مواطنو دارفور وطلب السلطة
المتتبع لتصريحات وخطب المسئولين في حكومة السودان، بدا برئيس الجمهورية ومرورا بوزرائه وولاة الولايات وانتهاء بأصغر فرد في المنظومة السياسية الحاكمة من برلمانيين وأعضاء في حزب المؤتمر الوطني الحاكم وطاقم أجهزة الأمن ، يلحظ أنهم دائما ما يتحدثون عن الحركة المسلحة في دارفور بشئ من الاستعلائية وعدم الاعتراف بجوهر مطالبها السياسية والمحاولة المستميتة منهم لإيهام الناس بأنها حركات نهب وقطاع طرق ليس إلا، وفي حالة اعترافهم بها كحركة تمرد ، دائما يحاولون إقناع أنفسهم والآخرين بأنها حركة ذات مطالب تنموية فقط أو قبلية المنشأ والمسببات، ولا يتعرضون البتة إلي ما تضمنته مطالب هؤلاء المتمردين من مطامح وحقوق سياسة، خاصة المطالبة بالمشاركة العادلة في السلطة المركزية.
وحتي عندما تتم محاصرتهم، أي أعضاء الحكومة، في مسالة السلطة هذه، تجدونهم يتوترون ويفقدوا أعصابهم ويبداون بالحديث ، وبمن وأذي وباستعلاء واضح( وصل مداه بان وصفهم كبيرهم بأنهم لايشبهونها! وانه عليهم أولا أن يشبعوا ثم ليأتوا ويتحدثوا عن السلطة!!) وبلهجة المانح ، عن أن أهل دارفور قد نالوا قسطا ليس باليسيرمن المشاركة في السلطة، ويذكرون أن ولاة الولايات الثلاث في دارفور هم من أبناء دارفور(حتي ولو لم يكونوا مدعومين ماليا ولوجستيا كما حدث لوالي غرب دارفور الأسبق الذي اثر التنحي عندما لم يجد الدعم اللازم من المركز ووجده خلفه والذي كان ليس من ابناء دارفور)، وان هناك وزراء مركزيون من دارفور، هكذا ، وكان السلطة ملكا لفئة تجود بها لمن تشاء، دون أن يذكروا بالمقابل كم هو عدد الوزراء المركزيون الذين هم من ولاية واحدة بل ومن قبيلة واحدة، ولماذا ظلت الوزارات التي تسمي بالسيادية والفاعلة كوزارات المالية والطاقة والداخلية والخارجية هي حكرا علي قبائل بعينها ومحرمة علي باقي أبناء السودان؟ولماذا دائما أبناء دارفور وباقي الولايات المهمشة تتبادل حقائب وزارات مترهلة وليست ذات وجود واقعي كوزارة السياحة والفنادق مثلا؟
وطبعا هناك مواقع لا يتطرقون إليها أبدا ويعتبرون الحديث عنها من المنكرات، ألا وهي حكومة ولاية الخرطوم ، والتي من المفترض أن تكون قومية وتتشكل حكومتها من كل أبناء السودان، وإدارات البنوك والشركات المملوكة للحكومة، والوظائف العليا في القطاعين المدني والعسكري ، وطاقم السفارات ، وهذه كلها أصبحت حكرا وملكا لأقرباء أركان النظام، ومحرمة علي ذكور وإناث باقي الشعب السوداني.(راجع الكتاب الأسود).
فلماذا إذن هذه المحاولات اليائسة والمستميتة من أركان النظام الحاكم في السودان لإبعاد أبناء دارفور وباقي أقاليم السودان من المواقع المؤثرة والفاعلة في هيكل وبنية السلطة، وحصرها في فئة معينة من أبناء قبيلتين من الولايات الواقعة شمال الخرطوم وجنوب مصر؟الجواب هو لان من يملك خيوط ومفاتيح السلطة المطلقة والفاعلة يستطيع أن يملي اولويات التنمية وتقسيم الثروة وتوزيع المناصب. وما آل إليه مصير التكامل بين دارفور والجماهيرية الليبية إلي زوال واضمحلال بفعل قرارت مركزية أدت إلي محاولة تحويلها إلي الولايات الشمالية، وما يعانيه قطاع التعليم في دارفور من تدهور مريع بسبب هجر المعلمين لوظائفهم نسبة لتأخر رواتبهم التي تأتيهم من المركز، رغم تمتع رصفاءهم في ولايات أخري بوصول رواتبهم في الوقت المناسب، وأمثلة أخري كثيرة أخرها ما طاعتنا به الأخبار من توفر الإمكانيات لمكافحة النهب المسلح في دارفور بقرار وزاري مركزي سيادي ، رغم عدم توفر الإمكانيات نفسها في السابق عندما كان الانفلات الأمني في دارفور لا يشكل تهديدا لبقاء السلطة المركزية، كل هذا ما هي إلا أدلة قوية علي أهمية السلطة الفاعلة والحقة في تحقيق ما تحتاجه العباد والبلاد من تنمية وتعليم وصحة ..الخ.
حتي إعفاء طلاب الخدمة الإلزامية من التدريب العسكري وإرسال من منهم إلي ساحات القتال يتم بقرار وأمر من بيده السلطة ، فيذهب من لا حول له ولا قوة ويتخلف ذوو الحظوة لدي السلطان.
إذن أيها السادة القابعون في كراسي السلطة الفاعلة والمؤثرة ، كلنا يريد ما تريدون، وان كان منكم رجل رشيد، فليقتنع وليقنع من حوله من الذين لا يرون إلا أنفسهم، بأنه آن الأوان لان يكون هذا الأمر متاحا ومشاعا وحقا للجميع، يأخذها من يأخذها بحقها ، أي بان يعدل فيما تولي ويعامل الجميع بمكيال واحد.وأهل دارفور الذين اضطروا إلي حمل السلاح والقتال وهو كره لهم، يريدون السلطة الفاعلة والحقة قبل التنمية وغيرها، لقناعتهم الراسخة عبر الخمسين عاما التي مضت، بان من لا يملك قراره لا يملك تنميته ولا رفاهيته، والاهم لا يملك حريته. وهم ببساطة يريدون مناخا معافي يتنافس فيه الجميع بحرية وبشرف علي كل شيئ ، بدا بالمناصب السياسية والادارية والعسكرية وانتهاء باللعب النظيف الشريف في كرة القدم، حتي نضع الرجل المناسب في المكان المناسب.وهذا ما ستصير اليه الامور انشاءالله بعد الذي حدث في نيفاشا وما سيترتب علي ذلك لاحقا، رغما عن انف حكومة الانقاذ وغيرهم من الذين لا يريدون للاخرين ممارسة حقهم الشرعي والدستوري في اقتسام السلطة والثروة من غير ظلم ولا تظلم ولا وساطة ولامحسوبية، والذي لا ياتي الا بعديمي الكفاءة والخبرة ، الذين عانينا منهم كثيرا.
ولمن لديه شيئ من الشجاعة والرشد من أركان النظام القائم الآن، أن يقترح علي الرئيس وأركان حزبه ونظامه أن ياخذوا زمام المبادرة و يبداوا وفورا الإصلاح المنشود بتصحيح الأخطاء الواردة في الكتاب الأسود، والذي نظن ان شركاءهم الجدد في المرحلة الانتقالية القادمة لا محالة فاعلوه ، حتي يتم حقن الدماء وقفل ملف الظلم والتهميش إلي الأبد.
د.محمد احمد معاذ