28 May 2004 20:08:00 GMT

حاج حمد أكثر تشاؤماً بعد التوقيع: 

«الحكم الثنائي» الجديد يفكك السودان اثنياً
 

وزع المفكر السوداني والخبير الاستراتيجي محمد أبو القاسم حاج حمد تعقيباً مكتوباً على توقيع بروتوكولات السلام في نيفاشا بين حكومة الانقاذ الشمالية وحركة قرنق الجنوبية قال فيه:« ان هذا الاتفاق هو بداية دخول الحصان الخشبي الى طروادة. ليس بوصفه ثنائياً فثنائيته شرعية وواقعية بحكم موازين القوى السياسية والعسكرية بالسودان.

 

ولكن بوصفه تحايلاً من الطرفين على الحلول الاستراتيجية للعلاقة بين الشمال والجنوب والتي تتفاعل على مدى زمني يمتد لقرن وربع القرن. منذ الحاق الجنوب ادارياً بحكمدارية السودان عام 1870م. فنظام الانقاذ قد وقع على البروتوكولات بضغط أميركي وأوروبي فقط ليبقى في السلطة تحت مظلة الشرعية الدولية. بعد أن فقد كل المبررات الأخرى. ووقع قرنق على البروتوكولات ادراكاً منه لضعف النظام في الشمال، ومستخدماً الضغوط الدولية وصعود حركة الغرب السوداني المسلحة.

 

أن أميركا راعية الاتفاق والايغاد كأداة اقليمية يكررون في نيفاشا ذات الفشل الذي منوا به في كل القرن الأفريقي. لأنهم لا يدركون عمق المشاكل الاقليمية ولا خلفياتها، فلا زال الصومال في حالة التفكك والصراع القبلي منذ عقد من الزمان ولازالت العلاقات الاريترية الأثيوبية على حافة الحرب وسيتكرر الوضع في السودان أيضاً بداية من تطبيق البروتوكولات و«الحكم الثنائي» للسودان بين قرنق والانقاذ حيث يفتقر حتى لمواصفات الحكم الثنائي البريطاني المصري.

 

رغم ما كان في ذلك الحكم من مشاكل التضارب، غير أن السطوة البريطانية طوال الفترة 1899م والى 1954م قد فرضت مركزيتها على الشريك الأضعف في ادارة شئون السودان. في حين أن المركزية الآن في الحكم الثنائي الجديد. قد تحولت من الشمال السوداني كله الى حركة الجنوب باسناد واضح من المجتمع الدولي والعمق الأفريقي.

 

لهذا ستشهد المرحلة المقبلة تفكيك السودان اثنياً من كل أطرافه، نظراً لغياب مركزية الشمال وافتقار الموقعين من الانقاذ في نيفاشا للرؤية الاستراتيجية واستخدام الجنوب لشعار السودان الجديد بالمنطق الاثني والجهوي للسودان القديم قبل 1899م. وليس بمنطق السودان الجديد الذي يعتمد على وحدة القوة الوطنية الديمقراطية والقوى الاجتماعية الحديثة من منظمات المجتمع المدني والنقابات وجيل الحداثة الجديد الصاعد، بعد اخفاق جيل الاستقلال والجيل الثاني الذي يليه.

 

لا زلت أصر وأكرر أن الحل الوحيد الذي يحفظ التوازن بين الشمال والجنوب في اطار وطني ديمقراطي هو قيام نظامين مستقلين في دولة وطنية واحدة وفق صيغة كونفدرالية بين الشمال والجنوب وما بينهما الحدود الادارية لعام 1956م. فنحن الآن في بداية نفق مظلم آخر، وغير متوازن لأن قرنق هو الوحيد الذي يملك وينفذ خطة استراتيجية متكاملة بعيدة المدى باسناد اقليمي وأفريقي ودولي.

 

ويفاوض ضمن ظروف مريحة في حين ان الانقاذ الذي يفترض فيه أنه يمثل الشمال ويعيش وضعية ذاتية مغلقة تتصل بشرعية استمراره نفسها وهو معزول دولياً واقليمياً وسودانياً خصوصاً بعد تصاعد العمليات في الغرب وأزماته مع الجوار الارتري. وعدم قدرته على استقطاب الجبهة الداخلية للشمال، في حين تمكن قرنق من استقطاب الجبهة الداخلية للجنوب بأكمله من بعد انهيار اتفاقات السلام من الداخل الموقعة عام 1997م. مع القادة المميزين بخلفياتهم القبلية المؤثرة بالجنوب .

 

وهم د. رياك مشار ود. لام أكول والأخوة تعبان قاي وآخرون. و مع النظر للأوضاع المتصاعدة في غرب السودان والذي يشكل خمس مساحة السودان وبعد ان ضم قرنق المناطق الثلاث التي تشكل مع الجنوب ثلث مساحة السودان.

لهذا أنبه وأحذر ليس السودان فقط ولكن حتى الولايات المتحدة وشركاء الايغاد من الأوروبيين والايغاد نفسها، آملين ألا يدخل السودان حالة التفكك المماثلة للصومال. وحالات الاستعصاء الأمني في العراق رغم فرق حفظ السلام التي يعد لانتشارها بعد الاتفاق».

 

هذا وقد سبق وأن حذر الباحث الاستراتيجي حاج حمد من مغبة هذا الاتفاق في محاضرته التي القاها قبل شهرين في «المجمع الثقافي» في «أبوظبي» بعنوان «آفاق السلام في السودان دراسة ميدانية وتحليلية» في 4 أبريل، كما طرح مشروع نظامين في دولة واحدة على أساس كنفدرالي بين الشمال والجنوب على صفحات جريدة «الحياة» اللندنية بتاريخ 26مايو 1999م.

 

المصدر : البيان الاماراتي