افريقيا ....التي أنتجت عملاقا في حجم مانديلا وأديبا في قامة سوينكا

 كتبت مقالا في سودا نيل بعنوان "المفردة ومفهوم الافريقانية عند د. عبد الله علي إبراهيم:

قلت فيه إن تكرار المفردات السالبة مثل "البوهيمية و" إشباع الغرائز" و"الخلعاء"  في كتابات د. عبد الله يوضح فهمه "هو" للمكون الإفريقي, وان بدت لنا ذلك وكأنه (استنتاجات) من مفاهيم  جماعة الغابة والصحراء

ذلك لان ظاهرة ارتباط الشاعر بالغزل وإبراز مفاتن المرأة الطبيعية موجودة  في البيئات العربية "الكحة" مثل الجزيرة العربية وبلاد الشّام ايضا ودونك نسائيات قبّاني حيث لم يترك موضعا في المرأة  لم يمطره شعرا ونثرا. وحينما يفعل شاعرا ما ذلك مع بيئة ثقافية معينة ,  فليس بالضرورة أن ينتج  معاني إيحائية مثل  إشباع غرائز أو بوهمية كأشياء مقصودة في ذاتها . وبناءا علي ذلك   ربما وجد شعراء  الغابة والصحراء في  البيئة الإفريقية انتماءهم وتفتحت في فضائها  مكنوناتهم الإبداعية فتفجرت شعرا

وإذا كان شاعرا مثل حاردلو ينشد شعرا (عنصريا) من عينة:

 ناس القباح من الغرب يوم جونا

جابو النقس ومن بيوت مرّقونا

 وهو يقصد بذلك ابناء الغرب الذين انخرطوا مع المهدية

فان شعرا من

عينة المجذوبية

وعندي من الزنج أعراق معاندة
وأن تشدق في أشعاري العرب

 او تلك الذي  عنوانه عودة لسنار لعبد الحي:

  - بدوى أنت ؟
-
لا .
-
من بلاد الزنج .
-
لا .
-
أنا منكم تائه ، عاد يغنى بلسان ويصلي بلسان .

 تحمل من الدلالات ما هو أفضل وأعمق   من مجرد (هروب ) بحثا عن فردوس إفريقي طليق الغرائز  . (كما يعتقد د. ع ع ابراهيم)

 انتقال  الشاعر المثقف  من بيئة عروبية إلي بيئة افريقية والتغني بها ليست بالضرورة (هروبا) او منحا  سلبيا, كما ان  إشكاليات الصراع في السودان ليست في التصادم الثقافي,  فالثقافة أيا كانت نوعه عربية أو افريقية أو فرنسية ليست مرفوضة في ذاتها وإنما ترفض حينما تمارس الهيمنة  والاستبداد علي الثقافات الاخري وحينما تعمل علي تهمشيها باستخدام القوة.  لذلك إشكاليات الصراع الإفريقي العربي في السودان تكمن في فصوله الدموية وفي الرّاسب من  الممارسات كتلك التي لزبير باشا (سابقا) وتكريمه من قبل النخب الشمالية (تاليا) بان أطلق اسمه علي شارع  من شوارع العاصمة  وكأنه شخصية بطولية فيما هو ليس سوي تاجر رقيق .

مشكلتنا في انّ ثقافة الجماعة العربية المسلمة حول النيل والبوادي  (حسب وصف د. ع ع ابراهيم)  والتي تغطي (ساحة) فقط في (فضاء) الثقافة السودانية الواسعة  ما زالت تهيمن علي مداخل ومخارج الإنتاج الثقافي لدولة في قامة السودان من التعدد والتنوع

 ولذلك حينما يقول د. عبد الله في ورقة الافروعربية وتحالف الهاربين:

( فأهدى السبل إلى السلام والنهضة الثقافية في السودان هو الإقرار بقوامين ( أو أكثر ) للثقافة السودانية قد تمتزج هذه القوامات وقد تتبادل التأثير والتأثر ، مع احتفاظ كل منها باستقلال الدينامية من حيث المصادر والترميز والتوق( .

 ثم لا يدين هيمنة هذه الجماعة  وثقافتها  وفرضها علي الإفريقيين في كل ميل من السودان, وحينما لا يدين التعريب العمودي خصوصا الجامعات وبالتالي إعطاء اللغة العربية وثقافتها الأولوية في التأثير ومن ثم تعريب الإفريقيين, بل و يتمادي نحتا في حفرياته عن الشريعة و يدين من سمّاهم بشباب الجلابة الخلعاء فقط لأنهم يخلعون ثقافتهم العربية ويعرضون بهوية افريقية خالصة.

يحق لنا في هذه الحالة أن نضع ألف استفهام حول مآلات قراءاته العلمية الرصينة علي مستقبلنا نحن الإفريقيين.

سؤال أخر يطرح نفسه:

من هم الجماعة العربية المسلمة حول النيل والبوادي؟

هل يشمل النوبيين؟ و هل هم عرب أم أفارقة ؟

فلو قلنا عرب فان التاريخ و الواقع يقول غير ذلك

ولو قلنا أفارقة فإذا, كيف نقول ان الجماعة العربية المسلمة حول النيل والبوداي هي جماعة عربية خالصة مع وجود جماعات أخري غير عربية في نفس ( الزمكان) دون ان ندخل في مغالطة أخري واستقطاب أخر من نوع الذي جعل النوبيين أيضا يغوصون في عمق التاريخ الكوشي حفرا لبحث عن هوية "خالصة ".

 من دلالات التي أري فيها (القصدية )  ويحدث فيّ شكّا في قراءة د.ع ع إبراهيم حول نظرته لما سمّاه هروب جماعة الافروعربية إلي فردوس إفريقي الغرائز فيه مستجاب....... مقارنة ذلك (الهروب)  بهروب محمد احمد المهدي من شيخه الذي يمثل قمة البيئة المحافظة "لجماعة العربية المسلمة حول النيل والبوادي" إلي غرب السودان حينما رأي اختلاطا في حفل الختان.

المؤكد ان تلك الهروب المهدوي(النسخة الأصلية لتهتدون) ثم العودة الظافرة من الغرب(النسخة الأصلية لتفلحون) لم تكن هروبا بوهيما . وبذلك

 كأنّ البيئة الأفريقية تقول (جيدا جيد)  للذي يبحث (عن الغرائز) او (غنائم) وللذي يبحث عن (الدين)  وهذا اكبر دليل علي أنها بيئة سوية ومعتدلة ومنفتحة في كل الاتجاهات , فلا هي متزمتة ولا هي منفلتة أي لا هي (شيطانية) ولا هي (ملائكية) حتى بالقياس علي  نفس المفاهيم  (العبدلابية).

 وهل يمكن قراءة وجود شخصيات شمالية في الحركة الشعبية لتحرير السودان ضمن مفهوم الهروب عند د. ع ع ابراهيم ؟ فمن المؤكد ان هذه الشخصيات وقد ذهب بعضها و تزوج من البيئة الإفريقية, بينما البعض الأخر ذهب وهو في العقد الرابع أو الخامس (مما تحصنوا مناعيا ضد إسقاطات الفردوس الإفريقي والبوهيمية) ,  المؤكد أنهم ذهبوا تحت راية مفاهيم أخري .

 والحال هكذا فان :

 "  الإقرار بقوامين ( أو أكثر ) للثقافة السودانية "  الذي ينادي به  د. ع ع إبراهيم إذا ما خلطناه  بحفرياته في الشريعة  ومقالاته اليومية في السودانيل , أنا  شخصيا أفضل  نموذج (منصور خالد/عرمان) علي النموذج ((العبدلابي) الذي يشفق علي شباب( الجلابة الخلعاء) لمجرد انهم حاولوا البحث عن مصدر هذا اللون الأسود في تكوينهم الجسدي , إذ لا يعقل ان يكون بشرتك اسود (او سمراء كما يقولون) ثم تكون (عباسي كح) ولكن ربما عباسي نوبي أو نوبي عباسي , كما قد يوجد بربري عباسي أو عباسي بربري أو فرعوني عربي أو عربي فرعوني وفي كل الأحوال هنالك أفريقي كح وعربي كح  وفرعوني كح وإنجليزي كح ........الخ  , كل ذلك غير مهم إلا في إطار تأثيرها علي حياة البشر,  وفي حالتنا السودانية فان العزف علي وتر العروبة بالضرورة يؤدي الي الرقص علي الإيقاع الأفريقي وكلما اقترب العروبيين من فيحاء النجد كلما غاص  "الخرتيت" الافريقي الي عمق ابعد نحو غابات أفريقيا  الي حيث الفضاء الذي أنتج عملاقا في حجم مانديلا وأديبا في قامة   سوينكا.

 اذا لماذا يلتقط  الجوانب   التي يعتقد(بضم الياء)  بأنها سلبية (بمفهومية ثقافية معينة) ويرّكز الضوء عليها  كلما لاح  في أفق حوارا او حديثا عن إفريقيا , لماذا سنغور وليس مانديلا مثلا , ولماذا الاعتقاد بان الرقص والمرح الافريقي (نقيصة ) وليس اضافة  , انظروا الي د. جون قرن وهو يتحف الحضور في ضاحية نيفاشا (بخفشات ) من خفة دمه الافريقي , ذلك كان جميلا علي عكس (طه) الذي كان يبدو عليه الوجوم والتشتت.

من بين كل الدول العربية ومنهم السودان بحكم(الواقع) , الدولة الوحيدة التي اسقطط انظمة استبدادية  بالثورة الشعبية هي السودان لماذا هذا الاستثناء؟

في التاريخ الافريقي يوجد امثلة  أكثرها وضوحا إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ؟

وإسقاط او تحول الأنظمة الديكتاتورية في كل من النيجيريا , السنغال وغيرها.

اذا الفعل الذي قام به الشعب السوداني موجود في جيناته الأفريقية

هل يوجد  مثالا عربيا او ظاهرة ثورية عربية دحرجت براس أي مستبد؟

صاحب اكبر شعبية في العالم العربي هو ناصر  دكتاتور!

اكبر قاتل لشعبه في العصر الحديث صدام دكتاتور!

هنالك علاقة وثيقة بين العروبة والاستبداد  , علاقة ارتباط منذ العهد الاموي لم تنفك حتي الآن , هذا ما استنتجه الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد).

هنالك علاقة وثيقة بين العروبة وخراب الحضارات , هذا ما قاله ابن خلدون (في مقدمته)  : ""وانظروا الي ما ملكوه  وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليقة كيف تقوّض عمرانه وأقفر ساكنه , وبدّلت الأرض فيه غير الأرض : فاليمن قرارهم خراب الا قليلا من الأمصار, وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الّذي كان للفرس اجمع , والشّام لهذا العهد كذلك , وافريقية والمغرب لمّا جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ اوّل المائة الخامسة وتمرّسوا بها لثلثمائة وخمسين من السّنين قد لحق بها وعادت بسائطه خرابا كلّها, بعد ان كان مابين السودان والبحر الرّومي كلّه عمرانا, تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدر." انتهي.

وذكر أيضا ان الخليفة هارون الرشيد حاول تدمير الاهرامات ولكنه فشل في ذلك.

كما ذكر ان الخليفة المأمون طلب  نصيحة احد العقلاء عن نيته في تدمير سوار كسري : فقال له الرجل لا تدمره حتي يكون شاهدا علي عظمة ملك العرب التي هزم أصحاب هذه الحضارة العريقة. ولكنه لم يهتم بكلام الناصح وانما شرع في تدمير سوار كسري ولكنه فشل في تدمير ه  .

هذه الأمثلة تؤكد بان لعروبة  مشكلة حقيقية في مفهوم  التعايش مع الأخر

انظر الي كل دول العالم:

في فرنسا يوجد فرنسي افريقي وفرنسي عربي وفرنسي هندي  

وفي تشاد يوجد افريقي وعربي وغيره كل بتراثه وثقافاته تبث عبر وسائط الإعلام الرسمية للدولة بتوازن.

وفي أمريكا  (كشكول) من شعوب العالم تفاعلت ثقافاتها إبداعا فتمخضت عملاقا في حجم أمريكا.

بل في كل العالم يمكنك الحصول علي جنسية او هوية جديدة دون ان ترمي هويتك في سلة المهملات فقط اسكن أطول فترة ممكنة ولكن إياك ان تفكر بذلك في الفضاءات العربية "الكحة" سينتهي بك المقام (بدونا).

 

في العالم العربي لا شئ سوي النقاء العرقي , التذويب ومحو الهويات الاخري كما في حالة السود في السعودية مثالا حيث اصبحو دواسرة او قحطانيين او.....الخ

او الابادة   كما في حالة الاكراد في العراق

مثالا

انظر الي البدون  في الكويت  شعوب بلا هوية وبلا انتماء

 المسألة إذا ليس في عرب كح أم إفريقيين خلص  , وانما المشكلة في عمق البنية التحتية الملهمة للثقافة العربية , تلك البنية التي تعتقد بان الغير دائما منتصبين من اجل محوهم من الوجود لذلك لا بد من المبادرة بالهجوم وإخضاعه وتذويبه او تقطيعه .

 انظروا الي حال هؤلاء المثقفين السودانيين الذين يستميتون في الدفاع عن نقاء العروبة ويدعون الي قوامين او أكثر للتعايش (قولا) مثل د. ع ع ابراهيم , بينما الدولة السودانية (وحسب علمي قوامه الرّسمي عربي) حتي أمس القريب تقوم بقتل  المدنيين في دارفورعلي أبواب مدينة نيا لا ,  قبل ان تجف مداد الحبر التي كتب به ما سميّاه الرؤية المشتركة بين حزب الأمة و المؤتمر الوطني حيث دعوا الي حل "سوداني خالص" , هذه القوي الثقافية عملت (ادان تقيل)

بخصوص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في دار فور

بل وكثير من النخب الشمالية مثل محمد الحسن احمد وآخرون يعتقدون بان ما يكتب عن دار فور مجرد فبركة اعلامية من اجل "إزالة المكون العربي في السودان"

 والحال هكذا  نحن   في حاجة حقيقية (فعلا وقولا) الي أكثر من قوام في السودان

محتاجون الي أحزاب افريقية وأخري عربية , وان تتكتل القوي الأفريقية الخالصة في بوتقة "المركزية الأفريقية  " الذي ينادي به العزيز المبدع بشاشا في (بوستاته) الجريئة في منبر السودانيز اون لاين الحر. وان تهتم القوي الإفريقية بالبحث عن جذورها والتنقيب عن تراثها و توثيقها علي رغم افتقاد هذه القوي  الي كثير من  الوسائل التي تمكنها من فعل ذلك خصوصا الدولة السودانية لم تهتم بالمكون الافريقي كثيرا , وكذلك النخب الا من جهة كشف النقاب عن ما في غابات افريقيا  من فضاءات  غرائزية واغراءت بوهيمية !

 د. بشارة صقر

[email protected]