لواء ركن «م» صلاح مصطفى الأغبش
دارفور: الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك..! (2)
ذكرنا في المقال السابق ان قضية دارفور اصبحت امراً واقعاً وازمة قومية تصاعدت وتيرتها بصورة حادة ومتطورة، انتجت مأساة انسانية اصابت مواطني المنطقة على وجه الخصوص وعموم الوطن بصدمة ومرارة مضيفة جديداً لنكباتنا المتصلة وتنكأ جراحاتنا التي لم تندمل بعد. لقد مهدت تلك الازمة الطريق للتدويل والتدخل في شؤوننا الداخلية. كما وضحنا في المقال ان الاتفاق الذي تم بين المؤتمر الوطني وحزب الامة يشكل خطوة جادة في طريق التكامل السياسي لحلحلة مشاكلنا المصيرية بروح الفريق الوطني، ولو انها جاءت متأخرة بحسبان ان وقتا طويلاً قد ضاع دون ان نحسم بجدية تلك المشكلة..!
اقول ان وقتا طويلا قد ضاع، رغم ان الدولة شكلت لجنة مؤتمر دارفور وبعد فترة لجنة تقصي الحقائق واللتان تحتاجان لزمن ليس بالقصير لاكتمال اعمالهما الضخمة، وان ما قامت به الدولة وحزبها للاتفاق مع حزب الامة كان جديراً ان يكون قبل شهور من الآن حتى تستطيع من خلاله تجميع القوى السياسية الاخرى الفاعلة حتى يكتمل المشروع بالصيغة القومية لحاجته لافكار ورؤى متحدة للخروج من هذه الازمة.
لقد بدأت الحركة المسلحة في دارفور قبل اكثر من عام بصورة تعكس تماماً ان هناك عملاً منظماً ومدبراً وفقاً لاسس حرب العصابات واساليب الجماعات المتمردة لقضايا داخلية، فكانت انطلاقتها عنيفة وشرسة منذ احتلالها لمواقع حكومية وادارية وشرطية واحتلت بعض مواقع المواطنين في منطقة جبل مرة الوعرة، ثم اعلنت هويتها واهدافها لتنطلق بعد ذلك في عمليات اكثر جرأة وانفتاحاً وبمعينات حربية متوازنة حيث هاجمت مدينة الفاشر و منطقتها العسكرية وقياداتها ودمرت بعض طائراتها الحربية واسرت بعض القادة والجنود، ثم هربت الى قواعدها لتدير عملية مكثفة في مناطق اخرى في اقليم شمال دارفور.
لقد تركت تلك العمليات بصمات الحركة المسلحة التي سرعان ما وجدت المساندة الاعلامية المنتشرة التي ابرزت الدور الامريكي وبعض الاوربي على نطاق العالم وكانت النتيجة اتصال النزوح واللجوء لعدم الاستقرار والامن وخلقت واقعاً مأساوياً بتشريد المواطنين الذي اسفر عن حملة عالمية بصورة مطردة تدعو لمعالجة اوضاع اولئك المتضررين المحتاجين للغذاء والمأوى والخدمات الطبية.
ورغم ان الدولة تعلم جيداً الظروف التاريخية لدارفور ومتابعتها لها وخلفياتها، خاصة بعد مؤتمر المهمشين الذي عقد بالمانيا، كما ان اجهزة الدولة تدرك ابعاد العمل التخريبي - حسب معلوماتها - الذي يقوم بها انصار المؤتمر الشعبي، خاصة السيد علي الحاج و اتهام الحكومة له باستقطاب ابناء شمال دارفور ودعمهم.
وبالرغم من كل ذلك تصر الحكومة على انهم قطاع طرق وعصابات نهب مسلح وجماعات معزولة؟ الاّ انه تأكد خطأ ذلك فيما بعد، حيث ازدادت حركة المسلحين وتمددت واثبتت انها اكبر مما تعتقده اجهزة الدولة الحزبية والامنية. حينها قام مؤتمر دارفور بالفاشر واحتشدت فيه الكثير من القيادات والشخصيات الدارفورية والذي اكد علي حقيقتين، الاولى ان هناك مظالم تنموية وتطويرية اي ان هناك نوعاً من التهميش للاقليم، وثانياً ادانة العمل العسكري واللجوء الى الحوار الحضاري للوصول الى مخارج لهذه الازمة. وضاع وقت كبير وجهد كبير في معالجة الامر بالاجاويد والاتصالات باطراف المتمردين ولكن كل ذلك لم يثبت اي جدوى او انصياع المسلحين للمناشدات التي تمت.
ثم تتصاعد اعمال العنف والتطرف مع محاولات متعددة للتدخل الاجنبي. واضطرت الحكومة للقيام بعمليات عسكرية كبيرة للحد من نشاط التمرد وبسط سيطرة الدولة على المنطقة واعادة الطمأنينة الى المواطنين، ولو انها نجحت ميدانياً، الاّ ان حركة المسلحين انتشرت في مناطق ومدن اخرى مثيرة للفوضى وعدم الاستقرار وزعزعة امن المواطنين وقد طالت عمليات المتمردين بعض مناطق جنوب دارفور.
لقد اهتمت الدولة وحزبها بالامر وسعت لحل المشكلة ولكنها ركزت على الواجهة الامنية اكثر من تبني العمل السياسي في وقت واحد. و احسب ان التحرك السياسي كان يشوبه البطء الشديد ثم اعتمدت على الرئيس التشادي دبي والذي اجتهد واصاب نوعاً من النجاح المحدود الاّ ان نظامه اصبح الآن مستهدفاً - كما تشير المعلومات - من بعض ابناء الزغاوة الذين هم على صلة بالمتمردين مما شغل الحكومة التشادية والتي تقوم باعادة توفيق اوضاعها الداخلية وانشغالها بمشاكلها التي تعمل على معالجتها..
ثم بدأت الحكومة تعمل بردود الفعل كلما ازداد الضغط على الاقليم وكلما تصاعدت الحملات العالمية المضادة. حيث قامت بتشكيل لجنة للاعداد لمؤتمر دارفور بعد فترة زمنية طويلة وهي بدورها اي لجنة الاعداد تحتاج لوقت اكبر ليس في مصلحة القضية. ثم تتصاعد الحملات الخارجية ودوائر الامم المتحدة ومن بعض القوى الداخلية باتهام الحكومة باستغلال المليشيات العربية - الجنجوديد - في مواجهتها للمتمردين في اقليم شمال دارفور، فاضطرت الحكومة مؤخراً لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق والمعلومات ورغم ان تلك اللجنة وجدت ارتياحاً وقبولاً وتأييداً كبيراً لحيدتها وكفاءة اعضائها وقوميتها، الاّ انها كانت كذلك متأخرة جداً، ثم تم الاتفاق الاخير بين حزب المؤتمر الوطني وحزب الامة للاتفاق على رؤية موحدة لحل مشكلة دارفور.
كل ذلك الحراك الحكومي ولو انه كان بطيئاً الا انه يثير الكثير من الاستفسارات والاسئلة الملحة من حيث تضارب اختصاصات اللجان وهل ستنتظر لجنة التحضير للمؤتمر نتائج تقارير لجنة تقصي الحقائق؟ ام ستواصل عملها دون انتهاء لجنة تقصي الحقائق من مسؤوليتها المحددة باجندة مهمة تختص بتقصي الحقائق والمعلومات عن المشكلة واطرافها واي اخطاء من الجانبين وحقائق اخرى عن المليشيات الموسومة بتنسيقها مع الدولة؟
واتفاق المؤتمر الوطني وحزب الامة هل سيكون مقتصرا عليها ام ان هناك محاولات لدعوة القوى السياسية الاخرى والفاعلة للانضمام اليه؟ وهل ذلك الاتفاق يتفرد بمسؤلياته بعيداً عن لجنة التحضير للمؤتمر ام مكملاً لها؟ وحتى لا نتوه في اسئلة واستفسارات كثيرة قد تعيق خطوات مواجهة واحتواء تلك الازمة قبل ان تدخل مرة اخرى في متاهات الحلول الاقليمية والتي بدأت بالفعل من تشاد، ثم افرزت قوات حفظ سلام افريقية لمراقبة وقف اطلاق النار وقد كانت الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما من خلف اجتماعات تشاد واخشى ان يقودنا التلكؤ الى ايقاد جديدة حيث ان الموقف الماثل شبيه بالايقاد من حيث الوساطة الافريقية عن طريق تشاد والمراقبة والمتابعة من الولايات المتحدة ودول اوربية وافريقية اخرى.
وعلينا الآن وباعجل ما يمكن بعد ان توصلنا الى اتفاق السلام مع الحركة الشعبية ان نستفيد من تلك التجربة والمحافظة على قوة الاندفاع التي افرزتها تلك الاتفاقية وقبولها وتأييدها لكل القوى السياسية حتى المعارضة ومن كل صنوف المجتمع المدني وجموع الشعب السوداني لتتكاتف على حل هذه الازمة سودانياً، فالوقت يداهمنا ولا نريد ان نجعل من مشكلة دارفور خطراً مؤجلاً في المستقبل ودون ان نبقي الامور مرهونة باوقاتها.
ان عدم البت في تلك الازمة ان لم نستعجله سيجعلنا في دوامة الحرب بلا نهاية.. علينا ان نستوعب اهمية الوقت تبعاً للاحوال الراهنة والمستجدات الملحة والداهمة من حولنا وعلينا ان ندرك كيف نقرأ ابعاد تلك الازمة سياسياً وامنياً وكيف نرى صور التدخل الخارجي الذي ربما يُفرض علينا! وعلينا ان نلجم المشكلة بالسرعة المطلوبة حتى لا تنفجر الساحة الداخلية وتهدد وحدتنا الوطنية التي نتعشم ان تقوى بعد اتفاق السلام الذي تنادينا اليه وباركناه جميعاً وعلينا ان نستوعب حجم الحملة العالمية المتصاعدة والتي ترمي الى تأليب الرأي العام العالمي ضدنا.
اذا كنا الآن على اعتاب عمل قومي فيه متسع للجميع بعد الاتفاق الاخير بين الحكومة والحركة الشعبية وجب علينا ان نحمل على رؤوسنا حكومة ومعارضة ادراك حقيقي وكافٍ لحل سوداني وعادل لقضية دارفور يأتي قبل فوات الاوان وليكون حلاً قومياً وليس حكومياً او حزبياً او جهوياً فحسب بل من حتميات المستقبل ليخرجنا من المكايدات والتشنج الى فضاء سياسي قومي يحتضن نواة حلول عادلة وشاملة ليس لدارفور وحدها ولكن لكل مشاكل البلاد..
ارى من الملح جداً ان نستعجل خطواتنا لحل تلك الازمة فالوقت ليس في مصلحتنا وانه من المهم جداً ان يعيد المسلحون الدارفوريون النظر في نهجهم العسكري وفي التطرف و العنف والتوازن في مطالبهم بنزعة وطنية وبحس قومي متجرد وحوار حضاري وليعلموا ان الحلول العسكرية لا تجدي لنيل المطالب وحتى يكفوا اهلهم واهلنا في دارفور شرور الحرب ومآلاتها ومآسيها.. وليعلموا ان القوى الخارجية المضادة والمتربصة تختبئ وراء قضايانا لتبث بيننا الفرقة والشقاق ليدفع وطننا ثمناً باهظاً في المستقبل!
لقد اكدت الدولة على حقيقة الاعتراف ببعض مطالبكم واعترافها بكيانكم وقبولها للجلوس للحلول بالحوار. والاحزاب الاخرى المؤتلفة مع الحكومة والمعارضة لها اكدت على وجود قضية واستعدادها للتفاوض من اجل الوصول الى حلول مرضية وعادلة وفقاً لقواعد السلام الذي يعتمد على الحوار والتفاكر. وخلافاً لكل ذلك فان ابناء منطقة دارفور جميعها يقفون خلف الحلول السلمية مع اعترافهم بوجود مشكلة تنموية وسياسية تحتاج للحسم والمعالجة الشاملة.
ان كانت كل تلك الضمانات والمناشدات لا تقنعكم فدون ذلك الا العناد الذي يقود الى العزل وتراخي الصفوف ضدكم حكومة ومعارضة وشعباً! وعلى الحكومة في ذات الوقت ان تعيد النظر في سياستها لتنادي على كل انواع الطيف السياسي بمعارضته ومجتمعه المدني للجلوس سوياً لبلورة رؤى وافكار موحدة لمعالجة الازمة تحت مظلة القومية وعلى أسس عادلة ومقنعة دون عزل او حجر لاي اراء معارضة مهما كان حجمها. وعلى الحكومة ان تحذو نفس حذوها مع حزب الامة بدعوة الآخرين من منطلق ما تم الاتفاق عليه، فهذا الانجاز وحده هو القادر علي لملمة الشمل القومي لمواجهة مشاكلنا المصيرية وعلى الجميع ان يستفيدوا من مناخ السلام وافراحه التي يعيشها الشعب السوداني لنكسب الزمن والتوافق الى حلول قومية تكون مصيراً لمستقبلنا الذي نتفاءل ان يكون ديمقراطياً وقومياً ولطالما روى التاريخ ان الساعات الاشد حراجة في تاريخ الشعوب، كثيراً ما تكون الاكثر اثراً في تجديد روحها واطلاقها من جديد في حياة المسؤولية والوطنية ومحاسبة الذات قبل محاسبة الغير.
الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك..
ü المدير السابق للاستخبارات العسكرية
المصدر: الراي العام