا فان ما اطلقه النائب الاول من اشارة بشأن دارفور، يفهم على اعلى درجات المسئولية من ابناء دارفور، ان الدولة اخذت تتصالح مع مكوناتها الاساسية، وتنطلق بالجميع الي المستقبل، ودارفور افضل خياراتها تكمن في ان تصبح بدرجة اعلى من الخصوصية الثقافية والتنموية في اطار وطن واحد تتفاعل اجزاؤه للمضي بحالة التنوع الى افضل خيارات الوحدة بضمانات اقليمية ودولية ضرورية.