صفوة البجا: إبداع في علياء المجد والبسالة

د. أشيك آدم علي/أبوظبي

[email protected]       

رد لمقالة الدكتور عبد الله علي إبراهيم
"صفوة البجا: إبداع في فضاء الاستضعاف"
يشكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم علي مقالته "صفوة البجا: إبداع في فضاء الاستضعاف" التي أثار فيها جملة من النقاط الهامة نتطرق لبعض منها. في البداية  يجب أن لا ينتابنا شك في مراميه الحميدة في أن يري مشاركة أكثر ايجابية  لمثقفي البجا في مشروع حيوى كمشروع منطقة البحر الأحمر الذي تموله الخارجية النرويجية وتنفذه جامعتي بيرقن(النرويج) و الخرطوم . يعزي الكاتب إحجام مثقفي البجا عن المشاركة لتجاهلهم من قبل المشروع ويقول علي لسان المنظمات الطوعية " إنهم – أي المنظمات- لايرونهم (المثقفين) يشكلون اطارا يساعد لإقامة علاقات محلية مشتركة". هذا رغم أنهم وأهلهم هم المعنيون بالمشروع . كما أشار أن أزمة تهميش وتغييب المثقف البجاوي  -ومن ثم تجاهلهم في صنع القرار- أزمة مزمنة ليست خاصة بهذا المشروع بل شملت جوانب مختلفة من العمل السياسي والاجتماعي . وقد عزي  السادة محمد دين البجاوي ومحمد بدري أبوهدية ذلك لشح تمثيلهم النوعي والكمي مركزيا ومحليا لاتخاذ القرار. وقد نوهنا إلي ذلك في مقالة لنا سابقة في سودانايل "مؤتمر البجا وصراع الأفيال" . ويروي لنا الكاتب كيف أن المثقف البجاوي تغلب علي هذه المعضلة.
" أبدي ناشطو البجا مقدرة خلاقة في تعويض شح ممثليهم في  صنع القرار في الحكومة بمد مظلة القرابة لتشمل أي شاغل لموقع متنفذ مهما كان بعد صلة قرابته بالبجا ” و يضيف في مكان آخر " إن الإدراك بعدم وجود الوجيع في مركز القرار دفع ناشطي البجا ابتداع أساليب شديدة الذكاء لخلق علاقات عشائرية مع من يتخيرونه من موظفي الحكومة ويتبنون هذا المسؤول ويجعلونه منهم لنقصهم المعلوم في أهل النفوذ من بنيهم في الدولة ".
يؤخذ علي الكاتب تحاشيه الصراحة والقول المباشر فيما يرمي إليه وهو أن هذه الصفوة تمارس , وإن لم يقلها صراحة , نوعا من الإنتهازية والمكيافيلية لتحقيق ما تصبوا إلية. غير أن الشئ  الذي سكت عنه الكاتب , عمدا أو سهوا , كيف تتحقق المشاركة التي نتطلع إليها وينادي بها الدكتور وكل الأبواب والنوافذ موصدة أمام ذلك . هذا بإقرار الدكتور نفسه من خلال عباراته المقتبسة. لعله من قبيل استجلاء الحقيقة ولا شئ غيرها نسأل أما كان الأجدر لبعض المسؤولين والإداريين الذين يتودد إليهم مثقفو البجا أن يكون من بينهم بعض أبناء البجا ليكفوا أنفسهم وأهليهم محنة الاستجداء والتملق؟ ما الذي يمنع ذلك؟
ولنكون أكثر تحديدا هل لنا أن نسأل الدكتور كم عدد البجاويين في مشروع منطقة البحرالأحمر الذ ي يتحدث عنه وما هي أدوارهم في هذا المشروع تخطيطا وتنفيذا ؟  وبالمناسبة ماينطبق علي هذا المشروع ينطبق أيضا لمشاريع أخري بالمنطقة حكومية أو غير ذلك والتي ترسم وتنفذ في غياب المعنيين حتى أصبح حالهم كحال من وصفهم الشاعر :
يقض الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود
نحن نشد من ازر الكاتب في أن لا يختزل دور المثقف البجاوي في استحلاب المعلومات جمعا وترجمة . ولكن إلي أن نحصل علي إجابات مفيدة لهذه الأسئلة وأسئلة كثيرة مشابهة لها لا بد أن نقر أن دورالمثقف البجاوي في المشاركة , في كل ما يدور حوله , سيظل هامشيا , إن كان له دور البتة. لذلك يصبح من اللامعقول أن نطالبه بدور غير متاح له ولا يملك أدواته وآلياته. ولسوء الحظ أن الأمر لا يقتصر علي تقزيم دور المثقف وحده وإنما يتعداه ليطال المنطقة بأسرها. لكي لا نتهم بعدم المصداقية نسوف هنا بعض النماذج التوضيحية لما نرمي إليه.
نبدأ بمنطقة شلاتين وهي نقطة حدودية بين مصر والسودان واشتهرت في السنين الأخيرة كنقطة للتبادل التجاري بين البلدين وانشأت لهذا الغرض نقاط جمركية في البلدين لتسيير هذا الشأن. مما عزز وساعد في حركة التجارة المتبادلة وجود قبائل مشتركة علي طرفي الحدود. ساهمت هذه المنطقة , رغم ضحالتها ومحدوديتها , في إنعاش التجارة في بورتسودان ومن ثم المناطق المحيطة بها. ولكن فجأة وبلا مقدمات أو مصلحة عليا أغلق هذا المنفذ وحول بين يوم وليلة ألي العبيدية بالشمالية.
ثانيا الجميع يعلم أن قسما بميناء بورتسودان (القسم الجنوبي) صمم خصيصا لاستقتال وتخليص الحاويات التي بفضلها أصبح المكان مصدر رزق لكثير من العمال والموظفين والمخلصين في بورتسودان لإعاشة أسرهم وأقربائهم الذين طحنهم الغلاء المعيشي. أيضا وبلا مبررات مقنعة حولت هذه المحطة من بورتسودان إلي سوبا.
ثالثا أين الحلول العملية لمشكلة مياه بورتسودان المزمنة التي وعدنا بحلها منذ نعومة أظافرنا حتى أصبح ذلك حلما يراود العطشي من مواطني الثغر.
لا أود الإسهاب في مواضيع شائكة أخري ربما تكون أكثر قتامة من هذه كإهمال المشاريع الزراعية في طوكر والقاش وكذلك مصانع القطاعين الخاص والعام وتردي البنية التحتية كلها في جميع أطراف الإقليم.
هذه نماذج بسيطة استحضرها علي عجل. يقودنا هذا كله ألي سؤال برئ وهو لمصلحة من يحدث كل هذا؟ ألسنا محقين بعد هذا إذا افترضنا أن هنالك سياسة ممنهجة لإفقار المنطقة وجعلها مكانا قفرا منفرا وطاردا.
المثقفون البجاويون الذين وجدوا أنفسهم في هذا المأزق الغريب عليهم أن يتكيفوا مع هذا الواقع المفروض عليهم بالاستجداء حينا وبالتقرب حينا من مسؤول أو إداري عسي أن ينجز لهم رغبة في تعيين موظف أو استيعاب طالب في جامعة  أو كلية. إنه وضع غريب , كما صوره الكاتب. ولكن ما العمل؟ البديل المتاح هو مزيد من التهميش والتغييب. بل علي المثقف البجاوي أن يهنأ إذا استطاع أن ينجز شيئا في هذه الظروف الإستثنائية الغريبة . ولكن السؤال الملح والمهم في آن واحد أليس من المخجل أن يضطر مواطن لمثل هذا ا لأسلوب من العمل السياسي والاجتماعي الذي يختزل دوره في سباق ماراثوني لاهث خلف موظف أو إداري لإنجاز عمل هو دون طموح المنطقة ؟. أنه لمؤسف حقا أن يجد مثقفو البحا أنفسهم في وضع مهين كهذا يتحايلون فيه إلي ذلك الموظف توددا وزلفى ويصطنعون له  حسبا ونسبا أو يسعون لإرضاء غروره بإيهامه بأنه الواهب الجواد. هنا تكمن محنة السودان الذي أقتيلت فيه المؤسسية وتراجعت فيه مظاهرالدولة الرشيدة. ففي ظل هذه الإشكالية تختفي الإنجازات الكبيرة ويتحول الناس إلي حلول فردية لا تتعدي نطاق الذات.
نود أن نتطرق الآن إلي نقطة أخري من مقال الدكتور وهي الجدال اللغوي المحموم بين قوميات السودان المختلفة لإثبات الملكية التاريخية للخرطوم وذلك عبر تمرينات لغوية لا تتجاوز الحذلقة الأكاديمية التي يجب أن يكون مكانها الجامعات ودورالبحث لأن الإستنتاجات والإشتقاقات اللغوية الدائرة , بصرف النظر عن خطئها أو صوابها , سوف لن تقدم من الأمر شيئا, لأن هذه القوميات , مهما استماتت دفاعا عن حججها, سوف لن يخولها ذلك امتلاك ناصية القرار السياسي في الخرطوم , وهذا كما نهوه له الدكتور , هو مربط الفرس في هذه المساجلات اللغوية. أعتقد أن الأمر برمته لا يخرج عن إطار صراع الهويات في السودان , و الدكتور أدري بأبعاده ومراميه .
نقطة أخري في مقال الدكتور , وهي الأهم في نظري , وهي عنوان المقال نفسه – صفوة البجا : إبداع في فضاء الإستضعاف . أعتقد أن الكاتب جانبه الصواب في هذا الإختيارغيرالموفق الذي يلصق تهم الإنتهازية والأنهزامية بالمثقف البجاوي . أنا حاولت أن أوضح الظروف والبيئة التي يعمل فيها هذا المثقف والخيارات المتاحة له , رغم أن الدكتور أغفل الخوض في الموضوع لأسباب هو أدري بها . لا يمكن أن يحكم عن الواقع بمعزل عن المحيط الذي حوله والملابسات التي  تكيفه , وكما يقال فإن الإنسان نتاج واقعه . لنري ما نقصده دعنا نرجع القهقري لنري عطاء هذه الصفوة في زمن غيرالزمن الذي نحن فيه الآن , في زمن كانت هذه الصفوة هي قائدة المسيرة , لا يخطط لها ولا يملي عليها ولا يقضي أمربدونها, كان كل الأمر بيدها تخطيطا وتنفيذا. نعني بذلك أن البجا علي مدي تاريخهم الطويل كانوا الحراس الأمينين للبوابة الشرقية حتى  قبل تكون مايعرف الآن بالسودان. ولكن دعنا نأخذ مثالا واحدا أسهب المؤرخون في وصفه وهو استبسال المحاربين البجاويين  أيام المهدية تحت إمرة قائدهم عثمان دقنة في الذود عن الأرض والعرض من رجس الإنجليز وأذنابهم من شراذمة الترك والمصريين. في ذلك واجهوا بسيوفهم ورماحهم فقط جبروت الآلة الحربية البريطانية بأساطيلها وعتادها وكسروا مربعها وأذاقوها مرارة الهزيمة والإنكسار النفسي حتي ان الكولنيل سير بيرسيفال مارلينغ الذي شارك في تلك المواقع زار مسرح العمليات بعد فترة من الزمان ووقف علي تل يشرف علي مقابر الإنجليزهناك وقال وهو يحاول التخفيف من مرارة الهزيمة " أنها كانت أسوء معركة تحت قيادة أسوء جنرال بريطاني في أسوء فترات جيشنا" وننقل تعليقه حرفيا لأنه أدق تعبيرا من الترجمة  It was the worst battle fought by the worst general in the British army at the army's worst period (SNR vol.xx .p197  1937 لكن شاعر الإمبراطورية البريطانية الشهير روديارد كبلنغ كان أكثر صدقا مع نفسه ومع الواقع لذلك لم تأخذه العزة كما أخذت مواطنه سير مارلينغ عندما مدح المحارب البجاوي الأشعث في كسره مربع جيش الإمبراطورية . هذه هي بعض مقاطع قصيدته Fuzzy Wazzy التي ترجمها الأستاذ الكبير ضرار صالح ضرار والتي دخل من خلالها المحارب البجاوي تاريخ العسكرية البريطانية—يقول كبلنغ :
لقد التحمنا في معارك ضد كثير من الرجال عبر البحار
بيد أن البجاوي كان أروع الجميع
لم نستطع أن نحصل منه حتى ولا علي نصف بنس
كان يلعب بقواتنا كما يلعب القط باليمامة
وحين التقينا بالبجاوي رجل برجل فإنه صرعنا جميعا
إنه يهجم علي الدخان عندما نتوقف عن التقدم
وقبل أن نعرف الموقف نجده قد أعمل سيفه في رؤوسنا
إنه رمال محرق وزنجبيل حار عندما يكون حيا
وأنه علي العموم  يكون مرعبا عندما يكون ميتا
إنه زهرة الديزي  إنه حمل
إنه قطعة من المطاط المهروس بالانطلاق
إنه الشئ الوحيد الذي لا يعطي مثقال ذرة من الاهتمام
لفرقة المشاة البريطانية
لذلك فإليك هذه القصيدة أيها البجاوي برأسك
ذو الشعر المدبب
أيها الأسود الكبير العين لأنك أنت
حطمت المربع
هكذا كان حال الصفوة آنذاك ممهور بشهادة اعتراف من الأعداء قبل الأصدقاء—إنها قلادة شرف وعز انتزعها المحارب البجاوي من أسنان الغازين المغتصبين ليتباهي بها فخرا وإبداعا في علياء المجد والبسالة.