د. الطيب زين العابدين

. دارفور بعد نيفاشا
وعد الأستاذ على عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية الجماهير الغفيرة التى احتشدت فى الساحة الخضراء احتفاءً بعودته الموفقة من نيفاشا، وعدها بأنه سيعمل لإطفاء كل بؤر النزاع والقتال وعلى رأسها قضية الحرب التى تجرى فى دارفور. ولقد بلغت مشكلة دارفور مرحلة الأزمة التى يناقشها مجلس الأمن بعد بضع شهور من اندلاعها وهو ما لم يحدث طيلة حرب الجنوب التى دامت عشرين عاماً. خلف صراع دارفور فى أقل من سنة عشرة آلاف من القتلى ومئة ألف لاجئ فى تشاد و900 ألف نازح داخل السودان وأدى الى حرق مئات القرى واغتصاب مئات النساء ونهب الممتلكات ومنع وصول الاغاثة الى المتضررين. لا يكاد المرء أن يصدق أن مثل هذه الأفعال المنكرة تحدث بين قبائل دارفور التى عاشت مع بعضها البعض لمئات السنين فى تلك البقعة الحبيبة من السودان، لا شك أن المتمردين كانوا من وراء تأجيج الصراع القبلى العارض ليصبح حالة عامة فى الاقليم وذات أبعاد سياسية ولكن المليشيا المسلحة من أبناء القبائل المستعربة هى التى أعطت ذلك الصراع بعداً قبلياً قبيحاً وارتكبت معظم الفعائل التى أدت الى مآساة اللاجئين والنازحين وتتهم المنظمات الدولية وبعض القوى الداخلية أن جهات محسوبة على الحكومة تقف من وراء تحريض تلك المليشيات المسلحة ودعمها الأمر الذى جرّ على الحكومة نقداً داخليا وخارجيا واتهاما بالتطهير العرقى وارتكاب جرائم حرب. واضطرت الحكومة أمام هذا النقد العنيف والاتهامات الخطيرة أن تكون لجنة مستقلة للتحقيق فى أحداث دارفور برئاسة رئيس القضاء الأسبق دفع الله الحاج يوسف، وحسنا فعلت فلا ينبغى للحكومة أن تكذب تلك الادعاءات التى تواترت من عدة مصادر دون أن تفعل شيئا حيالها يبرئ ساحة الدولة. وينبغى للحكومة أن تحرص على نشر تقرير لجنة التحقيق وأن تحاسب من يتحمل مسئولية ما حدث للمواطنين الأبرياء.
لقد توصلت الحكومة فى الثامن من أبريل الماضى لاتفاقية وقف اطلاق النار مع تنظيمى المتمردين (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة) فى انجمينا كما تم الاتفاق حول تشكيلة ودور لجنة وقف اطلاق النار من الاتحاد الافريقى الذى سيبدأ بنشر 100 الى 300 مراقب فى ست مناطق من أنحاء دارفور ( الفاشر، نيالا، كبكابية، الطينة، أبشى، الجنينة ) وذلك فى يوم الأربعاء (2/6). وقالت المتحدثة باسم الأمم المتحدة، مارى أوكابى، ان الموقف الانسانى فى دارفور لا يزال مثيرا للقلق لذلك يساند الأمين العام الجهود الرامية الى ايجاد حل للنزاع الدائر فى دارفور وهو يتابع الموقف عن كثب، وأن الدول الغربية المانحة ستعقد محادثات فى اليومين القادمين مع مسئولين سودانيين بشأن الأزمة الانسانية التى يقدر أن تكلف 140 مليون دولار مما يدل على حجم المآساة. ولا يستغرب أن تباطأت الحكومة فى توصيل الاغاثة أو وقف اطلاق النار أو حل النزاع سياسيا أن يتدخل مجلس الأمن فى أزمة دارفور ولن يكون قراره كما تشتهى الحكومة السودانية!
ومن ثم يصبح تدخل النائب الأول الذى تمرّس على مدى شهور السنة الماضية فى مفاوضات كينيا المعقدة أمرا مطلوبا فى قضية ما كان ينبغى لها أن تصل الى هذه الأبعاد الخطيرة لو لا أنها وضعت فى أيادٍ غير مناسبة نظرت اليها فقط من الناحية الأمنية. وأصبح لزاما على الدولة أن تستخلص ملف دارفور وتعود به الى دائرة الضوء السياسى، وحبذا لو تسلم الأستاذ على عثمان شخصيا ذلك الملف فان له من الخبرة والسلطة ما يجعله قادرا على معالجته حتى يطوى السودان تماما مراحل الصراع والحرب الأهلية ويدخل مرحلة جديدة تؤدى الى ميلاد سودان جديد، كما يقول قرنق!