الي د. عبدالله علي ابراهيم:الافروعربية ليست تحالف الهاربين
اولا
ومن منطلق فلسفي فانه لا يجوز اثبات وجود ما هو
موجود
(بالصورة) وان ذلك نوع من الاعتباطية واستهلاك زمن
في جدل (سفسطائي)
ذلك
ان الافريقانية في السودان موجودة بالصورة , بداء من اسم الدولة
التي
اطلقها العرب(وهذا من باب شهد شاهد من اهلها) علي قوم سود
يسكنون
في البلاد المسمي السودان. وفي التاريخ كتب ابن خلدون في
مقدمته
عن اقاليم السودان :وذكر ضمن من ذكره من شعوب: بلاد النوبة
والبجة
وسكان جنوب السودان ومجالات الزغاوة ......وغيرها
كما
ومن الممالك
الاكثر تاثيرا وشهرة واكثر توسعا من نواحي
العلاقات
الدولية وسعة
الملك
كانت ممالك افريقية
مثل
مملكة النوبة صاحبة التراث العمراني المذهل ومملكة دارفور (رواق ازهر
وكسوة
كعبة) ومملكة العلوة وغيرها .
وفي التاريخ السوداني الحديث كانت لنضال
القوي
الافريقية
دورا
هاما واساسيا في كون السودان بشكلها الحالي وان
كانت
النّخب
التي
كتبت تاريخ
(وليست التأريخ) السودان الحديث نسيت او تناست
عن
ذكر
كثير من هذه النضالات ( نذكر منها تصويت القوي الجنوبية لصالح
الوحدة ,
ومعارك التحرير في كل من الطينة والجنينة والتي بموجبها
تم
تحديد حدود السودان الغربية بشكلها الحالي)
كذلك
قوة تاثير
الافريقانية
ارثا وثقافتا علي السودان واضح للعيان وسط القوي
الافريقية
التي تعرضت
للاقصاء
والتهميش في الجنوب ودارفوروالشرق ومناطق اخري , وفي هذا
المجال
نذكر اختيار د.
فرنسيس
دينق ضمن افضل مائة شخصية مؤثرة
في
القرن المنصرم فهل يوجد انجاز
مشابه
حققته تلك القوي
المستعربة
الناكرة لافريقية
السودان؟
اذا
كان المفكر هو ذلك الشخص الذي يحمل في اعماقه ثقافة
نقدية
قادرة
علي انتاج الافكار وتنشيطها لتشكل نظاما فكريا ما وتوسيعها
واغنائها
وتجديدها والتحقق من مدي تطابقها مع الواقع , واذا كانت
الايديولوجيا
علي عكس ذلك تقوم بانتقاء لبعض الافكار التبسيطية عن
سبق
اصرار من اجل تعبئة الجماهيرللقيام باعمال محددة. فان ما يقوم
به
د. عبدالله علي ابراهيم هو ممارسسة الايديولوجبا التبريرية من اجل
تهييج
الجماهير واعادة انتاج الثقافة الاحادية الشرقية التي تقوم
علي
اسس استبدادية , ذلك الثقافة التي تؤمن بالمستبد العادل بديلا
للحريات
وتشكل تجمعات محاميين من اجل دفاع عن الطواغيت امثال
صدام
حسين .انا لا اتهم هنا د. عبدالله بقدر ما انتقد الثقافة التي
ينفي
مستندا عليها كل الارث الاجتماعي السوداني الافريقي الشغّال
.
العنوان
الذي اطرحه هنا بديلا لما يقوله د. عبدالله
هو
الاسلامو-عروبية
وتحالف الهاربين
ولكي
نثبت وجود هكذا
تحالف
غرّبت الوطن من مجمل محيطه الافريقي ولم
تنجح
في ادخالها اوادماجها
في
عروبتها المصطنعة , يجب ان نبدا في
تحليل
عناصر التراث الاجتماعي
السوداني
ومقارنتها بتلك الموجودة في
البيئة
العربية المثالية(الجزيرة
العربية).
اذا
كانت اللغة تؤثر في حضارة الامة ومظاهر ثقافتها فهي
بدورها
تتاثر
بحضارة البيئة ونظمها وعقائدها واتجاهاتها العقلية
وتقاليدها
ودرجة ثقافتها واحوال بيئتها الجغرافية والمناخية
وشؤونها
الاجتماعية الاخري , والحال هكذا فان مايملكه اسلاموعروبيون في السودان
هو
رهان اللغة العربية اما العوامل الاخري فهي عوامل افريقية في
الاساس
وبالتالي من الطبيعي ان تكون بسماتها قوية علي مجمل الهوية
والثقافةالمنتجة
في السودان.
واذا
كانت اللغة نظاما من الاشارات
التي
تعبر عن الافكار , فان
الدولة
السودانية الحديثة بتجاهلها اللغات
المحلية
تجاهلت
الافكار الموجودة داخل هذه اللغات والارث الثقافي
المكوّن
لها ,
وتلك اول دلائل قصور الرؤية للنخب المثقفة التي فرضت واصّلت
للاثقافة
الاحادية في السودان.هذه الثقافة العربية المستوردة والتي
قامت
بعملية تعريب (عمودي) لانماط الثقافية الافريقية واعادة
انتاجها
في قوالب (عربية) دون ان يحفظ لها حقها الافريقي بل وصلت
الي
درجة الانكار لوجود أي اصل افريقي لهذا الارث الثقافي الموجود
واقعا
(انظر:
د. عبدالله علي ابراهيم :افروعربية وتحالف الهاربين)
.
لو
نظرنا الي العلاقات التي تحكم وضع المراة في المجتمعات
السودانية
لوجدنا انها منخرطة ومساهمة بقوة في الفعل الانتاجي اذ
المراة
في الريف السوداني مثلا عاملة ومنتجة , و في التاريخ
القديم
تبوات
المرأة مناصب قيادية عليا (ممالك النوبية) , وكل
ذلك
توكد بان المراة
في
السودان ناشطة ضمن الفاعلين اجتماعيا ,
فهل
هذا يبدو مشابها لوضع المراة
العربية(
الجزيرة العربية) ,
وما
هو السبب وراء هذا الانحراف لوضع المراة
في
السودان اذا
افترضناها
عربية؟
دلالات
الشلوخ:
ظاهرة
الشلوخ
في السودان وهي ظاهرة موجودة وسط القبائل النيلية
مثل
الشايقية
وكذلك
موجودة في اوساط قبلية سودانية كثيرة اخري وهي
امتداد
لظواهر افريقية
مشابهة
مثل وضع علامات في الوجه او تلوين
الجسم ,
ومن هذا المنطلق فان
الشلوخ
عند الشايقية منسجمة تماما
مع
التقاليد الافريقية ولكن هل توجد
تقاليد
مشابها لظاهرة الشلوخ
في
الاوساط العربية الاصلية؟
وانا
هنا
لا
اتفق مع الفكرة القائلة بان الشلوخ عند بعض القبائل
النيلية
عبارة عن
وسيلة
لحفظ نوعها(العربي) من الذوبان في القبائل
الافريقية
الاخري وان كان
في
هذا القول تلميح او اعتراف ضمني بحدوث
مثل
هذا التداخل ادت الي تغيير
السحنات
اللون مما جعلت العلامة في
الوجه
دلالة وحيدة لتحديد النوع
(فيزيائيا). حسب اعتقادي فان
الشلوخ
ظاهرة افريقية موجودة ومنتشرة بكثرة في
الاوساط
القبلية
المختلفة
( المحس او الشايقية , الفور , اودينكا ,
الزغاوة
............الخ).
اما
السؤال الاكثر الحاحا هو:
ما
الذي
يجعل
العربي في الجزيرة العربية لا يتذوق الفن السوداني؟
ففي
وقت الذي
يتمايل
كل الشعب العربي من المحيط الي الخليج طربا
لاغاني
المكوجي شعبان ,
لا
نجد من يقوم
حتي
بنقر الاصابع لاغاني العملاق وردي او غيره من الفنانيين
السودانيين ,
ولكن الغريب ان هؤلاء العمالقة لهم جماهير علي
امتداد
افريقيا
حتي اوساط اولئك الذين لا يعرفون اللغة العربية فما هو سر
هذا التعلق الافريقي بفن السوداني, فيما يرفضه العرب بصورة ماساوية ؟.
ان
النتاقض
الواضح
ما بين واقع الارث الافريقي (الشغّال) داخل غالبية
الاوساط
الشعبية
السودانية
وبين الثقافة العروبية (المتخيّل) فقط
عند
النخب المهيمنة لمفاصل
الجهاز
الاعلامي والثقافي الرسمي للدولة
هو
الذي افرز هذا الواقع السوداني
المحزن .انه
لمن المؤسف ان
يمارس
الدولة اساليب السرقة والتشويش والاقصاء
للارث
الاجتماعي
الافريقي
وبالتالي تمييع الهوية السودانية وتغريبها عن
بيئتها
مما
ادّ
ذلك الي انتاج ساحتين اجتماعيتين في الفضاء
السوداني
ساحة
عروبية متخيّلة عند النخب ولا وجود لها لا في الواقع السوداني
ولا
في اوساط العربية التي يدّعون الانتماء اليها وانما هي ساحة
وهمية
مصنوعة بفعل الاعلام وبوسائط التهييج الجماهيري التي تجيد هذه
القوي
استخدامها بكفاءة.
اما
الساحة الاخري فهي ساحة التراث الجمعي
المهمّش
من قبل القوة
المهيمنة
.ان
دراسة البيئة الاجتماعية للتراث
السوداني
من الدّاخل ومعرفة
السيميائيات
الدلالية والثقافية لكثير من مكوناتها
البنيوية
وتحليلها بدقة
سيكشف
النقاب عن زيف الادعاء بهوية العروبية
ويكشف ايضا
الي
أي مدي تداخلت النوبية مع العربية مع غيرها من
مكونات
النسيج
السوداني
الي درجة يصعب معها فرز الكيمان من جديد.
د. بشارة صقر