لواء ركن «م» صلاح مصطفى الأغبش

دارفور: الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك..؟ ( 1 - 2)
ليس هذا مجالاً للاستفاضة و العودة الى تاريخ مشكلة دارفور والتطورات والتعقيدات التي لازمتها، فقد تطرقت الكثير من التقارير والاقلام بقدر كبير من الخلفيات والمعلومات الى هذا الامر الى ان وصل الى حد الازمة الحالية التي نعيشها بمثابة اضافة حقيقية الى نكباتنا وهمومنا الوطنية بعد ان اتخذ بعض اهالي الاقليم العنف والصدام المسلح ضد الدولة وسيلة لنيل حقوقهم التي يرونها ملحة وللتبصير بمظالمهم وتهميشهم..!
وكان نتاج ذلك العنف مواجهة ضارية بينهم والحكومة من جهة وبينهم وبين مليشيات من دارفور من جهة اخرى كان نتاجها دماً و موتاً.. ودماراً و تخريباً ادى الى هجر الديار التي قادت الى اللجوء والنزوح الذي خلق ظروفاً مأساوية ادت الى الجوع والمرض والقلق والتوتر النفسي والمعنوي ثم الاحباط وبالطبع فقد ساعدت تلك المآسي الانسانية الى التدخل الخارجي اعلامياً وسياسياً وان كان ظاهره العون والاغاثة الانسانية والتخفيف على المتضررين، الاّ ان باطنه يضمر الى فرض الضغوط على السودان وصولاً الى اضعافه وتفكيكه لتصل الحجة اخيراً الى التصفية العرقية التي يقوم بها العرب ضد العنصر غير العربي بالاقليم..!
حقيقة ان النسيج الاجتماعي بدارفور هو خليط من القبائل العربية وغير العربية، وحقيقة ان هناك تاريخاً من الثأرات القديمة بين الرعاة والمزارعين.. ولكن التربص بالبلاد وجد ضالته ليستغلوا ذلك الموقف لدعم حملاتهم ضد السودان وضد العرب..
لقد اصبحت مشكلة دارفور الآن ساحة مفتوحة للتدخل الاجنبي، شئنا ام ابينا حتى وصلت الى مداها لاروقة الامم المتحدة ومنظماتها! وتجاذبتها الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها بريطانيا والعديد من الدول الاوربية والاقليمية حتى ادخلتها الى لجنة الحقوق الانسانية كموضوع لادانة الحكومة السودانية واتخاذ اجراءات عقابية ضدها في الاشهر الماضية.. ولكن قدر الله ان يتحاشى السودان مشروع الادانة، على ان يبقى الامر مفتوحاً للمزيد من التقصي والتحري والدراسة.. اي ما زالت البلاد بين فكي كماشة الادانة..
وما كان من الولايات المتحدة التي فشلت في مشروع الادانة ان تواصل جهودها لاثارة الامر من جديد عن طريق مجلس الامن الدولي ليتخذ المجلس قرارات الادانة ثم التدخل..
المهم ان هذه المشكلة ما زالت تراوح مكانها وتتصاعد وتيرتها رغم الاتفاقيات التي ابرمت بين الحكومة والمسلحين التي كان نتاجها وقف اطلاق النار وتمديده مرة اخرى بينما تتواصل الاتهامات بين الطرفين لانتهاكات اتفاقية وقف اطلاق النار الذي ترعاه وتتعهده الدول الافريقية بسلحفائية وبطئ شديدين.
لقد بدأت حركة المقاتلين عنيفة ومتطرفة بعد احتلالها لبعض المواقع وفرض سيطرتها عليها واعلانها لحركتها ومطالبها، وعززت مواجهتها المسلحة ضد القوات المسلحة والشرطة حتى وصلت مدينة الفاشر وتنطلق الى مناطق اخرى وتفرض وجودها في ساحة شمال دارفور حتى حدودها الطرفية مع دولة تشاد وبالمقابل ما كان على الدولة الا القيام بواجبها ومسؤوليتها تجاه حماية اراضيها ومواطنيها ومطاردة المتمردين بعمليات مكثفة ورادعة، التي افرزت نتائجها العنف والعنف المضاد والفعل وردة الفعل مما جعل منطقة شمال دارفور منطقة غير آمنة وغير مستقرة ادت الى افراغ معظم قراها وبلداتها من سكانها الذين آثروا الهروب من ويلات الحرب الدائرة الى مناطق آمنة وعادت المنطقة الى ساحة للنزوح او اللجوء الى دولة تشاد الحدودية بعد ان فقدوا المأوى والممتلكات ولاذوا بجلدهم المنكوب بالجوع والعطش والمرض..! ومما زاد التوتر وامتداد رقعة الحرب وجود المليشيات المسلحة الموجودة منذ فترة بالمنطقة على النزاع على الارض والمرعى التي تسلحت منذ امد طويل لمواجهة تلك النزاعات التقليدية التي تضاعفت في السنوات الاخيرة.
ربما تكون الحكومة قد اصابت نجاحاً ميدانياً ضد المقاتلين، ولكن هذا لا يمنع من وقف التدهور الامني في مثل هذه الحروب الداخلية، خاصة وان المقاتلين يجدون الدعم اللوجستي من بعض الجهات والدعم السياسي والمعنوي من الولايات المتحدة وكثير من الدول الاوربية التي تتعاطف معهم بطرق مختلفة، اضافة للتأييد الذي يجدوه من بعض ابناء دارفور..!
ازاء هذا الموقف الذي وصلت اليه القضية، كان هناك حلان لا ثالت لهما، وهما اما الحل بواسطة البندقية اي الحل بالقوة، و اما بالمعالجة السياسية. لقد اثبتت التجارب سواء عالمياً او في السودان ان الحل العسكري غير وارد اطلاقاً في حسم المشكلة، بل انه قد يعقد الازمة وتزيد المعاناة واطالة امد الحرب وبالتالي اصبح الحل السياسي هو الاكثر امكانية وعقلانية ويمكن به تجاوز القضية بالحوار والتفاوض والاعتراف بالآخر وصولاً الى التسوية المرضية للاطراف جميعها.
وانطلاقاً من ذلك كانت مفاوضات انجمينا الاولى والثانية برئاسة الرئيس التشادي ادريس دبي التي توصلت الى وقف اطلاق النار ثم تمديده.. ولكن حتى الآن لم تكن هناك خطوات اكثر ايجابية للجلوس لمناقشة بقية البنود المتفق عليها.
في تلك الاثناء نهضت لجان مختلفة من ابناء دارفور وقامت بطرح حلول للمشكلة اختلفت الرؤى حولها ومن ثم شكلت الحكومة لجنة قومية للتحضير لمؤتمر جامع لحل تلك المشكلة سياسياً و فق رؤية قومية تشمل كل الفعاليات السياسية، ولكن اللجنة تعثرت اولاً بانسحاب اعضاء اللجنة من حزب الامة.. ولم نسمع في الفترة الاخيرة عن اللجنة ما يفيد في تحضيرها لذلك المؤتمر..! ومن ثم تتواصل الهجمة الشرسة من الولايات المتحدة واوربا والجهات والمنظمات المانحة بخطورة الموقف الانساني بدارفور بصورة مخيفة والتي تدعو الى تدخل الامم المتحدة لانقاذ الموقف.
ثم يتطاول النزاع بين الحكومة ومنظمات الاغاثة التي تصر على معاكسة الدولة لها لتعمل بالصورة المرضية لاحتواء الازمة الانسانية والمأساوية لتوصيل الاغاثة لاولئك المتضررين في مناطقهم، ثم تزداد من جديد وتيرة التصفية العرقية.. ثم تقوم الحكومة باعادة النظر في التصريح لمندوبي المنظمات بزيارة المنطقة وتقديم خدماتهم الانسانية مما يجد الترحيب من دولهم ومن الامين العام للامم المتحدة، وتقوم الحكومة مؤخراً بتشكيل لجنة من جهات مختلفة برئاسة مولانا دفع الله الحاج يوسف لتقصي الحقائق وجمع المعلومات فيما يثار من اتهامات عن مشكلة دارفور.
حسناً ان تقوم الحكومة بتسهيل دخول مندوبي الدول والمنظمات حتى لا تتيح فرصاً للشك وسوء الظن. وحسنا ان تقوم الحكومة بتشكيل لجان للتحضير للمؤتمر وتقصي الحقائق ولكن هذه اللجان تحتاج لجهود كثيرة ووقت اطول لتغطية ما مطلوب منها بدقة ونزاهة وهذا بالطبع يعتبر عاملاً سالباً في الاسراع بمعالجة القضية التي اضاعت وقتاً طويلاً و ستضيع وقتاً آخر مما يضاعف حملات التصعيد خاصة الاعلامية المتسعة باتساع القنوات والاذاعات العالمية مما يضر بالقضية.
ولكن مما يجعلنا اكثر تفاؤلاً هو الاتفاق الذي تم بين حزب الامة والمؤتمر الوطني بانتهاج سياسة قومية للتفاكر في حل المشكلة وان كان هذا الاتفاق ثنائياً الا انه يشكل في مضمونه تبنى عمل قومي شامل كان الاجدر التوصل اليه قبل فترة طويلة، حيث ان هذه القضية وطنية وسياسية على المطلق وتحتاج الى جهود الدولة وجهود كل اطياف الفعاليات الحزبية والسياسية ولم تعد حكراً على الدولة وحدها ومن منطلق هذا الاتفاق سيتم الاتصال بالقوى الاخرى للمشاركة في هذا الجهد الجماعي.
ان الاتفاق جاء بعد ولادة قيصرية، حيث ان حزب الامة قد بادر بطرح رؤاه منذ فترة طويلة دون ان يجد استجابة، الآن ما تم الاتفاق عليه يعتبر نقلة كبيرة في اطار العمل الجماعي والوطني في القضايا المصيرية الكبرى والتي تحتاج بالضرورة القصوى الى الوحدة والمشاركة العادلة والطرح القومي لحلحلة قضايانا الكبيرة ونأمل ان تبدأ الخطوات العملية في اسرع وقت ممكن لاتاحة الجهد المشترك للجميع بالوصول الى خواتيم طيبة لهذه القضية التي لو تركناها على تلك الوتيرة السلحفائية فقد تطول وتتعقد وتصبح بؤرة للاستقطاب والمزايدات السياسية خلافاً للتدخل الاجنبي المتربص بنا.. اذ قديماً قالوا ان الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك..
ونواصل
ج
المدير السابق للاستخبارات العسكرية