الواقع وحتمية التغير

عندما وقعت الأحداث المؤسفة بمنطقة دارفور كشفت لنا عن الكثير من الحقائق المؤلمة التي كنا نجهلها سابقا . أولها أنها فضحت  عن ضحالة ثقافية وفكرية وسياسية واسعة التمدد في عقولنا . وظهرت لنا ما كنا للننتبه لها لو لم تحدث أزمة دارفور وازمة الغرابة عامة.

 وبلا شك سترسو عليها متغيرات كبيرة على المستقبل المنظور والأبعد، إن ابينا ذلك أم رضينا .

الجهل عن الذت في الهوية والثقافة والموروث التاريخي والجغرافية والوضع الاجتماعي والسياسي كانت عصب تلك الحقائق المؤلمة، وهي نتاج لعمل منظم عملت لها الالة الاستعمارية البيضاء (الإنكليز ) والملونة المستعربة ( الجلابة ) منذ أمد طويل ،وفق مخطط دقيق رافقت مسيرة الحياة العامة للموهمشين من أبناء الغرب خاصة والأفارقة السود في دارفور و النوبة  والانقسنا والشرق عامة ، وكان الجنوب سباقا للاحتجاج والخروج المبكر وذلك لعوامل عديدة.

سياسات التهميش والاستقصاء و الاضطهاد العنصري والمسخ الثقافي واللغوي تمظهرت في عدت مستويات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية في تلك العناصر المهمشة خلال حقبة التاريخ والعلاقة بينها و بين الاسياد (الجلابة ) بوجوههم المتعددة  ، تمثل فيها السيد الشمالي الجلابي (الآمر للسياسات) وتمثل المهَمش الإفريقي أو الخليط أو الغرابي (المتلقي) طاعة وكرها.

 وتراكمت كل تلك السياسات عبر الحقب ‘ ليأتي بشاعتها مرا وقبحا يوم انفجار الأحداث . وحزمة السياسات الشمالية تلك لا تشكل خلقا عادي أو سلوك انفرادي فقط في التعامل  لكنها تشكل المبادئ الأخلاقية المترسبة في الفكر الاجتماعي والاقتصادي و السياسي الشمالي الذي يقوم على الاستعلاء العرقي ومحو وجود الأخر معنا ومادة ، ولأحقادٍ سلفت.

 وظواهر ذلك عديدة عبر حقب الزمن من الابادة الجماعية للجنوبين بعد ظلمٍ مرورا بحرق النوبة وسحق الفونج انتهاء بالفصل الماسوي الذي يدور حاليا بدارفور. وبين هذا وذاك تموج ذاكرتنا بصور فجة من الألم  ابتداء  بدمغ أي  مطالبة للحقوق من قبل المهمشين بالعنصرية والرفض، والتفرقة لسكان الجزيرة (الكمبهات ) من الغرابة عنصريا (وعمال الجنقوقجورا ) ونازحي (الكاشات ) واعشاش مدن العاصمة (جوهانسبوج الجديدة). تلك صورة تنكرها انسانيات كل البشر مهما اختلفت عقائدهم وأفكارهم وتوجاتهم الحياتية.

إن القضية يستهدف كل إفريقي اسود ؟ وكل مهمش ملون ؟ كل غرباوي او جنوبي مسيحي ؟ كل نوبي او فونجي؟ يستغرب المرء لتحكم هذه الأقلية العنصرية المستعربة على مقاليد الأمر بهذا الشكل العنجهي وتعاملها بهذه الغطرسة والعجرفة وقلة الأدب . دون حياء أو خجل ودون أن تنسى انها كانت يوما عبدا (مشلخا)  وانها بقايا مضاجعات الارنؤط   والمصريين وبقية من أشتات الغجر والدكيمية  المباركة . وإنهم من ساهموا في إسقاط أربعة حكومات وطنية وتاريخ  طويل من العمالة والارتزاق حافل بالجبن والعار لا وراع فيه لأي قيمة أو دين أو خلق كريم.

الجيل الأول المهمش

لم يتمكن الجيل الثاني من خروج المستعمر في المناطق المهمشة من إحداث تغير يذكر . وانسياقهم في أوعية الأحزاب الشمالية ذات الفكر الاستعماري وغدوا يتحدثون  بالسنتهم والتعبير بمفاهيمهم مما ياكد تقبلهم للظلم وسكوتهم عليه، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن البنيةالمركزية في عقول الاسياد الجلابة يقوم على أسس لا يرضى بقبول الأخر بذاته الحقيقي .ويبين استيعابهم في المؤسسات السياسية والاجتماعية  الشمالية أحزابا وبرلمانات ونقابات وتيارات فكرية  نوعا من الذوبان ومحوالشخصية والفشل في صناعة واقع تغييري جازب يامن لمستقبلا الجيال.

التغير المرجو وحجم المسئولية

الحركات التحررية والثورات في الشرق والغرب (دارفور) وكانت في الجنوب يمكن ان نسميها  او نختلف فيها اراها  تدافع طبيعي في مواجهة تراكم وترسبات تاريخية في العقلية وفي التربية التي تشكلها وتزكيها نوعية العلاقات التي تربط الشمال بالغرب خاصة والشمال بباقي السودان عامة . والذي تجعل الشماليين يفرزون هذه التصرفات كسلوك للتغير وإعادة التبعية بشكل لا شعوري وبشكل قهري وفوقي ووهم ادعاء السيادة المطلقة . وان الشر صناعة خارجية ليست وليدة أيديهم الآثمة عبر مر التاريخ.

ودعمنا لحركتي التحرير والعدل والمساوة  يكون الان واجبا وواقع مفروضا مهما اختلفنا معها وتباينت آراءنا كدارفوريين ومهمشين ، و لانهما و بعد وادنا بأمر الجلالييب لحركة الشهيد بولاد يمثلان أملا لا نأمل بعدهما أن تأتينا السماء بماء من فضة أو ذهب.

ما يجب ان يكون

أولا : فهم القضية أبعادها ومحيطها العام  ثم بعدها نرى أن  مواجهة هذه المظاهر  يجب أن تستمر و بكل قوة  ولكن بخط مدروس ومنهجية علمية  وهذا يتطلب منا ضرورة العمل الجماعي في التفكير والتخطيط والتنفيذ والتكوين  وبمستويات بعيدة المدى وقريبة أيضا.

 ثانيا:  أن ينمو التيار التجديدي وأن يكسب أو تكسب الحركات التجديدية الثورية المسلحة والساسية والفكرية  ذات الخطاب التجديدي  و الوسطية  الايجابية والقراءة الذاتية لواقع المجتمع في المجتمع وفي الجيل الرابع المهمش  . وفي ابناء المهمشين الرهان بحيث نحاول ان نصنع واقعا منسجما – بالضرورة – أو منفردا لمرجعية التخطيط الجماعي المنظم والواعي .

 ثالثا: هو أنني التمس من الإخوة الطلاب الجيل الرابع - حديثي التخرج - من المهمشين  التأثير في حركية المجتمع  وضرورة الخروج من الانطوى حول مشاكل الذات والأسرة المحدودة فقط إلى التفكير والتأثير في قضايا الشأن العام في القضايا المجتمعية التي يعني شعبنا حتى تبرز شخصية  المغيرين المستقلين المعتزين بأنفسهم الكوادر الفاعلة التي لها الرؤية الثاقبة في جميع القضايا وليس فقط  سجن النفس و التحدث في الشئون الذاتية والخلاص الشخصي دنيا وأخرى.  

رابعا: هو أننا كجيل  جديد  يجب علينا نساء ورجالا التحرر ، والتحرر بصفة خاصة من هذه القابلية للتبعية وللوصاية وللقوامة  تجاه العقلية الشمالية في الحياة بصفاتها والتي نشا عليها السالف من إخواننا ، فالقوامة  والتبعية شان العبيد في مجتمعات لا أظن إنها عادت موجودة ‘ ووفقها تحديد علاقات جديدة  في الحياة مع أبناء السودان عامة بما فيهم الشمال الظالم نفسه.

نواصل

عبد المنعم سليمان

[email protected]