|
الجمعة4يونيو2004 |
الملك عاريا Le voi est nu
المحاولة الانقلابية الغامضة في انجامينا تكشف الطبيعة العشائرية للنظام
بقلم : كريستوف بوازبوفييه
ترجمة : أبو سيمازه
في التاسع عشر من مايو ، وعبر الاذاعة الوطنية التشادية ، يجيء صوت الرئيس ادريس ديبي ، احتفالياً ،وحاداً مثل سكين : ليعلن (أن مجموعة من الضباط المتعصبين ، المنقادين للغير ، حاولت تقويض الجمهورية . وكان هدفها غير المعلن هو اغتيال رئيس الدولة) هل كان هناك من يريد قتل الرئيس ؟ في ذلك المساء ، كان الكثير من التشاديين الذين استمعوا للمذياع ، غير مصدقين . ما هي تلك المحاولة الانقلابية التي لا يقتل فيها أحد ، ويطلق سراح كل المتآمرين المفترض مشاركتهم فيها . ومع ذلك ، وبالرغم من المظاهر التي بدت على السطح ، فان السلطة قد اهتزت بالفعل مساء 16 مايو .وللمرة الأولى ، منذ وصوله للسلطة في الأول من ديسمبر عام 1990 ، يتملك الرئيس ديبي خوف شديد.
ففي يوم الأحد 16 مايو ، عاد الرئيس من باماكو ، حيث حضر قمة (س ، ص) ، وبناء على تحذير من أحد مقربيه ، ادرك أن الجيش يعد لانقلاب . التهديد جرى ويأتي من داخل القوات المسلحة ، ومن عشيرته شخصياً . المتمردون من الزغاوة ، مثله . من مقاتلي شرق تشاد الذين وقفوا إلى جانبه منذ اكثر من عشرين عاماً . فقد رافقوه ، عام 1982، حتى انجمينا ، في مسيرة ظافرة. حملت حسين هبري للسلطة . وفي 1986م ، انطلقوا في معيته على متن مركبات 4 * 4 ، المزودة بالصواريخ ، والتي اثبتت فعاليتها بجانب الدبابات الليبية في الهضاب الصحراوية في الشمال التشادي ، وفي عام 1990م ، ساروا تحت قيادته مجدداً حتى انجمينا لطرد حسين هبري من السلطة. أما هذه المرة ، فهم لا ينقادون لأحد . وانما يثورون لانفسهم .
في الساعة «17» من اليوم السادس عشر من مايو ، قرر أدريس ديبي أن يتخذ موقعه في الواجهة فاطلق حملتين من الاعتقالات : في معسكر أم سنينه Amsinene ، على المدخل الشمالي الغربي للعاصمة ، وفي محيط القصر الجمهوري. حيث تم توقيف عشرين من نخبة الحرس الرئاسي ، على بعد مائة متر من مقرات سكنهم . أما المتآمرون ،إن افلتوا من الاعتقال أو التوقيف ، فقد تجمعوا ثانية بالقرب من قصر 15 يناير ، في الاحياء الواقعة شرقي العاصمة. ويقدر عددهم بعشرين ، تنقلهم ما بين 6 إلى 8 عربات 4 * 4 . وينتمون إلى ثلاث من تشكيلات النخبة ، وهي الحرس الجمهوري ، والحرس الرئاسي ، والهجانة . كانت المواجهة مع القوات الموالية ، قد ترتبت ، غير انها لم تحدث ، ليس بسبب احباط تلك الترتيبات ،ولكن المعركة المنظمة قد تم تفاديها.
في الثانية صباحاً ،جرى انزال المتمردين من مركباتهم ، وانسحابهم إلى ناحية منجفة Mandjafa ، على بعد عشرين كلم إلى الشرق من انجمينا. انذار روتيني تم تعميمه . في ذلك الوقت ، ولكن لم ينته كل شيء . فالزغاوة الذين بقوا مخلصين لرئيس الدولة ، رفضوا اطلاق النار على اخوانهم المتمردين. فلا مكان للقتال داخل الاسرة الواحدة . لذلك اضطر دبي للتفاوض . وبعد 48 ساعة من الثرثرة ، عاد العشرون الذين انسحبوا إلى منجفة إلى ثكناتهم ، وتم اطلاق سراح كل الجنود الذين تم اعتقالهم في بداية الازمة . في التاسع عشر من مايو ، اعلن الرئيس عبر الاذاعة الوطنية ، أن الجيش قد تمكن من اعادة النظام والأمن دون اراقة دماء . لقد استعاد الرئيس سيطرته على الاوضاع ، ولكن إلى متى ؟
في حقيقة الأمر ، فان ادريس ديبي ، هو أول من يعلم بأن لا شيء قد تمت تسويته في العمق ، مثلما يعلم ، وبعيداً عن البيانات الرسمية ، أن دفع المرتبات لا يكفي لاستعادة الهدوء في الثكنات. فالتمرد سياسي ، قبل أي شيء آخر. وقد جاء من دارفور ، من السودان . فمنذ عام ، غضب زغاوة تشاد اذ أن اخوانهم في السودان في ثورة ضد السلطة في الخرطوم ، لكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على المنطقة شبه الصحراوية في غربي السودان. وعلى العكس من ذلك ، فان المليشيات العربية الموالية للحكومة ، هي التي كان لها الغلبة ، مما ادى إلى لجوء مائة الف من الزغاوة مع قطعانهم إلى تشاد . في بداية حرب دارفور ، اكتفى زغاوة تشاد بتوفير امدادات السلاح والذخيرة لاخوانهم متمردي الحركة من اجل العدالة والمساواة ، وحركة تحرير السودان. ولكن مع تغير سير المعارك نحو الأسوأ ، فان زغاوة الجيش التشادي ، لم يترددوا في اجتياز الحدود للقتال إلى جانب اخوتهم ضد المليشيات العربية .
وفي نهاية ابريل ، غادر انجمينا ، وبدون اى تخويل رسمي ، مائة وستون ضابطاً وجندياً من الزغاوة إلى مدينة باهاي Bahai الحدودية ، ومن ثم الالتحاق بالجبهة . فالحيادية التي أظهرها الرئيس ديبي ازاء هذا النزاع ، لم تكن مقبولة بالنسبة لهم وقد طلبوا منه ، اوائل مايو ، أن يتخلى عن دوره كوسيط في هذا النزاع وارسال قوة مسلحة إلى السودان ، لتقديم المساندة والدعم للمتمردين. لكنه ماطل وعند منتصف مايو ، اتخذ الرئيس ديبي قرارين لهما نتائجهما الثقيلة . فقد ابعد من العاصمة انجمينا اثنين من ممولي المتمردين السودانيين ، كانا يقومان بتنظيم جمع الاموال. ووافق على مقترح من نظيره السوداني ،عمر البشير ، على حشد قوة مشتركة لتقوم باعمال الدورية على الحدود ، ويستثنى من تشكيل القوة الجنود من العرب والزغاوة ، بالنسبة لرجال الحرس الجمهوري كان ذلك بمثابة المنديل الأحمر واشارة البدء بتمرد 16 مايو..
أما بالنسبة لادريس ديبي ، فان الأمر الاكثر اثارة للقلق ، هو أن مهد التمرد داخل عائلته . فما هي الادوار التي يضطلع بها في انجمينا اخو ، غير الشقيق دوسا ديبي Daoussa Deby المعروف بتعاطفه مع متمردي دارفور ، وكذا ابن عمه (وخاله Cousin) توم حرديمي Tom Herdimi ، المنسق النافذ لمشروع البترول ؟ فالاثنان يتصفان بالحذق والفطانة .
ويبدو أن الاثنين ، قد وظفا علاقاتهما للقيام بدور الوسيط بين القصر والمتمردين. غير أن الانظار كانت تتجه نحو أخ ، آخر ، غير شقيق لرئيس الدولة ، هو تيمان ديبي Timane Deby ويقيم في قلب دار الزغاوة ، وهو الزعيم الديني لباهاي Bahai القريبة من الحدود السودانية . أما ابن عم (أو خال) تيمان ديبي فما هو إلا الدكتور خليل ابراهيم ومؤسس ورئيس الحركة من اجل العدالة والمساواة (MJH) ، رفيق الدرب السابق للمعارض الاسلامي حسن الترابي . وخليل ابراهيم ، شخصيه مفتاحية لتمرد دارفور . فاذا لم يتخذ الرئيس ديبي كامل حيطته ، فانه سيقع في شرك عنكبوت حقيقي.
وللخروج من هذا الفخ ، فان الرئيس ديبي ، لا يتردد ، اليوم ، في النزوع نحو الدرامية . فهو يصرخ من محاولة اغتيال لا زالت بحاجة إلى ما يؤكدها - بأمل لاشك فيه ، هو لفت انتباه المجتمع الدولي واستدعاء الفرنسيين والامريكان لمزيد من المساندة والوقوف بجانبه.
صحيح أن الرئيس بوش يحتاج لفترة من الهدوء في دارفور ، للحصول على اتفاقية سلام بين شمال السودان وجنوبه ، ولمحاولة تحسين صورته في المسرح العالمي ، لكن هذه الازمة الحادة تحتمل أن تترك العديد من مضاعفاتها للرئيس التشادي.
فادريس ديبي يريد مراجعة الدستور ليتمكن من ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة في عام 2006م ، ومن المفترض أن يكون مشروع قانون بهذا المعنى ، قد تم تقديمه للبرلمان في 26 مايو . لقد أصبح كل شيء مفهوماً اليوم. فالمعارضة تقوم الرأس وتعدله . فبعد أزمة العائلة في 16 مايو ، فان نظام ديبي يظهر على طبيعته : الدولة عشائرية ، والملك عارياً.
جون افريك لا نتلجان.
المصدر : الرأي العام