أخطاء الحركات الثورية لا تبرر فظائع
(الجنجويد) ضد الإنسانية في دار فور يا آدم محمد إسماعيل الهلباوي
قرأت مقال الأستاذ / آدم محمد إسماعيل الهلباوى بموقع Sudanile المميز بتاريخ
29 مايو الماضي ، بعنوان أخطاء حاملي السلاح الاستراتيجية إقصاء الأخر (2) في
تحديد الهوية و الانتماء لقبائل دار فور الفتية ، شئ طيب ظهور أقلام مختلفة
وكثيرة من أبناء دار فور تهتم بشان أزمة دار فور الملتهبة حتى الآن ، ومع
الإيمان التام بحرية الرأي و احترام الرأي المخالف إلا أن أكثر ما يؤرق الجميع هو
المغالطات ، و لي عنق الحقيقة الظاهرة في كتابات بعض هذه الأقلام في تبريرها
لجرائم مليشيات (الجنجويد) ، نتفق مع كاتب المقال بأن هذه الأزمة الدائرة
الآن هي نتائج لتجاهل هذه الحكومة والحكومات السابقة لمرامي وأسباب قيام الحركات
السابقة مثل حركة الشهيد داود بولاد ، وانشقاق أمين بناني ، وعدم تشييد
طريق الغرب ، وعدم السيطرة علي ظاهرة النهب المسلح عند بداية ظهورها ،
وأسباب هجرة عباقرة دار فور مثل حاكم الإقليم السابق الأستاذ / أحمد إبراهيم
دريح ، والبر وفسر شريف حرير، هذا زيادة علي التهميش الواقع علي
الإقليم بصورة واضحة من قبل المركز. نعم كل هذه مؤشرات مهمة يجب الوقوف عندها ،
إلا أنها لم تمثل جل مسببات الأزمة الحالية ، فمشكلة الهوية التي يعيشها
العرب بصورة عامة في السودان ، واستغلال
المركز لهذه العقدة للكسب السياسي الداخلي ، هما من ضمن أسباب الانفلات
الأمني في دار فور ، إضافة إلي مقايضة المركز دعم بعض الجماعات العربية في
دار فور لها مقابل تنفيذ أطماعها بتوسيع ديارها (ألحوا كير) وإيجاد (حوا كير)
جديدة لبنو عمومتها القادمة حديثا من الدول المجاورة مثل دولة تشاد و ذلك على حساب
القبائل الغير عربية ، لذا كثيرا ما تغض الحكومة الطرف عن اعتداءات القبائل
العربية على غيرهم داخل الإقليم وبالتالي تفشي ظاهرة الانفلات الأمني المشار إليها
أعلاه. ظهر ما يسمي بالتجمع العربي باجندته الواضحة (وهي استئصال الأخر والسيطرة
علي
كل شئ مع تغيير اسم الإقليم ، مع العلم أن التاريخ السوداني والعالمي محتفظ
بمسمي دار فور لإسهام تلك المملكة في صناعة ومقاومة المستعمر لفترات طويلة يدركها
الجميع) في أيام حكومة الصادق المهدى ، ونتيجة لذلك تغير نهج الاحتكاكات التي
كانت تحدث أحيانا بين المزارع والراعي والتي بمقدور الإدارة الأهلية حلها وفق
الأعراف السائدة هناك، إلى مشاكل قتل جماعي للأبرياء و حرق للقرى الآمنة،
ففي حرب (الفور والعرب) في أواخر الثمانينيات ، ثم حرب (المساليت والعرب) في
عهد الإنقاذ ، ثم الفظائع التي لا زالت ترتكبها مليشيات (الجنجويد) حتى الآن لم
تكون أي من هذه الحروب حرب طرفين و إنما كان دائما الطرف العربي هو الذي يفتعل
الحرب ويقوم بقتل الأخر وحرق القرى وتدمير الممتلكات، فالمعروف في قبائل
(الفور و المساليت) تعيش مسالمة ولم يحدث أن بدأت هي بمهاجمة (فرقان) العرب ،
مع العلم بأنها هي التي استضافتهم في ديارها ووزعت لهم (الحواكير) ليعمروها وتمت
حمايتهم حتى من بني أعمامهم بخلق نظارات وعموديات تطالب بحقوقهم وتدخلهم الحياة
المتحضرة.
واصل التجمع العربي في تنفيذ اجندته و ذلك مع تغير أسلوبه حسب علاقته بالمركز ،
ففي بداية الإنقاذ وبعد الصلح الذي قامت به الحكومة في 1991م انتهج التجمع العربي
أسلوب القتل الانتقائي لأفراد القبائل الغير عربية ثم حرق المزارع بدعوى الاحتكاكات
بين المزارع والراعي، إلى أن تطابقت المصالح بينه والحكومة الحالية في
السنوات الأخيرة بعد الضغط الدولي علي الحكومة بضرورة إيجاد حل لمشكلة الجنوب ،
وتبني الحكومة سياسة فرق تسد في دار فور لأشغال الإقليم بمشاكله الداخلية حتى لا
يتسنى لأبنائه التوحد و السير في خطى الجنوبيين و المطالبة بحقهم من الثروة و
السلطة لتنمية اقليمهم ، ولذلك أهملت الحكومة النواحي الأمنية في دار فور
بصورة واضحة ، وقد كان التجمع العربي حاضرا في تنفيذ مخططات
الحكومة مقابل تنفيذ أجندته الخفية ، حيث عمت الفوضى والانفلات الأمني بصورة
لم يسبق لها مثيل.
في ظل هذا الانفلات الأمني المريع في دار فور ، مع التهميش الكامل للإقليم
وابعاده عن طاولة توزيع السلطة والثروة ، ومع وجود المستنيرين من أبناء دار
فور العارفين ببواطن الأمور والغيورين على أهلهم ، كان لابد من قيام الحركات
الثورية التي نراها اليوم ، ظنت الحكومة بأن مآربها في دار فور قد تحققت
بظهور هذه الحركات فتحايلت علي كل دعوات الحل السلمي والاعتراف بأن المشكلة سياسية
و ليس قطاع طرق وعصابات نهب مسلح كما كانت تدعي ، فأطلقت يد التجمع العربي
بعد أن تحول إلى مليشيات (الجنجويد) ظنا منها أن تتحول دار فور إلى محرقة ينتهي
فيها جميع أبنائها وهي بعيدة كل البعد عن المسرح فقط تأخذ دور المتفرج ، ولكن
هيهات أن ينجر ثوار دار فور إلى هذه المكائد الخبيثة ، ولكن وكما هو متوقع
ظنت
مليشيات (الجنجويد) إن هذه الفرصة المطلوبة لتنفيذ كامل اجندتها ، فوجهت كامل
قواها إلى القرى الآمنة حيث مساكن الأبرياء من غير العرب فارتكبت المجازر الجماعية
في حق الأطفال ، والنساء ، والشيوخ ، واغتصاب النساء ، وحرق
القرى ، وتدمير الممتلكات ، ونهب للأموال ، وتشريد مئات الآلاف
من الأبرياء من ديارهم ، حتى إن جميع المنظمات الإنسانية الغربية وجامعة
الدول العربية أدانت فظائع (الجنجويد) وسلوكهم الذي لا يمت إلى القيم والأخلاق
الإنسانية ولا الدينية بصلة ، بل إن مليشيات الجنجويد لا وازع ديني ولا
أخلاقي لها، مما جعل مجلس الأمن الدولي ، والأمم المتحدة ، والجامعة
العربية تطالب الحكومة السودانية بالسيطرة علي مليشيات (الجنجويد) وتجريدها من
السلاح وابعادها من دارفور.
ظهرت هذه الحركات الثورية باجندة سياسية واضحة وهى المطالبة بالعدل والمساواة في
السلطة والثروة والتنمية العادلة في ظل دولة واحدة يتساوى فيها الجميع في الحقوق
والواجبات، ثم بدأت عملياتها مباشرة ضد الحكومة فقط واضطرت اضطرارا لمواجهة
(الجنجويد) الذين بداوا بنهب الممتلكات والتي لم ينجو من نهبهم حتى بعض القبائل
العربية والدليل واضح السرقات التي قام بها (الجنجويد) في منطقة الضعين وداخلها،
ومليشيات (الجنجويد) التي تهاجم المواطنين الأبرياء ، لم توجه هذه الحركات في
أي يوم من الأيام عملياتها ضد المواطني بل كانت تستقبل شكاوى المواطنين وتعيد لهم
ما سرق بواسطة (الجنجويد) الذين انحدر اغلبهم من داخل السجون لقضايا تعلقت بالأمانة
والشرف ، والشاهد أن الحركة لم تحرق مدينة ، أو
قرية ، أو (فريق) ، خلافا لما ذكره الكاتب بأن الحركة ضربت المواطنين
في (قمر كلبس..البرتى الطويشة..والهبانية برام) ، لقد أوضحت الحركة في بيانات
سابقة لها أهدافها في دخولها للمناطق المذكورة بل أن الحركات الثورية تتمتع حتى
اللحظة باحترام غالبية أهل دار فور ، واحترام المجتمع الدولي الذي ضغط علي
الحكومة بأن تعترف بها وتجلس معها لإيجاد هل لهذه الأزمة سياسيا ، أيضا
تحترمها الجامعة العربية وقد كان ذلك واضح في قرارها الأخير في هذا الشأن بعد زيارة
وفدها إلى دار فور.
ذكر الكاتب بأن الحركة لم تجرى أي تفاوض أو تعقد معاهدة مع قبائل دار فور غير
المحاربة للسلطة ، ولتوضيح هذا نستدل ببعض الفقرات من كلمة القائد العام لجيش
حركة تحرير السودان الشهيد / عبد الله أبكر أمام مؤتمر قار سيلا التشاوري في 14
أكتوبر 20003 ، حيث قال:-
(و أنا لست فارسا و لا سياسيا و لكن أرفض الظلم و لهذا فجرنا الثورة. بخصوص العرب
الجنجويد هم إخواننا، و أرسلنا لهم الوفود، بيني و بين كل القبائل المجاورة قسم ،
أولاد تاكو، جلول، مهريه، شيخ عبد الباقي إلا قبيلة واحدة فرت منا، سألتهم إن كانوا
يقاتلوننا، الحكومة وعدتهم بالمناصب، و قالت ليس لديهم أبناء متعلمين يكفون لفتح
مدرسة، غدا سيفهمون قضيتهم كما فهمنا، نحن دائما نفهم متأخرين و لكن الفهم المبكر
أفضل، لا تيئسوا منهم، واصولوهم، أرسلوا لهم الوفود فهم إخوانكم و سودانيون مثلكم،
و مظلومون مثلكم، مساكين خدعتهم الحكومة بالسلاح و المال لأنهم لا يملكون شيئا. فإن
كان على الرعي، فهم رعاة أكثر منا، و إن كان على الفقر فهم فقراء أكثر منا، أخبروهم
بأن القتال ليس في مصلحتهم. عندما سلحتهم الحكومة ضد الزغاوة لم يحققوا نصرا، فما
بالهم يقاتلون ثورة لديها أهداف وعلاقات و جيوش و عتاد. إن موت العرب ليس في
مصلحتنا، بيننا و بينهم روابط،
مهما اختلفنا سوف نتصالح يوما ما، حدث هذا في الماضي.
بالأمس حاولوا نهب أموال من الجارة تشاد، و لكن الحكومة التشادية قتلتهم، وجردت
أموالهم، هذه الخسائر لا ترضينا لأن الموتى سودانيون و المال سوداني، أما الجلابة
الذين يحرشونهم فسيفرون إلى الخرطوم تاركين العرب يواجهون المصير السيء وحدهم. إن
الوعي نصيب من العلم، اليوم جاءنا الرزيقات بلا دعوة، و كذلك الفلاته و هذا أكبر
دليل على أنهم مهمشون مثلكم، وتم خداعهم مثلكم، و الحمد لله الوعي متزايد و الثورة
تتمدد) ، (وسوف نرسل لك النص الكامل لهذه الكلمة عن طريق بريدك الإلكتروني).
لم تكن الحركة محصورة فقط في قبائل (الفور ، والمساليت ، والزغاوة) ،
فقد ذكر قائد الحركة الأستاذ / عبد الواحد محمد نور في حواره الصحفي بجريدة الحياة
منتصف الشهر الماضي بأن الحركة تضم جميع القبائل الأفريقية و بعض القبائل العربية
مثل الرزيقات ، والبني هلبه ، والهبانيه ، ومصداقا لهذا فقد قال
وزير الخارجية السوداني الدكتور مصطفي إسماعيل في برنامج الواجهة في الفضائية
السودانية في الشهر الماضي أن قائد مجموعة التمرد الذي دخل برام هو من أبناء
الرزيقات، إضافة إلى أن الناطق الرسمي باسم حركة تحرير السودان الأستاذ /
حسن
منديلا معروف من أبناء العرب.
الكاتب يأمن علي قضية الحركة الأساسية وهي قضية (تنمية المنطقة) أي بمعني اشمل أن
القضية سياسية وليست مشكلة قبلية ، بينما نراه يبرر ظهور (الجنجويد) بضرب
الحركة لرعايا (موسى هلال) ولا يدين فظائع الجنجويد!!!!؟؟؟.
الأخ الهلباوى من الطبيعي جدا ظهور أخطاء في بداية أي حركة ثورية ، وفي كل
الأحوال ومهما تكن من أخطاء في هذه الثورات إلا أنه لا مبرر لفظائع هذه الفئة
الضالة من (الجنجويد) مما ترتكبه من جرائم تهدد به حياة الكل في دار فور وتدخل
السودان في نفق مظلم لا مخرج منه إلا بهلاك الجميع. ولكي نخرج من هذه الأزمة لابد
للمثقفين من أبناء القبائل العربية الذين يؤيدون (الجنجويد) الوقوف مع ذاتهم كثيرا
، فحل الأزمة واضح بيدهم قبل أن يكون بيد الحكومة ، كما يجب علي جميع
المستنيرين من أبناء القبائل العربية استنكار ما تقوم به مليشيات (الجنجويد)
المارقة من جرائم ضد الإنسانية ، ومحاصرتها وتقديم كل من أرتكب جريمة بحق
الأبرياء إلى المحاسبة ، وأن لا كبرياء فوق الحق حتى تصفو النفوس وتتحقق وحدة
دار فور وبالتالي التنمية والعدل للجميع ووحدة السودان عامة.
مهندس/ محمد أحمد عبد الله