إن الإنسان ليطغى
المبدأ الأول:
إقرأ بالقراءة يتحول الإنسان من إحتمال الخيالات إلى الواقع الملموس، إقرأ ما كتب الناس، إقرأ ما خلق الله، لأن كل شيء ينطق ويسبح. لكن المبدأ الثاني في القرآن هو ((إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)).
مشكلة المعرفة الأولى، إذ بها تحل كل المشكلات بما فيها المشكلة الثانية (طغيان الإنسان)، لهذا فإن كتم المعلومة من أكبر الكبائر وعاقبته جهنم وهو لها حصيداً. إن مشكلة الإنسان الجهل (مثل الذي نعاني منه في أرض المليون ميل) الذي ينتج عنه استسلام الأكثرية للأقلية، وظلم الأقلية للأكثرية، ومن أجل أن نفهم المبدأ الثاني لا بد من فهم المبدأ الأول هو ضرورة وصول المعرفة إلى الإنسان حتى لا يبقى جاهلاً، ومع وجود الجهل سيظل الطغيان جاهزاً يتولد تلقائياً، والإنسان يتعلم بكد ومشقة، والطغاة يحرصون على كتم المعلومات قدر الإمكان حتى يستمر طغيانهم، ويدخل مفهوم ((بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون)) إلى هذه العلاقة، فإذا علم الناس الحق لا يكون أكثرهم مع الباطل، وسوف لن يتمكن الباطل من البقاء، فبمجرد أن يجيء الحق يموت الباطل، لأن معرفة الناس للحق تحول دون أن يوجد طغيان بشري، إن ضمان الحيلولة دون ولادة الطغيان ـ الذي هو جاهز دائماً للبروز كالمارد ـ هو وعي الناس. عبر آلية الحكم الديمقراطي وإن في خرافة التعويل على تقوى وصلاح الحاكم من دون التعويل على يقظة أغلبية الأمة تأييداً للفساد الذي لا يقضى عليه إلا بوعي أغلب الناس.
إن الحياة الاجتماعية هي علاقات معرفية، فحين تختفي المعلومات الصحيحة يستقر الفساد وتسفك الدماء، كما يحدث اليوم في دار فور وسابقاً في جنوب السودان وجبال النوبة والأنقسنا، وهذا ماتوقعته الملائكة للإنسان، وهذا ما يعيش عليه الإنسان إلى الآن متمثلاً في حكومة الجهوية. والمعلومات ليست غائبة، لأن الظلم حاضر يفقأ العين، وذلك لأن الشماليين يعدون الشمال كدولة مستقلة مستقبلاً إذا ما غاب عنها رأس الدولة والوزارات السيادية، وذلك بتوجيه كل الإستثمارات الوطنية والأجنبية إلى الشمال، والمعلومات التي تخرج الناس من الظلام إلى النور غائبة وصعبة الإحضار، وإذا حضرت أو وجدت تكون محاطة بتمويه كما حدث لبترول هجليج الذي إستخرج في الغرب وعمل لمصفاة بمدينة الجيلي وتلك خرافات صاغوها من أجل تغليب ميزان الثروة في السودان إلى صالح الشمال وذلك بإيجاد فرص عمل للشماليين وصنع مصادر دخل إضافية لسكان مدينة الجيلي من إيجارات ومطاعم وما يحتاجه الإنسان الوافد للعمل بالشمال والتي حرم منها من هم أحق منهم في العمل في حقول النفط والصناعات المساعدة لذلك، والأمثلة كثيرة للمراقب محاطة بخرافات وهي لا تحول دون تفهم الموضوع وإمكان إحضار البديل الذي لن يصير صعباً.
إن أكبر عقبة أمام أهل السودان هي هذه المشكلة مشكلة طغيان الإنسان، نحن نعيش في الطغيان من أخمص القدم إلى قمة الرأس، من حلفا إلى نمولي، ومن الجنينة إلى بورتسودان، وقمة السلطة مبنية على الفساد وسفك الدماء، والأكثرية مهزومة، والأقلية الطاغية متحكمة ومتمردة، ووعي أهل السودان خجول متردد مسلوب الإرادة ولا قوة له بالمجابهة أمام الجهوية والطغيان، ولهذا فإن أكثر أهل السودان طغيان هم أهل الشمال لرفضهم للديمقراطية التي لا تأتي بهم منذ أن إستقل السودان وإلى اليوم وفي هذا السياق الذي ينقض كل التقدم البشري ويحبط سعي أهل السودان جميعاً من أجل اللحاق بالعالم. إن عدم تحول السودان إلى الديمقراطية وجعل بعض النفعيين متاريس معيقة لنمو الوطن كله من أكبر الفساد، وهو في لغة الدين الشرك الذي يحبط سعي الأمة كلها، بل إن وجود العنصريين في قمة السلطة يصل فساده إلى كل جزء في الوطن ويفرض أصغر الطغاة طغيانه لأن حق صناعة القرار لا يعطي إلا للخونة المتملقين وهي ميزة لتعطيل العقل والمنطق، إنني أقول عن حق إبداء الرأي والرأي الآخر وكيفية تقبل الآخر أنه أكبر عقبة في مسيرة وحدة السودان، فماذا سنعمل إذن والسودان الآن ودستوره الذي جمعوا جهابزة أهل الناموس في العالم معطل وقوانينه مبنية على القرارات الجمهورية التي تشبه شريعة الغاب، والحق للقوة، ولا يوجد حق خارج القوة، والسودان كله ضمنياً يسلم بهذا وهذا دليل على سكوت العقل والعقلاء وعدم بلوغ العلماء درجة الرشد والوعي لأن ثقافة القوة والمال والعسكر لهما هيبة تسكت العقل الذي لم يبلغ الرشد بعد، فإذا انتقلنا إلى دول الجوار، وهي آخر وريث للإستعمار الذي مسخ الهوية وصنع النخب لتولي المهام بعد خروجهم بالاعتماد على القوة رأينا كيف أن الباطل سيظل يتحدى الباطل، لأن الكل إيمانهم بالقوة وليس إيمانهم بالإقناع والعلم والمعرفة، ويمكن إقناع الناس بأن الحق للقوة بأعلى والقوة هي الرضوخ إلى إرادة الشعوب.
ولكن النفس البشرية بطبيعتها المتمردة، تتمرد على السلاح والموت، فالسودان لا يزال في مرحلة الطفولة المبكرة. ولا زال يكتوي بجبروت الظلم وعدم المساواة ولم تكن فكرة (العدل والمساواة) وليدة الصدفة بل غل أصاب أهلنا في السودان لعقود من الزمان لم ننعم فيها بحرية العقيدة، وحرية الرأي.
إن سحر الطغاة في العالم عظيم بسبب جهل الناس وبسبب إيمان الناس بالقوة الجسدية وليس بقوة الروح التي نفخها الله في الإنسان، ليتحدى القوة، لا تخافوا من الذي يقتل الجسد بل خافوا من الذي يقتل الروح، يقتل العقل يقتل أفضل ما في الإنسان.
إننا نعيش أعظم وأضخم لعبة قذرة في حياة البشر لإلغاء الإنسان داخل الإنسان، ففي نشوة من الانتصار أعلنوا حين زخرف لهم هواهم تهاوى الكفاح المسلح في دار فور وإعلان الرئيس نهاية العمليات العسكرية والتي كانت كلها طمس للحقائق وذر الرماد في العيون وقد ثبت عكس ذلك بأن إرادة الشعوب لا تقهر وأن القرن العشرين تهاوت فيه الشيوعية وفي القرن الحادي والعشرين ستتهاوى كل الجهويات والعنصريات المتقوقعة، وسوف لن يتهاوى شوق الإنسان إلى العدل والمساواة، وقد تتهاوى الدول الإسلامية وتقدم الاعتراف بالهزيمة لسيدة العالم وريثة كل الطغاة والطغيان البشري ولكن لن يتمكن طاغية قط من هدم روح الله في الإنسان، فإن يكفر المسلمون بالإسلام فسيأتي من يدافع ويتمسك وينتصر لروح الله في الإنسان.
إن هدم دار فور، وسحق أهله الطيبين بالطائرات والصواريخ وعبر وسطاء الحرب (الجنجويد) حين عجزت الحكومة عن سحقهم، رغم التفوق العسكري الكلي لها، الآن يريدون إبراز أن أهل دارفور يأتوا مدعمين بقوة أمريكا وكل إمكاناتها لقتل روح الوطنية والنضال في أهل السودان، إن الروح لا تقتل، إن الروح كتب لها الخلود، إن من فتح باب الفتنة هي الحكومة وهي التي تتحمل مسئولية دخول جحافل العالم واحتواء دار فور من جديد بالقوة كما فعل الزبير باشا إبان حربه مع سلطنة دار وسوف لن يطول ذلك، لأن القوة ستبطل، وأن إيمان الإنسان بالطغيان مهما كان قوياً لن يتمكن من قهر روح الإنسان على الأرض، وقد يتمكنون من هدم الهوة عسكرياً وقد يحاولون ذلك في باقي السودان، وليست دار فور فقط، ولا جبال النوبة، بل إن الحقد على الإرث التاريخي لدار فور أكبر، فقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر لكل ما هو آت من الغرب، إن مقتل الخليفة ومقتل علي دينار ما ظنكم بها وأنتم أصدقاؤنا وبنوا جنسنا أن تقفوا هذا الموقف الذي وقفتموه في حربنا ضد المستعمر الغاشم، كأنكم تقولون لنا أيها الأقزام الحقراء متى كان لكم حق أن المشورة وإبداء الرأي وحين نطلب منكم أمراً نريده تؤدونه صاغرين؟! هل هناك من هو أكبر منا حتى تقدموه علينا؟! ألا ترون أهل السودان جميعاً يسجدون لنا مع شيوخهم!؟ إنكم تقولون مثل ما قال فرعون للسحرة الذين آمنوا: ((آمنتم له قبل أن آذن لكم.. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين.. ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)) ..إننا لن ننسى، ونريد منكم أن لا تنسوا ما فعلتموه بأهلنا في دار فور.
إن السودان في أوج الطغيان والطاغوت، وإن سقوط مايو وعبود زاد من إستحكام قبضة طغيان الطغاة والآن لا يوجد في الوطن إلا القطب الواحد الذي تجاوز طغيان كل الطغاة الذين تعاقبوا على أرض المليون ميل مربع، إذا كان فرعون يقول ما أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد، فهل الشمال لا يريد أن نرى رشاداً في باقي البلاد، وكأننا توقفنا هنا ووصل التاريخ إلى نهايته، ولكن هناك الملايين من البشر تتطلع إلى بداية التاريخ وربما تكون بداياته بدايته في هؤلاء المستضعفين الذين وقفوا ضد العشرة الكرام الذين كانوا سبعة, وإن كثرتهم قلة كالمثل القائل زير في جراب سقط من علٍ.
ترى ما ذاك الذي كان يدور في ذهن مصطفى إسماعيل حين زار دار فور .. ألم تدور في ذهنه تساؤلات عن أين هي الحضارة التي بشروا بها في بدايات إنقلابهم المشئوم والتي يبدو في الظاهر أنها كانت أكثر شئوماً على الأمة الإسلامية، وأنموذج للتخلف وأين من تم تكريمه أحسن وأكثر، أين الإنسان الذي تم تحريره جذرياً فيما يبدو من الإكراهات؟ وأين هي السلطة التي رفعتم شعارها لا للسلطة ولا للجاه وأين هي الطائفية التي تم إضفاء طابع الشمولية عليه بقدر أكبر؟ غير أنه يبدو لي أن نوعاً من الخوف يختفي وراء تجاعيد عينيه وأنا أكتب هذا المقال.. إن كل شيء يجري كما لو أنه أريد محوه حتى قصر علي دينار.. ومجاهدات السطان تاج الدين، ومفخرة الخليفة عبدالله التعايشي وهل يوجد في مجتمعنا وفي كل المجتمعات الأخرى.. خوف عميق من المستقبل وهذا نوعٌ من الخوف الأصم ضد الأحداث.
إلى أين سيؤول مصير الطغاة حين يفهم الناس معني ((إقرأ وربك الأكرم))، كم هم في رعب من انتشار المعرفة، المبدأ الأول في لغة السماء. فمن الأجدى والأكرم أن يقتسم أهل الشمال السلطة مع باقي أهل السودان حقناً للدماء وذلك سيحفظ لهم شرف الوقوف عند الحق لأنهم حقنوا الدماء.. وإلا سيكونون في مذبلة التاريخ للمرة الثانية.
التعايشي