العنصريين الجهويين الجدد وفلسفة التدمير الإخلاقي

ما كان لأحد أن يتصور مدى ما بلغته إيديولوجيا راكبي الإسلام مطية مجازاً، تلك الرعونة السياسية الجهوية وهي تستعيد الدروس والعبر من الإنقلابات العنصرية، بوصفها فضيلة لا غنى للشمال عنها ورذيلة منكرة عند أهلنا الغرابة ونحن في رحلة القرن الحادي والعشرين.‏

وقد منح حق الحياة الكريمة فقط لأولئك الذين ينتمون إلى تلك الجهة أما بقية سكان أرض المليون قبيلة وفضيلة "فليس لهم سوى الحقد وفتات الكراهية" وسعوا حثيثاً لبناء إمبراطورية دولتهم المشئومة دعاة الإنفصال" على جماجم باقي أهل السودان.

هل تعلم أخي الكريم بأن أمثال علي عثمان محمد طه" رئيس عصابة الشايقية بالعاصمة القومية، والمدير الفعلي لمركز الزبير للدراسات العنصرية. ‏ وأنا أبصم بالعشرة على ما أقول.

بالطبع فإن فريق الشئوم المتحلِّق حول القصر الجمهوري ومجلس الوزراء، وباقي مؤسسات الدولة الحيوية، كانوا على يقين مما ذهبوا إليه. الأمر بالنسبة إلى هؤلاء يتعدى الجانب الأخلاقي كما أراده التنوير الجهوي لسحابة العنصرية الموروثة من رحم خيبة المواقف التاريخية والتي أبت أن تنقشع فهي سلسلة متواصلة لنذر الشئوم. إنهم ينطلقون من قَبْلية اعتقادية تعود في جذورها إلى ثقافة الطغيان نابعة من الخزي والعار ومن ضربة غليون إسماعيل وفرار المك نمر وحملات الدفتردار الإنتقامية وشماتة العاهرة مهيرة بنت عبود وهو عار عبر حقب التاريخ التي مرت على السودان، ومؤداها أن السودان لا تعمره البراءة. إذ البراءة عندهم ـ حسب وصفهم ـ  تشبه أعمي أبكم أضاع عصاه، يجول في صحراء بلا هوادة، ولا يقصد ضرراً لأحد...‏

وعلى عقيدة المؤتمر الوطني الجديدة التي ولدت من رحم العنصرية إن ما ينبغي على السودانيين أن يفعلوه لكي يتحقق  لهم السلام والعيش في أمن هو الخوض في جحيم الصراعات والحروب الآثنة التي أشعلوا فتيلها في جنوب السودان وجبال النوبة والشرق والأنقسنة ودارفور، ولو لا تلك الرسالة التي جاءت من العالم الحر الذي هب للنجدة، ورسالة لهم بالنأي بنفسهم عن البراءة وأن لا يمضوا بعيداً في السجية الماكيافيللية القائلة بفضيلة "أن تخيف الآخر بدل أن تكسب حبه لك"...‏ ولو كانت بيدهم.. لما بقي في إقليم دار فور بل السودان أجمع من يذكر الواحد الأحد.

عندما خسرت الطغمة معركتها في لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة، أصيب كثيرون في السودان بالدهشة الحقيقية. ومعظم هؤلاء كانوا من النخب الجهوية التي صدَّقت ما تختزنه العمارة الإيديولوجية من براءات ذات صلة بالقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية. للوهلة الأولى لم يعرف أولئك المخدوعون ما إذا كان الذي سمعوه إشاعة خاطئة أو نكتة حمقاء. وتساءلوا: كيف يمكن لمثل هذه الأمور أن تحدث.. وأين ذهب الجهل الذي بذرناه لسنين، ألم يكن ذاك هو حصاد السنين؟ وحسبهم ذلك إن هم الذين أوجدوا مفهوم حقوق الإنسان، وهم الذين هرعوا دائماً إلى قتل الأطفال والنساء، وسحق الضحايا بأيدي عصابات الجنجويد (حرب الإبادة الفاشلة)، وإن إزالة الدكتاتوريات الجاثمة على صدر هذه الأمة، ليس بالأمر البعيد المنال. ولم يحدث قط أن مثلت أهل السودان في حكومات السودان المتعاقبة بل غيبت كل الرؤوي الوطنية من غرف لجنة الضمير إن كان هناك ضمير خلال أكثر من ستون عاماً من تربع أهل الشمال في قمة السلطة.. حتى وضوعنا في ذيلية الأمم.

ولم يسبق أن حدث في الذاكرة الحية أن تعرضت الرأسمالية القوة الشمالية المهيمنة على المقدرات الاقتصادية في البلاد إلى مثل هذه السخرية المستحقة على أيدي أتباعها الجاحدين.. وتجميد للأرصدة في البنوك العالمية.

ومن البديهي أن تصب الطغمة الحاكمة حمم صواريخها وجام طائراتها على أهالي القرى الوادعة في أقليم دار فور الذين لا تقيهم إلا الرواكيب والقطاطي المبنية من القش عيدان الأشجار، ومن ثم العناية الإلهية، وأشعلت فتيل الحرب القبلية، والتضييق ونبذ كل ما هو آتٍ من الغرب خاصة الذين يعملون في قوات الشعب المسلحة. تمثل ذلك في الإعتقال والفصل ولكن أحفاد الخليفة عبدالله التعايشي وعلي دينار والسلطان تاج الدين لم يكونوا تحديداً هم من خانوا الأمانة والتبعية  وخططوا لإنقلاب عسكري لإدخال أهل السودان مرة أخرى إلى لجة الظلمات في واحدة من أبشع وأخطر أسلحة الدعاية لإبعاد شبح الرعب الذي يختلج دواخلهم. ومع ذلك فإن القضية لم تتوقف عند هذا النوع الطبيعي من ردات الفعل.‏ (تهبزوا لعب).

كان ثمة ما هو أدنى إلى المفارقة؛ إذ إن "المطبخ الفلسفي ـ الإيديولوجي" للطغمة الحاكمة سينبري إلى إسكات المحتجين والمهمشين، ثم ليمضي في عزفٍ منفرد مؤثراً اللامبالاة وإدارة الظهر لقضية العدل والمساواة. معتبرين أنهم ليسوا في حاجة إلى من يمنحها شهادة حسن سلوك أو يصحح خطأ تسعى إليه على أنه جزء عزيز في مسلكها العام.‏

على نحو لا يشوب في صراحته: "ليس الشماليين مجرد مواطنين عاديين. إنهم السلطة المهيمنة في تركيبة أثنيات الوطن، وأكثر هيمنة من أي تركيبة أخرى منذ فجر الإستقلال. ووفقاً لذلك، وحسب سياسة الأندياح التي يمارسونها فإن دار فور مؤهلة لإعادة تشكيل المعايير، وتغيير التوقعات وخلق حقائق جديدة. أما كيف يكون ذلك؟ الموية تكذب الغطاس أو عن طريق إظهار إرادة اعتذارية وإعادة إقتسام السلطة ولا سبيل إلى تغييرها"..

المسألة إذاً، هي وجوب أن تفعل السلطة الجاثمة أي شيء من دون أن تبرر أو أن تعتذر. وتقدم المسئولين عن هذا الدمار إلى العدالة والمسائلة القانونية ولكن حتى ولو جرى ذلك بالفعل مجرى رد حقوق كل أهل السودان فلا ينبغي أن نفهم ذلك بأنه يُحجم القادة عن إتمام المساحة المتبقية لبلوغ الهدف. فالاعتذار بحسب هذا الاعتقاد؛ يشكل منقصة لصاحبه، وإخلالاً في شبكة المعايير والمفاهيم، والتي عليها تأسست استراتيجيات التحكم بالأوضاع.‏ وطغيان أهل الشمال على باقي أهل البلاد.

فلسفة الاستهتار‏:

على هذه الفلسفة العنصرية المتجددة سيغيب منطق الإقناع والتحاور في العلاقات الداخلية. وبدأ أن منعطفاً كهذا، راح يؤتي بشاعته مع "الحروب" التي خاضتها قوات الشعب المسلحة بعد إتفاق أبشي، وهدم القوى البشرية التي يمكن أن تحقق أماني وتطلعات هذا الشعب الغيور. والشعب السوداني حريٌ بذلك ولا يعزز هذا المنطق ما أفلحت الطغمة في جعله شبيهاً بالمثلين العراقي والأفغاني. لكن ثمة جانب آخر من المشهد السوداني لا يبدو أنه سيكون مريحاً، أو مربحاً، للسلوك السوداني المعروف بالتسامح. ولأن كل أثنيات السودان لم تربح الحروب التي خاضتها حين استعملت الطغمة الحد الأقصى من جبروتها العسكري. لكنها راحت بعد ذلك، تجد صعوبات جمة في ربح السلام. وهذا ما ذهب إليه الأستاذ بونا ملوال في آخر مقابلة له في جريدة الراية السودانية بأن الإنفصال والتفتت هو الخيار القادم، الشيء الذي أكد أن النظام بدأ يفقد حب الناس له، بل إنه صار مكروه على إمتداد العالم أجمع.‏. ورموزه مطالبين للمثول أمم العدالة.

وأضيف: "إن الأجيال المتلاحقة والسياسيين السودانيين خاصةً جيل الإستقلال لم يعبروا عن إيمانهم وقناعتهم عن هذا الصراع الذي يدور الآن في دار فور لا بالكلمات ولا حتى عبر الزيارات الميدانية لما دمرته الطغمة الحاكمة.

لذا فالمنوط من أبناء دار فور أن يدلوا بآرائهم مهما أختلفت ومهما كانت بسيطة وبأي لغة كانت من أجل تجويد أداء حركة: "السلام والعدل والمساواة والتي تنادي بالإقتسام العادل للثروة والسلطة وهي خارطة الطريق والأمل الأخير لبر الأمان وللوحدة والسلام في بلاد المليون ميل مربع"،..

ولنذهب بعيداً إلى مسافة أبعد جعلت الجهويين يخلعون الأوصاف فيعلنون أن "الشر لم يكن أبداً جزءاً عضوياً من المشهد الجهوي أو الشخصية الشمالية. فالشر ـ على ادعائه ـ ولكن لم يكن سلعة مستوردة من دون ترخيص من الخارج، إنما هو مرض سوداني في الصميم ويتم توزيعه عن طريق النخبة التي فاقت مرحلة الإدمان للفشل في  شكل شحنة "فلسفة شمالية" أو سارز آسيوي (...) وحسب الظن ولأنهم بريئون بالتعريف، فقد يخونهم الآخرون دوماً، كما في أحداث هروب المك نمر، وبما أنه تمت خيانة الخونة، فيستطيعون دوماً أن يبرروا استخدامهم للوسائل الوحشية، أو المخالفة لروح  العدل والمساواة في سبيل الدفاع عن سفينة الأنقاذ التي لم تبحر.. ولم تسر، والدفع في وجه باقي خلق الله بالخيانة على الأوطان، وإظهار إتجار الزبير باشا ببني جنسه من الأعمال البطولية الوطنية التي تستوجب الإشادة.

لم يكن عرض هذا الكلام فقط للرد على ما نسميه عدم فهم السودانيين وجهلهم بحقيقة "الروح السياسية السودانية"، بل هو يعني أكثر من رسالة دأب العنصريين على توجيهها إلى باقي الوطن كله منذ وقت بعيد.‏  إمتثالاً للمثل القائل (رمتني بدائها وإنسلت).. فإنهم يعشون الطغيان بكل معانيه.

وما المقصود من هذا فإنه يتعدى الكليات الاعتقادية. فهي تتوجه إلى الذين يطالبون بوجوب قيام مرجعية سودانية تعيد الاعتبار للقانون والدستور، بكل آليات الدمار. ولأن القوانين تدخل في صلب "البراءة" التي أسقطها العشرة الكرام من حسابهم فلا حاجة إليها كما يقول واقع الحال لأنها" وضعت لغير المحظوظين الذين ولدوا دون جينات الفضيلة التي تنتمي إلى الشمال (دي أن أي الشمالية)".‏

إن هذا الحد المشروع على اللامتناهي في التفكير السوداني الجديد، هو الذي يؤسس للسودان كيفية الدخول إلى القرن الحادي والعشرين. وسنجد من تظاهرات هذه الرؤية المحلية ما لا حصر له من الأحداث اللاحقة. حيث يصبح القانون والدستور وشرعة الأخلاق التي تحكم التوازنات الداخلية، لا أن تكون مجرد نصوص لا فائدة منها.‏

عقدة السيادة المطلقة‏

ظل أهل الشمال والرئيس البشير يردد في خطبه العصماء الموجهة إلى الجيش والشعب هذه الكلمات الخرقاء وفي وقت كانت الحرب ضروس ودار فور تكتوي بنيرانها وتتجه إلى جحيهما المحتوم. وحريٌ به أن يستمع إلى صوت العقل لا لإملاءات الخونة والمارقين بوصف الأحرار من أبناء دار فور بالخونة والمارقين وقطاع الطرق وعصابة النهب المسلح وكان عليه لكي يشحذ الهمم ويدفع تجاه وقف النزيف، بل ظل يدفع بحجج منتقديه، ويستعيد ثقافة الجهويين الأوائل ليظهر أن جبروت القوة ليس إلا منحة إلهية لدفع الشر في وطن ممتلئ بالفوضي.

وفي خلال سنوات الإنقاذ بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي أسقطت  الطغمة في يدها صفوة أوراق اللعبة الرئيسية. لقد صار اتخاذ أي قرار، وتقرير أي حل نهائي، من دون رضاها ضرباً من المستحيل. فما الذي نستطيع انتزاعه من المشهد السوداني العام؟؟..‏

ومع نهاية حرب العراق أخذ منظرو النظام الاستفراد الأميركي بمحمل الجد وبدأوا يصوغون المقدمات العملية الفلسفية عن كيفية إبداء روح الولاء والطاعة للسيادة الأمريكية المطلقة. (لحفظ ماء الوجه). وكان كل شيء في مقدمات النظرية جاهزاً. فالوطن الإيديولوجي يشكل أساساً معيقاً للمنطلقات خاصة ثقافة ووعي المواطن الذي يمثل متراساً دعائياً مضاداً لها. ولنا أن نعرف أن السودان مر ضمن سيرورة تاريخية ساهمت الأحداث التاريخية شيئاً فشيئاً في تكوينها. فقد قامت هذه الفلسفة انطلاقاً من نواة إيديولوجية ذات محورين: الأول، الاعتقاد بأن السودان مكلف برسالة (المشروع الحضاري)، وإلهاء الناس بذلك والثاني، الزج بخيرة الشباب في أتون بؤر الصراع (سياسة ضرب العبد بالعبد) واليقين بأن أداء هذا الدور يستلزم الركون لها تحت ظل القوة التي ستستخدم كل الوسائل بلا تحريم، وستقدمهم قرابين للعدالة التي خرقوا موازينها، وزيادة على ذلك السياسة السودانية منذ مولدها من رحم الإنقاذ وريث الجبهة الإسلامية: ليس الثبات في العمل على قَدْر الديمومة في متابعة الهدف، وكذلك مواصلة الجوهر الإيديولوجي المولد للعمل. ولا شك في أن هذه السياسة بلغت ذروة فشلها في تفجير الصراعات الداخلية بين أساطين الجبهة وبين الأثنينات في الولايات، وزادت أيضاً من تعقيدها وتشابكها مما استدعى إلى تغيير لوحات مسمياتها و لنذهب إلى "أن الإيديولوجيا المتسلطة لم تتورع عن خلع صفة الأزلية. حيث إن العنصرية لم تغب يوماً عن بالها وطغيانها في تشكيل حكومتها. وهذا ما أوجب النظر في إن المصالح والمثل تلزم بالتدخل، بل تلزم أيضاً بالقيادة ومن الواجب تطوير آلية الديمقراطية واقتصاد متوازن تقتسم فيه الثروة ولأن هذا يحمي مصالحنا وأمن وطننا ومواطنينا، ولأن الأمر يتعلق بانعكاس القيم، حيث هي في آن قيم سودانية أصيلة "

ثم إن جمهور الناس، أولئك الذين لا يفهمون شيئاً كثيراً من الألعاب السياسية والاقتصادية أو الذين يفهمون ويلوزون بالصمت، هل اقتنعوا بفعل الحملات الإعلامية التي تقودها الدولة، بعدم وجود أية أثنية أفضل من هذه التركيبة ولقد رأينا، وقبل أن يصبح السودان الوطن الواحد ما قد كان وما سيكون، أنها كانت تزعم شمولية نمطها التنظيمي الخاص. ولم يسْعَ مفكروها- من أساتذة وكتاب ومتملقين ورجال دولة- لحظة واحدة إلى إخفاء هدفهم الأخير وهو: فرض نمط الطغيان العنصري على بقية أرجاء الوطن. وذلك عبر آليات أخلاقية تكتظ بالتعالي على الآخر، وأي آخر هذا. ومنها في المقام الأول، بما يسميه بـ"القدوة". أي من خلال تأدية عروض مثيرة تُظهر "الصورة الساطعة لأمة جديدة اختارها الله لغاية وحيدة هي تزويد كل الشعوب بالرسالة الوحيدة ذات المستقبل المصوغ بصورة زاهية. ثم في المقام الثاني بوضع الآخر جبراً في منطقة القبول بالقدر الشمالي. فثمة يقين لدى "فقهاء العنصرة والشمللة" بأن إذعان الآخرين عنوة ـ كائناً ما كان شكل الإكراه- أمر محتوم في مواجهة هذه الممانعة أو تلك. فالشمال يعتقد نفسه ويريدها كلية لا تُضاهى. وبهذه الصفة، لا تتصور ذاتها إلا متفوقة على مجمل المناطق التي يموج في داخلها الفقر والجوع والفقر، وترى أنه ليس من واجبها احتواءها. إنها على ما يزعم فقهاؤها هي، أنه ما دامت العناية الإلهية أمرت بذلك، وما دامت تجسد نصاب الوطن المقبل وفقاً للخطط العنصرية. ومن المقدر تبعاً لهذا الزعم أن تقع على كاهلها مسؤولية إملاء طغيانها، وليس القانون الذي شرعته السماء، وفرضته على الأمم والشعوب".

أخذت تتبلور الصورة الامبراطورية ذات "الطابع  العنصري الغشيم". ولم يعد الأمر بالنسبة للفريق الحاكم مقصوراً على التبشير بدولة ذات سيادة شمالية عنصرية بغيضة بات كل شأن من شؤون الفرد كأنه لم يكن شأناً يخصها، أو يتصل اتصالاً عضوياً بأمنها ومصالحها الجيو-استراتيجية.‏

وفي النهاية، فإن عدد من الاستراتيجيين الحادبين على المصلحة الوطنية العليا إلى الجزم بأنه يوجد اليوم نظام عالمي، وتقوم الولايات المتحدة في هذا النظام بدور لا ينحصر في الممثل الأكبر، بل يمتد إلى دور المدبر. فبعد محو الخصم السوفياتي لم تعد وحدة أوروبا تعود عليهم بأية منفعة، بل العكس، فإذا طاب لهم أن ينظروها بعين الرحمة ويستحسنوا تماسكها، وتالياً قوتها الاقتصادية، فإنهم لا يستطيعون التسامح بأن تصبح قوة عظمى جديدة يتقاسمون معها السلطة العالمية. كما فعل العقيد القذافي حتى لو كان ذلك الثمن هو العدل والمساواة.

بل أكثر من هذا، فقد تجاوزت الثقافة الأحادية الإتجاه الجديدة (بمعناها  العنصري الممتد فوق السيادات القومية والرموز الوطنية) الأخلاق السياسية التقليدية. وهي تصرفات، تنظيراً وتطبيقاً، على النحو الذي يرى إلى تبرير سياسات التمدد والنفوذ بوصفه أمراً لا بد منه. هذا "ما دام جيل ما بعد الحرب القذرة من القادة العنصريين ممن هم لا يشعرون بالحرج عند التصريح بمبدأ غير اعتذاري عن مصالحة قومية مستنيرة جمعت لها نخبة من أبناء دار فور بسوبا، فإنه واهمٌ من يظن أنه سيحقق شللاً تراكمياً وليس ارتقاء أخلاقياً" ومرة أخرى (منظِّر نهاية الحقب التاريخية في بداية الألفية الجديدة) كلاماً دالاً على هذه النقطة: "إن البلد الذي لا يجعل من حقوق الإنسان عنصراً أساسياً وفي سياسته الخارجية يميل إلى الوعظ الأخلاقي عديم الجدوى في أحسن الأحوال، وإلى استخدام العنف المفرط بحثاً عن أهداف أخلاقية في أسوأ الأحوال. فإن قادته غير جديرين بالإحترام.

سوف يؤدي هذا الفشل النظري إلى استيلاد أنساق من أساليب العنف المتبادل لا يمكن السيطرة عليه ولا يكون فيها للقوانين والقيم العالمية المشتركة فعالية تذكر. بل على العكس فإن مثل هذه القيم ستتحول إلى أساليب مجدية للسيطرة. مثلما حدث في جملة من عمليات إعتقال الرموز الوطنية بذريعة إحلال السلام وحقوق الإنسان وتعميم الأمن من أجل نشر الديمقراطية.‏

أن الاستقرار مهمة تستحق الجهد بالتالي فإن المهمة تاريخية والحقيقية فإن النخبة تقوم بالتدمير الخلاق من أجل البقاء في سدة السلطة. وهي تمزق يومياً الأنماط القديمة للإرث التاريخي وقد كره الشماليين دائماً هذه الطاقة المتدفقة من إقليم دار فور والتي طالما هددت بالكشف عن خبائثهم مهما كانت وأشعرتهم بالخجل لعدم قدرتهم على التقدم بالبلاد.. لذا فعليهم بتدمير الرموز الوطنية كي يسيروا قدماً بمهمتهم التاريخية".‏

إنها إذاً، إيديولوجيا الحرب من أجل الحرب، ما دامت الهيمنة وشغف السيطرة يحكمان الفكر السياسي الشمالي مع بداية السنوات الأول للقرن الحادي والعشرين، ومن المنطقي أن القول أنه إذا كان الكمال للإنسان بالهيمنة المطلقة على الوطن فذلك ما لا فرصة موفورة لتحقيقه في عالم دخل في سيرورة غير متناهية من عدم الاستقرار فإن منطق الهيمنة يفترض إثارة المزيد من الحروب القبلية بين أثنياته وقبائله (سياسة فرق تسد) وإثارة الأزمات ليتسنى لإيديولوجيا القوة المفرطة أن تواصل ديناميتها بلا وازع. وإذا كان الاستقرار مهمة لا تستحق عناء  المثقفين السودانيين كما يقرر مجلس الرقابة على المصنفات الادبية فإن حاصل هذا السلوك هو المضي بعيداً في صناعة الحروب والأزمات. وهو أمر يفترض عناء ومشقة من نوع آخر لدى صناع القرار في السودان. أي الاهتمام ليس بالسؤال عما إذا كان يجب إحداث اهتزازات في الاستقرار الذي يسود الجيوبوليتيكا المقصودة بالهيمنة، وإنما بالسؤال عن الكيفية التي ينبغي اعتمادها لنزع الاستقرار وإشاعة الفوضى.. أما سؤالنا، الذي يدنو من كونه سؤالاً فلسفياً، هو ذاك الذي أوجده الواقع السوداني المذري حين رأى الاساطين إلى الدولة بأنها حيوان أسطوري مقدس، وبأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان".‏

هل يكون إنسان القرن الحادي والعشرين "إنساناً هوبزياً، أي مغلولاً بـ"ذئبية" سياسية وأمنية وثقافية واقتصادية لا حدود لضراوتها؟‏

ذلكم هو السؤال الكبير الذي ولد كجبل مرة في مستهل القرن الجاري. والقلق الذي يساورنا نحن الآن في إقليم دار فور هو نفسه الذي يمسك بالنفس السودانية المتعبة والغاضبة.‏

ويجب على الشعب السوداني "ألا ينام وألا يتقبل الانخفاض إلى حالة مستهلكين شبعانين، ومنتجين مستغلين ومبهورين في آن. والوصاية بالمقاومة وبألا تعودوا مخدوعين بواقع السودان. ولكم حق التساؤل المشروع بأي حق ستعتبرون أنفسكم مقدورون، بقدر محتوم، لكي تتقاسموا إيديولوجيا الطريقة الشمالية في الحياة، وباسم أي أمر من القدر سنرى فيهم مستقبل مجتمعنا؟‏

المقصود، هو ألا ننسى أبداً أن أية شريحة من البشر لا تملك صيغاً يمكن تطبيقها على الكل، وأن أي بشرية مذابة في نمط معيشي وحيد هي بشرية لا يمكن تصورها، لأنها ستكون بشرية عظيمة"...‏

لكن يرى الكثيرون من نخب دار فور والغرب عموم الغاضبة والمحتجة على أحوالها في صمت أن الصمت أبلغ من الكلام.. على رأي المثل (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)..

بقي اليقين في التساؤل عما إذا كانت دعوة كهذه، تفترض بادئ ذي بدء أن تستيقظ الإيديولوجيا الجديدة من جنونها المفرط..‏

وللكلام بقية...!

التعايشي،

[email protected]