تحالف المتمردين فى دارفور والجنوب هل يمتد الى الخرطوم؟
تقرير: حسن محمد زين
لم يكن ما حدث فى الاعوام الاخيرة فى دارفور من تمرد على السلطة الاول فى تاريخها فبعد الاستقلال ولابعاد مختلفة ولدت حركات متمردة منها (اللهيب الاحمر) وقد كانت ذات صبغة وصفت بانها عنصرية ورغم ان عداءها وعملها قد تركز فى المنشورات إلا ان صيحاتها لم تجد صدى فى جغرافيا المنطقة فراحت ادراج الرياح.
بولاد.. الاول
محاولة اخرى كانت فى عام 1963 ظهرت فى جبل مرة حركة سميت (منظمة سونى) كانت مدعومة من بعض الجنود والضباط العسكريين وقد وئدت تلك الحركة عسكرياً لتأتى بعدها فى العام التالى جبهة نهضة دارفور التى ظهرت عقب ثورة اكتوبر وقد اوكل مؤسسوها امر قيادتها لاحمد ابراهيم دريج ، وكانت تتطلع لدور سياسي واسع خارج الاقليم إلا ان التنازع قد اطاح بها.. وفى التسعينات ظهرت حركة بولاد التى كانت نتاجاً لصراعات سياسية داخل الحركة الاسلامية وقد قاده طموحه من اقصى اليمين الى اقصى اليسار حيث احتضنته الحركة الشعبية وكان هذا اول مؤشر على تحالف ما او دور للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق فى احداث غرب السودان.. وفى اغسطس 2001م وعلى اثر نزاع قبلى محدود فى منطقة جبل مرة تم الاعلان عن ميلاد حركة تحرير دارفور التى سرعان ما تطورت فى نهاية فبراير 2003م الى الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع دارفور كجماعة مقاتلة وظهرت بعدها حركة أخرى سميت العدل والمساواة.
استراتيجية أم تكتيك..؟
ما يهمنا هو العلاقة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والحركة الشعبية قطاع دارفور ونحاول هنا ان نعرف مدى قوة هذا التحالف والهدف الذى يسعى لتحقيقه ومآلاته المستقبلية وهل هو تحالف استراتيجى ام مجرد خطوات تكتيكية يسعى كل طرف للاستفادة منها وتدعيم مكاسبه السياسية والعسكرية؟.
اذا تجاوزنا المسمى الذى يمكن ان يفسر على انه تعلق بالحركة فاننا نجد ان الحركة
الشعبية قطاع دارفور قد تبنت اطروحات الحركة الشعبية وذات نهج الكفاح المسلح وفتحت قنوات اتصال مباشرة معها وليس خافياً ان الحركة الشعبية الجنوبية قد اسهمت بشكل فاعل فى ضم متمردى دارفور الى التجمع الوطنى وايجاد موطئ قدم لها فى ارتريا والمشاركة فى احتفالات مؤتمر البجة فى شرق السودان بمناسبة مرور عقد على انطلاقه حتى ان جون قرنق قد اعترف بوجود علاقات سياسية تربط حركته مع الحركات المسلحة فى دارفور إلا انه نفى الاتهامات الموجهة له بتمويل المسلحين فى دارفور وتقديم الدعم العسكرى لهم، وذات النفى ساقه دينق ألور حين سئل عن دور الحركة ونقلها لقياديين من حركة تمرد دارفور الى اسمرا وان لقاء قادة تمرد دارفور مع قرنق تم باعتبارهم اعضاء فى التجمع.
د. مجذوب الخليفة قال ان الاتصالات بدأت بين المتمردين فى دارفور بقيادة عبد الواحد محمد نور وجون قرنق قبل لقائهما الاول وكل ذلك للضغط على مفاوضات نيفاشا والتى لم يستطيع جون قرنق فرض ما لديه من اجندة فيها، جاء بعد ذلك العديد من المناسبات والعوامل التى -نعدها نحن سعيدة جداً- اكدت لنا ان الحركة كانت اصلاً على اتصال بمتمردى دارفور.
ظلال الشك
ولكن ظلالاً من الشك تحوم حول ما تم نفيه، فعندما التقى جون قرنق برئىس الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع دارفور بحضور امينها العام فى اسمرا تنصلت الحركة عن ما حدث فى انجمينا وقالت ان البيان الختامي لمفاوضات انجمينا غير معبر عنها وفى هذا الاطار يمكن قراءة التصريح الذى نسب لياسر عرمان المتحدث الرسمى باسم الحركة الذى جاء فيه قوله: ان امريكا طلبت رسمياً من جون قرنق ان يقوم بدور فى دارفور.. مما يوحي بأن امريكا تدرك بأن لقرنق يداً خفية فى ما يحدث هنالك.
يضاف الى كل ذلك ان حركة التمرد فى الجنوب سعت منذ زمن طويل لارتداء جلباب القومية فضمت الى صفوفها فى البداية عدداً من الشماليين حتى تنفى عن نفسها صفة العنصرية والاقليمية، ووجدت لاحقاً فى التجمع المعارض ضالتها لتتمدد الى شرق وجنوب شرق السودان كما لا ننسى انها وجدت فى حركة بولاد متنفساً مؤقتاً فى غرب السودان وكل هذا ينهض دليلاً على ان الحركة لن تستعصم ازاء اى تحالف يتاح لها للضغط على الحكومة وانهاك السودان الشمالى بحروب وصراعات داخلية . ولا يمكن انكار ان جون قرنق يستفيد من متمردى دارفور كورقة ضغط فى المفاوضات مع الحكومة السودانية تماما كما فعلت
استغلال منطقتى جبال النوبة والانقسنا.
وراء الاكمة
لا توجد مؤشرات جازمة تؤكد ان الحركة الشعبية هى التى خططت لهذا التمرد، فللتمرد جذوره فى دارفور وان كان بعضها منبتاً إلا ان التنسيق الذى تم بين مجموعات متمردى دارفور رغم اختلاف قبائلهم وبعض أجندتهم يؤكد أن وراء الاكمة ما وراءها.
من كل ما تقدم نخلص الى ان هنالك علاقة قوية بين المتمردين فى الجنوب والغرب يمكن ان ترتقى الى درجة التحالف ويبقى سؤال مهم: ما هو مستقبل هذا التحالف او الارتباط؟
د. الطيب زين العابدين يرى ان متمردى دارفور لا يمثلون القاعدة الواسعة لها فهم شبان متحمسون وبعد السلام والتعددية سيزول تأثيرهم ولن يكونوا زعماء دارفور القادمين. فبعد الاتفاقيات السياسية ستشعر الحركة الشعبية بأنهم ليسوا قوى سياسية فاعلة وستجد ان هناك قوى أخرى (اتحاديين- أمة- مؤتمر وطنى) ولا ننسى ان قاعدة الكسب السياسى فى آخر ديمقراطية اتت بالاسلاميين فى المركز الثانى فى دارفور.. حتى اغلب هؤلاء المتمردين لديهم ميول اسلامية وهم يشكلون القوى الحقيقية وما يجرى الآن هو حلف مؤقت، يساعدون بعضهم البعض ضد ما يعتبرونه عدواً مشتركاً ولكن بالحلول السياسية سيزول كل هذا.. ومتمردو دارفور لا يضمنون حكم دارفور كما ضمن قرنق حكم الجنوب فقط سيشركون فى السلطة حسب حجمهم.
الاستاذ عبد الله آدم خاطر له رؤية متكاملة وبعيدة الغور فى مجمل العلاقات بين الغرب والجنوب فى اطار عام اذ يقول ان هناك علاقات ثقافية وتاريخية اذ ان هناك 21 قبيلة فى الجنوب اصولها دارفورية مثل المنادى والفراتيت، وفى زمن السلطان علي دينار أنشأ اباراً للشرب والسقيا فى بحر الغزال اسمها آبار علي ذلك فضلاً عن علاقة قوية ربطت السلطان نفسه مع زعماء القبائل فى الجنوب وقد كان ذلك واضحاً من خلال الهدايا السنوية المتبادلة.
هذه العلاقة -يواصل خاطر- التى كانت تمثل نقطة التقاء ثقافى واقتصادى وعرقى انفصمت بالاستعمار الانجليزى بين الجنوب وكل الشمال بسبب سياسة المناطق المقفولة ومع قدوم الاستقلال عرضت الادارة البريطانية على زعماء دارفور 3 خيارات هى:
1- استمرار الاستعمار حتى اتمام التنمية ومن ثم منح دارفور حق تقرير المصير.
2- دمج الجنوب ودارفور فى اطار ادارى مشترك
3- ان تكون دارفور جزاًء من الحركة الوطنية التي تطالب بالاستقلال.
- خيار قديم
فى ذلك الحين -يقول عبد الله آدم خاطر- انه وبتأثير من رموز الحركة الوطنية اختارت دارفور الاستقلال فى ذلك الوقت ضمن الحركة الوطنية. بمعنى انها قررت مصيرها فى اطار السودان الكبير على امل حصولها على التنمية وحصولها على الخصوصية.
الظروف السياسية والادارية والأمنية فجرت مواقف مختلفة ضد الدولة ووصلت حد التمرد الآن وهذا اعاد للاذهان مرة ثانية ان يلتقى الغرب والجنوب فى اطار سودانى، وفى تقديرى ان دارفور مدركة تمام الادراك لواقعها التاريخى والاسلامى وخلفياتها الثقافية والعرقية وفى هذا السياق اعتقد ان النموذج الذى يصلح بين دارفور والجنوب هو التعاون والشراكة لتجاوز الازمة -ازمة الحكم وازمة التنمية وازمة الديمقراطية والتحديث وهذا فى اطار لا مركزية حقيقية تحفظ حقوق الاقاليم فى اطار السودان الجديد الذى يعترف بنفس الحقوق لاهل الشمال والشرق والمناطق الاخرى.
سكر وملح.. عسل وشطة
الاستاذ محمود موسي وزير الشئون الهندسية بولاية نهر النيل يرى انه لا مستقبل لذلك التحالف ويقول ان ما بنى على باطل فهو باطل ويشير الى مثال قريب حزب العدالة والمساواة ويتساءل هل عاش ذلك التحالف الذى جمع سكراً وملحاً وعسلاً وشطة وسرعان ما تلاعنوا على الملأ باسوأ النعوت.. لقد اخترنا الشخصية السودانية بلا عرقية ولا جهوية ولا عنصرية.. ان ما حدث بين متمردى دارفور والجنوب ما هو الا تكتيك لبلوغ اهداف ومخططات معينة واعتقد ان سامرهم سينفض بمجرد حلول السلام.
حّمال اوجه
الفريق (م) ابراهيم الرشيد يرى ان التحالف بين متمردى دارفور والجنوب يحمل الصفتين فهو استراتيجى من خلال المفاوضات مع الحكومة كنوع من الضغط او الاضعاف ولتحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب..
وهو تكتيكى او مرحلى بعد السلام وذلك بالمشاركة فى حل المشكلة السودانية بصفة عامة.
علاقة مفصلية
اما الاستاذ عبد الرسول النور فيعتقد ان العلاقة بينهما ستكون مفصلية، لان الحركة الشعبية بالجنوب تعتقد ان متمردى دارفور اقرب اليها من الناحية العرقية لانها تريد ان تجمع اهل السودان حولها على اساس الاغلبية العرقية.. بينما الحكومة السودانية تريد ان
كسب الاغلبية على اساس دينى وقومى.. ولكن فى نهاية الامر فإن ظروف دارفور مختلفة والتحالف بين الحركتين اساسه ان حركة دارفور ستكون مثلها مثل حركة جبال النوبة وجنوب النيل الازرق (فرع من الحركة الرئىسية).
ويضيف عبد الرسول: فى دارفور الكثيرمن الحركات بعضها متحالف وبعضها متناقض واستمرار تحالفهم مع قرنق يتوقف على مدى تأثير قادتها والامكانيات التى يمكن ان توفر لهم وقدرة الحكومة على استمالة وكسب الفصائل التى وقعت معها على اتفاق انجمينا.
وبذا يبدو احتمال تدعيم التحالف بين حركة دارفور
وحركة الجنوب وتحويله من تحالف تكتيكى مؤقت لتحالف استراتيجى يقوم على ابعاد إثنية
ذات اجندة إقصائية من المخاطر التى ستهشش خيار السلام القادم.. بمجرد وصوله محطة
القصر الجمهورى بالخرطوم..!!