دار فور الإبداع وبوابة الخروج من المأزق السوداني
دار فور هي صورة الإبداع وبوابة الخروج من المأزق السوداني وهي فجر جديد لليلٍ طالت عتمته وهي اللوحة الذهنية التي يحملها المواطن عن واقع الصراع المرير الذي تدور رحاه فيافي السودان، ونهايته، ورسم صورة الحياة ومعناها والمجتمع وقوانينه ودور المواطن في كيفية إدارة شؤونه الحياتية في هذا الوطن الشاسع.. ومسؤوليته فيها وصلته بالله تعالى.. إلى آخر الأمنيات وما هنالك من موضوعات يتعلق بها الفكر الإنساني، والفكر هو أحد الأجهزة الشخصية الإنسانية، التي تتفاعل فيما بينها، وتتبادل التأثير وهي (الفكرة، العاطفة، الارادة) ففكر الإنسان ليس منفصلاً عن عاطفته وأسلوب حياته النفسي وإنما ذلك متصل بهذا أوثق إتصال، يؤثر فيها ويتأثر بها.. ومن هنا كان النمو الفكري للحركة الوطنية في دار فور، فهي بوتقة إجتماعية تؤثر باستمرار في أداء الحركة الوطنية، جزوة لم تنطفي شعلتها، وتحسب لها ألف حساب في كل الحقب المتعاقبة من جهويات وديمقراطيات وإيدولوجيات، لأنها قيم أصيلة نابعة من قيمة الإنسان الذي يعيش في هذه الرقعة والتي كونت شخصيته المزاجية والاخلاقية والحضارية، ودرجة إنفتاحه النفسي، ونضجه الانفعالي.. وأريحيته.
ومن هنا أيضاً كانت أجدر الحركات الوطنية في التأثير بالناس، وقيادتهم، فالدولة المهدية التي قدمت منهجاً متكاملاً شاملاً للفكر، والأخلاق، والسلوك.. ووريثتها الشرعية سلطنة دار فور بزعامة الشيخ المجاهد علي دينار ولأننا في دار فور ندين بالإسلام فلا نشعر بإنفصال بين الفكرة، والسلوك، وبين مفاهيم الحياة، فقيمنا الاخلاقية هي نابعة من الدين الإسلامي ولأن كل جزء من هذه الرسالة يعزز الجزء الآخر ويكمله، لذا أشعلنا لها نيران التقابة التي لا تموت نيران جذوتها، وستصلى ناراً ذات لهب، يجمع لها أطفالنا الحطب من كل فج في غاباتها ووديانها، وصحاريها.
ومن هنا ندرك عظمة هذا المواطن الذي يستمد قيمه من الدين الذي أنزل من أجل بناء الإنسان، حينما بدأ مشروعه الحضاري من أجل التغيير الجبار من تحرير الفكري للإنسان من التوجهات الخرقاء لإحتكار السلطة والثروة عند الجهويين فقط، لذا كان ما كان من أجل الإبداع وإعادة بناء العقل على أساس من وعي وطني جديد، يقوم على أساس الإيمان بالله، الواحد الأحد، المتفرد بالأسماء الحسنى، ذي الطول والنعم باعث الانبياء والرسل لهداية الناس.. والإيمان بمرحلية هذه الحياة، وعودة الناس الى الحياة من جديد، ليروا أعمالهم. (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).
وما أروع أن ندرك قيمة هذا الوعي الكوني في مكونات شخصية أهلنا الطيبين وأثرها العميق في الحياة النفسية الوجدانية لهذا الانسان هذا الوعي الذي يبعث وينمي الأحساس الأخلاقي بالحياة، ويعمل على خلق المشاعر المتعالية على صغائر جزئيات الحياة، وتوافه الأمور.. هذا الوعي الذي يقاوم التقييم النفسي للظواهر، والأشخاص، ويوسع الآفاق.. ويخلق طمأنينة النفس، وهدوء المشاعر، والإنفعالات، هذا الوعي الذي ينمي روح التفاؤل بالحياة، وبيوم باكر والإنفتاح عليها، ويترك لأهل الضلال السأم، والتطيّر، والقلق، والغثيان..
فلا يقتصر الوعي الذي يشيعه الإسلام بين المؤمنين على الوعي الديني الخاص، الذي يتمثل بالإيمان بالله، واليوم الآخر وبالقضاء والقدر بل يتعدى ذلك الى مجالات اخرى .. وهي الإيمان بعدالة قضيتنا وشرعية مطالبنا.
إن الوعي الفكري والفهم لم يكن يوماً حكراً على السلطة، بل يعتبر عنصراً من عناصر شخصية الإنسان المسلم وليس هو (الفهم) أو التصديق الساذج بالقضايا العارضة للوطن، وتقريرها تقريراً منطقياً، أو عملياً، إنما هو الوعي والفكر المستحضر المعاش في الذهن، والمتذكر. لذا يجب أن لا ننسي عذابات ضحايا القتل والتشريد في ربوع إقليم دار فور.. ولا بد من وجود آلية نضمن بها حقنا في إقتسام السلطة والثروة.. وإنني أناشد الأخوة المفاوضين بأن لا يركنوا لإملاءات الشروط وفق ما تهوي أنفس الطاقم السلطوي بل يجب أن يرفضوا طلبهم بمنع دخول أمريكيا كآلية لضمان الحقوق بأن لا تضيع بين براثن هؤلاء الغشماء الذين لا أدري من أين جاءوا.
فالنسعى لحقن الدماء ولنخرج من مستوى الفهم، والتقدير العقلي لقضية الصراع في السودان بصورة عامة والقضية في دار فور بصورة خاصة، وربط السلام في السودان بمستوى الوعي والدخول إلى القضية الرئيسية هي كيف يكون حكم السودان ومن يقرر مصيره وطريقة المعايشة الروحية فيه، وإستشعار سبل الأمن والسلام من خلال تكوين مجلس حكماء دار فور والذي أقترح أن يكون أعضاءه من العمد والشراتي وزعماء العشائر والقبائل فيه تمثل كل الأثنيات في دار فور وتكون لهم نفس المميزات التي تخصصها الدولة إلى نواب البرلمان وتكون سبلاً للهداية والطمأنينة.. على قرار (مجلس الشيوخ في أمريكيا) أو اللويا جرقا في أفغانستان.
ويكون هنا أن العمل بالشريعة منهاجاً وهادياً إلى سبل الرشاد، وذلك هو نتيجة للإيمان بالدين الإسلامي، مظهراً له لا مخبراً.. وبهذا نجمع بين ما دل على الحداثة والمعاصرة والعمل في بيئة مؤاتية تحتكم إلى شرع الله، وما تتطلع إليه آمالنا في السلطة وأحلامنا من لحاق الأمم.. وتكون قراراته ملزمة للسلطة.. وتكون تجربة نيابية ليست بديلة ولكن مساندة.. وتطوير لجهاز الرقابة الأدائية للنواب البرلمانيين.
ومن الممكن في هذه المرحلة أن يقع شيء من الوسوسة، ولا يضر ذلك في إيمان المؤمن، فان الإيمان اطمئنان القلب، وعقدة الهداية التي تسري في النفس، وهذا لا يلغيه وقوع خاطرة شيطانية في الذهن.. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في عدم منافاة الوسوسة للعدالة والمساواة.
ولا يكون الجد في مرحلة اليقين، إلا بوجود ما يؤمن به الطرف الآخر وهي أعلى المراحل الإئتمانية وأسماها، وتضمن لنا بأن الجند سيلزمون سكناتهم .. وليس هناك من توسوس له نفسه بسرقة السلطة في ليل بهيم كما فعلتها الأنظمة المتعاقبة، وهي مرحلة الاحساس، وإنكشاف القناع الذي يداري سوأتهم وساء ما كاونوا يفعلون.
وليس هناك من وسوسة، أو فراغ فكري، وإنما هي تواجد مستمر لعدالة القضية في الاحساس، والشعور.
آمل أن لا تكون إتفاقية أنجمينا كسابقتها لأهل الإنقاذ ويجب أن تتضمن مختلف مجالات الحياة الكريمة لهذا المواطن السوداني بشكل عام وفي دار فور بشكل خاص لأن كرامة العيش لإنسانه إما أن تحث في البناء والتعمير والنمو بشكل مباشر أو انها تحث على الدمار والإحتراب من خلال الذكر اللفظي، ويكون ذلك سبباً للذكر الذهني وعلى أي حال فهي تهدف الى اللفظ ولا تكرار للإنقلابات، وإنما الى الذكر الحقيقي، والمعايشة الذهنية..
ولا تنفصل عملية الإحساس بمرحلية الحياة الدنيا وعرضيتها عن الإحاسس بالموت، واليوم الآخر.. ويمكن أن نعد كل هذه الإحساسيس إحساساً واحداً.. ممتزجة فيه نظرة الحياة إلى نظرة شاملة ونعيشها بشمولها هذا الذي يستوعب الحياة الدنيا، ومرحلة الانتقال، والمرحلة الأخيرة الأبدية.
فالسلطة تعيش الآن طغيان الروح الدنيوية والركون الى الحياة الدنيا، وكانت المهمات التي كلفت بها سلطة الجهويين الطيب محمد خير (سيخة) هي قهر الآمنين في ربوع ديارهم آنذاك مع ظروفهم النفسية السيئة، وما قيامه بقتل المهندس داؤود بولاد إلا إجتهاد في سلسلة تطبيق سياسة التطهير العرقي بصورته البشعة، وتدمير الرموز الوطنية لهذا الإقليم وقد إستدعي منا الكثير من الوعظ والتذكيرآنذاك.. هذا كله مضافاً الى أنه يصب في خانة جهوية السلطة وهدم الشخصية الوطنية القادمة من غربنا الحبيب، وإشعال فتيل الحرب القلبية بين أثنياته.
وتذكروا خلاوي الفكي تيراب والقائمين والركع السجود في دار فور القرآن، القائمين الليل صافون اقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً.. كونوا كمن مر بآية فيها تشويق ركن اليها طمعاً، وتطلعت نفوسهم اليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم، وشهيقها في أصول آذانهم
ومن عجبي أن أمين دائرة العلاقات الخارجية يوم أمس في لقائه التلفزيوني، يذكر بأن هؤلاء ليسوا مفوضوين من قبل دار فور طيب السؤال البديهي الذي يتبادر إلى الذهن من فوضكم أنتم.. من أين جئتم ألم تستخدموا البندقية لغة.. وصوت الرصاص حوار ودماء الموتي خمراً ولون الدم وشاحاً.. لذا فإن الإنسان الذي يسقط في أعيننا لذنب إرتكبه أو خطأ وقع فيه، قد يتوب في مستقبله، ويكون في مراتب القرب من الله تعالى، ونبقى نحن في أوضاعنا الفعلية.. لا خلاص ولا منجي.
وخلاصة قولنا إنها ونتيجة لشعورنا بالتواضع، وإحترامنا لذاتنا وإتسام سلوكنا بالتقدير، والإحترام، والخدمة والإنس نصافحكم كما نصافح كل مؤمن من أهل الصلاة لأننا هينين المؤنة، لينين الخلق، كريمين الطبيعة جميلين المعاشرة.. كما ورد في صفة الرسول (ص).. وأسود ساعة الغضبة.. والحق هو النضال في ساحة مجزرة.
التعايشي