آدم خاطر/ألمانيا
يبدوا
أن هدوءا نسبيا مقدرا قد ساد ولايات دارفور الكبرى وأوساطها جراء الهدنة التي تم
توقيعها في انجمينا التشادية بين الحكومة والمتمردين ، وان الجميع بدأ في التقاط
الأنفاس بعد طول احتباس ووجل وترقب و مد وجزر . وامتدت هذه الأجواء المفعمة بروح
السلام ونفحاته إلى العاصمة و بقية مدن السودان واريا فه ، وغشيت بشرياتها نيفاشا
التي غدت دون القوسين أو أدنى تقترب بالمسيرة لتستوي على جوديها بعد طول سير شاق و
عسير كان بالأمس حلما ويظل اليوم واقعا مجسدا يعبر عن إرادة وأمة ذات ارث وحضارة
، بمثل ما تعبر عن وطن ظل مثخنا بالجراج والمتاعب والتدخلات الخارجية لا يريد له
الأعداء الكثر راحة ولا استقرارا . ولكن مشيئة الخالق و أقدارها تريد غير ذلك و
ترد تآمرهم و سهامهم المسمومة إلى صدورهم . فالمؤمل أن تكون الأطراف المعنية
بالهدنة تعمل بجد وتتسابق في التزامها واحترامها لميثاقها وذلك للقيمة العليا و
السامية التي يمثلها السلام لدى أهل السودان كأولوية قصوى وهم الذين خبروا مرارات
الحرب وويلاتها لا التشكيك كما تتفوه به حركتي التمرد. فاتصلت نفرات أهل السودان
و انفعالاتهم بمحنة أهليهم ودشن الجسر الجوى الوطني من قبل ديوان الزكاة وفاءا
لاهل دارفور بمئات الأطنان ليحرج أمين عام المنظمة الدولية وادعاءاته الكذوب
ووكالات غوثه المتقاعسة عن واجبها عنوة ، فيما تلوذ المنظمات التطوعية الأجنبية
الأخرى بالصمت والتقتير فيما تدعى من عون إنساني وهى التي ظلت تمشى بالوقيعة والتهم
الغادرة والفاجرة للنيل من بلادنا ووصمها بالنعوت والصفات الكفيلة بإعاقة طريقه
لعقود طويلة . كما تم الإفراج عن المعتقلين بولايات دارفور وبدأت الحياة في العودة
إلى مجراها الطبيعي ، وجماع هذه الإشارات الموجبة سينعكس بدوره على الجولة
السياسية القادمة في ال24 من أبريل الجاري إن سلمت من ما يراد لها من عثرات .
فالنفس الذي بدا يطل الآن يبشر بملحمة شعبية من ملاحم الوطن ستدفع بتيار السلام
وتقوى من عزيمته الماضية تستلزم وعيا مضاعفا للإشارات التي ترسل ، وتبقى على
حقيقة واحدة مؤداها أن المواطن أينما حل ينبغي أن يكون هو محور الدولة واهتمامها في
تأمين كل حقوقه ومطالبه المشروعة في الحياة الكريمة و الأمن و الطمأنينة
والاستقرار .
وبقدر
ما حدث من انتصار أمنى سياسي و ارتياح لمحور السلام وداعميه ، بقدر ما صدمت
وانزعجت دوائر و جهات داخلية وخارجية عديدة لهذه التطورات الإيجابية الآخذة في
التمدد ، والتي يسؤءها بالطبع أن يهنأ السودان بأية بادرة انفراج لمحيطه وواقعه أو
يجد حلا لإشكالياته ومعاناة شعبه . فها هي أمريكا تبادر بعد يومين للهدنة باتهام
الحكومة ومن تسميهم بالمليشيات العربية المساندة لها ( مقاومة التمرد في دارفور
)باتهامهم بخرق للهدنة ، وأن معلوماتها تشير إلى وقوع انتهاكات دون أن تحدد مصادر
تقاريرها أو الجهة التي وقعت فيها الأحداث وشكل الانتهاك المزعوم وأضراره . ومعروف
أن أمريكا ترتكز دائما إلى معلومات غير دقيقة وغير مؤكدة وغالبا ما تصنعها أجهزة
استخباراتها بأهداف ومقاصد لاجل خلق بلبلة أخرى ، وهذا يعبر بوضوح عن رغبتها
الحقيقية وغير المعلن عنها وعدم رضائها لحدوث هدنة أو جنوح للحوار والتفاوض بغية
التوصل لحل وتسوية مستدامة تضع حدا للعنف في دارفور ، فالأصل أنها تريد لها الخرق
والانتكاسة وتعمل لاجلها ، برغم عودة المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد
باوتشر بالقول أن العنف في دارفور آخذ في الانحسار . الغريب في التصريحات الأمريكية
أنها عادة ما تسوق التهم لجهة الحكومة وحلفائها ومناصريها بتحاملها المعروف ولا
تشير ولو تلميحا إلى أخطاء أو إدانة لجهة التمرد وهى التي تناصره وتمده بالعتاد
والمؤن والرعاية ،فهي تبرئه وتعصمه مسبقا من الخطأ والذلل. بينما تشاد الراعية
للوساطة و المفاوضات والمراقب للهدنة إلى جانب الاتحاد الأفريقي لم تتلق أية شكاوى
لخر وقات من أي طرف . ويلوح باوتشر إلى رغبة بلاده في توقيع اتفاق مع الاتحاد
الأفريقي لاعارته بعض المسئولين الأمريكيين للمساعدة في بدأ مهمة المراقبة ، أي أن
أمريكا تريد القول بأنها ترغب في وجود أو موطئ قدم لها لتسوق منه التهم والدعاوى
الحقود ضد السودان . كما تشتم رائحة لجهود يائسة للاتحاد الأوربي للتدخل في دارفور
قطعت الهدنة مبرراتها . ويقول الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان في العالم بأن أوضاع
حقوق الإنسان في دارفور مثيرة للقلق ، كيف لحقوق الإنسان أن تستقر وتراعى وأنتم
تقفون وراء الحرب والتمرد فيها بآثاره وتبعاته التي شهدها الجميع في الحريق
والخراب والتقتيل والتشريد والنزوح ، وهل هنالك من جرم أكبر على الإنسان وحقوقه
غير الحرب وما تخلفه من معاناة ، ولا يخفى على أحد ما وراء هذه الصيحات والدورة 60
لحقوق الإنسان بجنيف يراد لها أن تعيد السودان إلى سلطان المادة ( 9 )، كلها ضغوط
مرتبة ومنسقة وليست متروكة للظروف والمصادفات . وهكذا يظل الوسيط الأمريكي ودوره
ورعايته التي تسعى للإحاطة بالدول وتطويقها ومحاصرتها بأي جرم مدعى ، هاهي أمريكا
تهزم كل يوم وفى كل بلد واتجاه، هزمت في معركة حملة التطهير والإبادة العرقية
الشعواء المزعومة التي أطلقتها وتريد إلصاقها بالسودان وتشبيهه برواندا وغيرها ،
وتعود الآن بحملة الخروقات والانتهاكات للهدنة فى بداياتها لتنسف مسيرة دارفور
السلمية في مهدها . وقد وقف الجميع على إعاقتها وتعطيلها لسلام نيفاشا وهى تدعى
دعمه و رعايته . ها هي رعايتها لشأن السلام في فلسطين قد كشفت دونما ستار أو
مواربة ، فقد ألغت من طرفها وعصفت بكل اتفاق فيها من أوسلو مرورا بتفاهمات تنت إلي
خارطة الطريق أو اللجنة الرباعية والمبادرة العربية وانتهاءا باتفاق جنيف ، كلها
أصبحت فى عداد الماضي والتاريخ برصاصة الرحمة التي أطلقت من اللقاء الأمريكي
الشارونى ( التحالف الصهيوني الاستئصالى ) بواشنطن يوم الأربعاء 14/4 وما تمخض عنه
من دعم مطلق لإسرائيل وسياساتها فى فلسطين وقضيتها بوعد بلفور جديد يسقط كافة
الحقوق المشروعة و المكتسبة لشعب فلسطين جملة لتقادمها ويلغى كل القرارات
الأممية ذات الصلة بهم ، وغيرها مما خفي ليفاقم ما هو قائم على الأرض . والموقف
الأمريكي في العراق وأفغانستان يعضد من هذه الوجهة ليقفل الباب أمام أي خير أو
منفعة يمكن أن تجلب على أيديها باتجاه الدول العربية والإسلامية وشعوبها ، فكل
ما يصدر عن بلداننا هو الإرهاب وقبيله ، وكل ما تفعله أمريكا وربيبتها إسرائيل هو
السلام والحرية والأمن وحقوق الإنسان والديمقراطية هكذا عدالة مطلقة . ولن تعدم
أمريكا الحجج والمسببات للتحرش بهذه البلدان والتشويش عليها وتأليب العالم ضدها دون
مسوغ أخلاقي أو مبرر قانوني وستظل تفعل ذلك على الدوام وعبر أي إدارة لها كانت
جمهوريين أم ديمقراطيين متى ما ألتقي ذلك ومصالحها ، و سياساتها في المنطقة
والعالم لا تعرف المعقولية والمنطق والقانون ،فأضحت كل فعالها وحركتها تنتهج سلوك
الغاب والفوضى ، لا تراعى حرمة لسيادة أو خصوصية لدولة أو تتقيد بقانون أو تعتقد
بمؤسسة دولية ، أمنها ومصالحها وإسرائيل على صدارة كل الاجندة وفوق كل اعتبار ،
والسبيل إليها بأي شكل ووسيلة وطريق . فكيف لدولة بهذا السلوك الهمجي العبثي
المشين والسجل الحافل والمليء بالانتهاكات والإفراط في استخدام القوة والتسلط
والعنف والجبروت ضد كل ما هو إنساني أن تكون راعية أو داعمة لأي سلام أو وجهة تؤدى
إليه ، أو رقيب على جهود إقليمنا في سعيه للاستقرار يا أدعياء حركة العدل
والمساواة وأنتم وحدكم من ينادى بإشراكهم وهم بلا أخلاق ولا مثل تطلبون
مشاركتهم في المراقبة للهدنة لا لسبب منطقي إلا لكونهم الأوصياء وأولياء النعمة
والملاذ الآمن والعيش الرغد وتسومون أهليكم سوء العذاب . وبعضكم يشكك في حيادية
الرئيس دبي ودولته و في قدرة الاتحاد الإفريقي وآليته قبل أن تبدأ و ينادى
بوساطة إريترية وكأنه يستبدل العوراء على العيناء وكلنا يرى ما تفعله القيادة
الإريترية بالسودان وشعبه و الجوار الإقليمي من حولنا !! . كلها ألاعيب وحيل
تستبطن نوايا وخطط أمريكية باتت مكشوفة تقومون انتم بتمر يرها لافساد ما استعذبه
الناس من هدنة .فالأجدر بكم أن تقولوها صراحة دونما حياء أنكم تريدون أمريكا وحسب
!! وتفضوها سيرة .
هذه هي المعطيات الماثلة للسلوك الأمريكي ورشده السياسي بسقوط ورقة التوت عنه ،وأمريكا على صلفها وعنجهيتها تلهث الآن وراء ورقة السلام السوداني فى نيفاشا وتطلبها حثيثا لتخرجها من المستنقع الآسن الذي وضعت فيه وما هي بخارجة منه ، وتتطلع لوضعية فى شأن دارفور التي أشعلت تمرده وأججت حمياته و نعراته وهى ملفوظة وغير مرحب بها إلا من عملاء وخونة باسم دارفور ممن استمرأ الحرب وما تجلبه له ، ومع ذلك تمضى هدنتها بتوفيق الله إليها في ثبات ويقين بعزيمة مواطنيها و بدعم أهل السودان جميعا وبسند الدولة وقيادتها مهما تكالب عليها الأعداء ، و تمضى الخطى لبلورة ما يعقبها في رؤى سياسية مرضية لاهلنا فى دارفور وطموحاتهم الذين يلزمهم استجماع رأيهم وتوحيده تجاه ما يريدون لقطع الطريق أمام الأحلام الشاطحة والخيال السقيم ونوايا التشكيك المبيتة عبر قيادة ناضجة ومقبولة من وسط مواطنيها مدركة لما يدبر لها من فتن وما يحاك لها من مؤامرات ، جامعة غير مفرقة ، وبنضج سياسي مستنير ، وإدراك تام لمرادها من المؤتمر الجامع لقضاياها بشراكة حقيقية مع مركز السلطة الاتحادي داخل كيان الدولة الواحد حتى تجتاز محنتها بحكمة و هدوء متطلع إلى مستقبل واعد ملؤه الأمل والتفاؤل بميلاد فجر جديد فيها يغادر التمرد و الحرب والاقتتال ونزيف الدم إلى غير رجعة ، ويؤسس للاعمار والتنمية والخدمات الضرورية . ونعود بحوله